مهاجرون بانتظار الحصول على الطعام في مجطة قطار العاصمة البوسنية في 24/06م2018
مهاجرون بانتظار الحصول على الطعام في مجطة قطار العاصمة البوسنية في 24/06م2018

يدخل عشرات المهاجرين يوميا إلى البوسنة، التي تحولت إلى محطة العبور الجديدة إلى دول الاتحاد الأوروبي منذ بداية العام. وأثار توافد المهاجرين المستمر إلى هذا البلد الفقير مخاوف الجمعيات الحقوقية، نظرا "لبطء استجابة الدولة وعدم قدرتها على تلبية حاجات الوافدين الجدد الذين يفترشون العراء". وتقوم مجموعة من المتطوعين بتوزيع وجبتي طعام يوميا على المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في العاصمة سراييفو.

تبدو محطة القطارات الرئيسية في العاصمة البوسنية مهجورة للوهلة الأولى، لكن عند الاقتراب من المبنى الرئيسي للمحطة، يظهر العشرات من المهاجرين المنتمين لجنسيات مختلفة يجلسون على حافة المبنى وبجانبهم أغطية وحقائب صغيرة.

ويوميا عند الساعة الثامنة مساء، تأتي مجموعة من الناشطين والمتطوعين الشباب لتوزيع الطعام على المهاجرين الذين يبدو عليهم التعب بعد أن أنهكتهم رحلة الوصول إلى البوسنة.

وقبل حوالي ساعة تقريبا من موعد توزيع الطعام، يبدأ المهاجرون بالتوافد إلى الساحة بأجواء يسود عليها الهدوء والتنظيم.

ويصطف عشرات المهاجرين الشباب الذين تنحدر غالبيتهم من أفغانستان وباكستان وإيران والمغرب، أمام سيارة بيضاء صغيرة تحول صندوقها الخلفي إلى مائدة لتوزيع الطعام.

ساجدة، متطوعة برفقة آخرين من جمعيات ومنظمات دولية ومحلية كمنظمة "بوموزي با" البوسنية، تحرص على توزيع الطعام بشكل منظم. وبلغة عربية ركيكة، تحاول الشابة البوسنية التفاهم مع المهاجرين وتقديم المساعدة لهم. ويبدو التعب واضحا على وجوه كل من المهاجرين والمتطوعين على حد سواء.

توضح ساجدة لمهاجر نيوز خلال انهماكها بسكب الطعام وتنظيم العمل، أنهم يوزعون نحو 300 وجبة طعام يوميا على مرحلتين، الثانية بعد الظهر والثامنة مساء.

دون خيام أو فراش

وتحولت العاصمة سراييفو إلى محطة استراحة بالنسبة للمهاجرين الذين وصلوا إلى البوسنة بطريقة غير شرعية عبر الجبل الأسود وصربيا، خاصة بعد أن شددت الأخيرة الحراسة على حدودها وتم إغلاق الممر التقليدي الذي كان يسلكه المهاجرون للوصول إلى دول أوروبا الغربية.

ويفترش المهاجرون الحدائق العامة في العاصمة البوسنية أو خلف محطة القطارات، وينامون دون خيام أو فراش، فلا يوجد في سراييفو سوى مركز واحد لاستقبال طالبي اللجوء يبعد نحو 40 كيلومترا عن مركز المدينة باتجاه الجنوب، ولا يتسع سوى لـ200 شخص كحد أقصى.

ولا يفضل المهاجرون عادة الذهاب إلى هذا المركز المخصص لطالبي اللجوء في البوسنة والبعيد نسبيا عن الحدود، وتحديدا عن النقطة التي يمر عبرها المهاجرون إلى كرواتيا البلد العضو بالاتحاد الأوروبي، لأن معظم الوافدين الجدد لا يرغبون بالبقاء في هذا البلد الصغير الذي مازال يحاول التعافي من الحرب الدامية التي شهدها في التسعينات.

وعلى بعد بضعة أمتار من المبنى الرئيسي لمحطة القطار، يفترش ستة باكستانيين الأرض بجانب سكة القطار.

ورغم المساعدات التي تقدمها الجمعيات المحلية، إلا أن المهاجرين يعيشون ظروفا صعبة. فلا توجد حتى خيام يحتمي بها هؤلاء كما هو سائد في باقي الدول الأوروبية. وينام هؤلاء الباكستانيون على الأرض دون فراش أو خيام رغم هطول الأمطار بشكل دائم في البلاد وتدني درجات الحرارة خاصة في الليل.

ويؤكد المتطوعون أنهم يحاولون تنظيم المكان ومساعدة المهاجرين قدر الإمكان بالرغم من إمكانياتهم المتواضعة، فهم يعتمدون بشكل أساسي على التبرعات والمساعدات من السكان المحليين.

وتنتقد الناشطة ساجدة السياسة الداخلية للبوسنة، التي تجعل الأمور أكثر "تعقيدا وفوضى" خاصة مع وجود كيانات شبه مستقلة تديرها جهات مختلفة. فبالنسبة لها، فإن "الحكومة أظهرت عدم قدرتها على تلبية حاجات الوافدين الجدد الذين يفترشون العراء، والدولة لا تتحرك بالسرعة الكافية لمساعدة المهاجرين وتأمين مراكز إيواء لهم".

"الجميع يتعامل معنا بلطف"

وبعد الانتهاء من توزيع الطعام، تقترب لميس، وهي مهاجرة سورية قادمة من اليونان، من المتطوعين وتسأل بخجل عن إمكانية حصولها على غطاء تحتمي به من البرد مع زوجها، فليس لديهما مكان للنوم وهذه ليلتهما الرابعة في حديقة عامة دون فراش أو خيمة.

بالنسبة للميس، الوضع في البوسنة أفضل بكثير من اليونان، "أمضيت 7 أشهر من الجحيم في مخيم موريا، أشعر بنوع من الراحة في البوسنة. فرغم صعوبة الوضع هنا، إلا أن الأشخاص يقدمون لنا المساعدة والجميع يتعامل معنا بلطف شديد".

ووصلت لميس برفقة زوجها إلى البوسنة عبر صربيا، بعد أن اجتازت مشاق الرحلة من سوريا إلى تركيا ثم اليونان. وتنوي لميس وزوجها إكمال الطريق بهدف الوصول إلى ألمانيا أو فرنسا.

وقام بعض سكان سراييفو ونشطاء حقوق الإنسان بتوزيع أغطية وملابس على المهاجرين المشردين في الشوارع.

ولا يعد توافد اللاجئين إلى البوسنة مشهدا مألوفا بالنسبة لهذا البلد الفقير، كما لا توجد هناك فعليا منظمات مخصصة لمساعدة اللاجئين. كما يبدو أن الجمعيات المحلية ليس لها تجارب سابقة مع هذا العدد المتزايد من المهاجرين، فهم لا يمتلكون خيام أو حتى شوادر قماشية.

محطة عبور

ويمضي المهاجرون عادة بضعة أيام في العاصمة قبل أن يتوجهوا شمالا، إلى مدينة فليكا كلادوشا الحدودية مع كرواتيا.

وتعد البوسنة بالنسبة لمعظم المهاجرين محطة أو مرحلة مؤقتة، يتجهون بعدها إلى كرواتيا ومنها إلى باقي دول الاتحاد الأوروبي. ووفقا للأرقام الرسمية، دخل نحو 6000 مهاجر البوسنة منذ بداية 2018، أي بزيادة تجاوزت الـ700% مقارنة مع العام الماضي.

لكن "الدخول إلى كرواتيا ليس سهلا" بحسب الشاب المغربي جلال الذي حاول عبور الحدود سبعة مرات، وباءت محاولاته جميعها بالفشل. وفي كل مرة يعود إلى سراييفو للقاء أصدقائه وأخذ قسط من الراحة قبل التوجه مرة أخرى إلى شمال البلاد ومعاودة المحاولة.

وبالرغم من الجنسيات المختلفة واللغات المتعددة التي تجمعها هذه الساحة، إلا أن الحديث السائد في أوساط المهاجرين يتكرر في كل مرة. فالجميع يحاول معرفة الوضع على الحدود مع كرواتيا للبحث عن أي معلومة أو نصيحة قد تساعدهم على إكمال طريقهم وعبور الحدود.

سبعة محاولات باءت بالفشل

حميد، شاب أفغاني لم يتجاوز الـ16 من عمره، يقف إلى جانب السيارة ويساعد في توزيع الطعام وتنظيم المكان. حميد أكثر حظا من باقي المهاجرين، فهو ينام منذ حوالي أسبوعين في "منزل للجميع" مخصص للعائلات وتديره مجموعة متطوعين. ويقوم الناشطون واللاجئون المقيمون في هذا النزل بتحضير الطعام لتوزيعه في محطة القطار.

Les bnvoles sactivent pour dcharger la voiture et distribuer les rations alimentaires Crdit  InfoMigrants

ويقول حميد لمهاجر نيوز إنه حاول عبور الحدود من البوسنة إلى كرواتيا برفقة عائلته حوالي 7 مرات، لكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل.

ودخل الشاب الأفغاني مع عائلته إلى البوسنة منذ حوالي شهرين عبر صربيا، بعد خروجه من أفغانستان إلى إيران ثم إلى تركيا ومنها إلى اليونان. ويرغب مع والده ووالدته بإكمال طريقهم نحو كرواتيا للوصول إلى وجهتهم النهائية وطلب اللجوء في ألمانيا.

ويقول حميد "لا نعلم ماذا سنفعل. والدي يفكر بالعودة مجددا إلى اليونان وتجربة طريق آخر للدخول إلى أوروبا. لكنني لا أمانع البقاء هنا في البوسنة، فأنا منقطع عن الدراسة وأرغب بإكمال تعليمي".

 

للمزيد