يكثر الكلام مجددا عن أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء المشتتين في المخيمات العشوائية في بعض المدن الفرنسية الكبرى، وينقسم الرأي العام حولهم بين مؤيد ومعارض في ظل تردد الحكومة في حسم أمرها حيال تكاثر المخيمات العشوائية في مدينتي كاليه وباريس. وتحتدم الانقسامات بشكل خاص فيما يتعلق بأوضاع من أطلق عليهم تسمية لاجئين "دوبلينيه"

"دوبلينيه"، عبارة فرنسية حديثة تطلق لتوصيف واقع مهاجرين أو لاجئين خاضعين لأحكام اتفاق "دبلن" العاصمة الأيرلندية الذي أقر عام 2013. وتجبر بنود هذا الاتفاق، اللاجئ على تقديم طلب لجوئه في أول دولة أوروبية يدخلها؛ وتحدد الأسباب والمرتكزات التي يجري على أساسها قبول أو رفض طلبات اللجوء في هذا البلد أو ذاك من دول الاتحاد الأوروبي.

هؤلاء المهاجرون أو اللاجئون لا يظهرون في إحصاءات المهاجرين المؤقتة، وذلك لرفضهم إعطاء بيانات قيدهم الشخصية في الدولة التي يتواجدون على أراضيها، ففي فرنسا لا تحتسب أعداد هؤلاء المهاجرين في بيانات الإحصاءات الرسمية، بل يجري تعدادهم فقط من قبل دوائر الشرطة، التي أفردت لهم فريق عمل وحيد متخصص للبحث في أوضاعهم. ويعود رفضهم الإفصاح عن هوياتهم في باريس لاعتقادهم بتزايد حظوظ حصولهم على تراخيص اللجوء في بلدان أخرى كبريطانيا وغيرها.

وتظهر بيانات الشرطة، أن 25 بالمئة من طلبات اللجوء المسجلة لديها، جمدت بناء لتفسيرات اتفاق "دبلن" على ما يقول ’ جيرار ساديك ’، من جمعية "لا سيماد". وهي منظمة غير حكومية. حسبما أوردت الوكالة الفرنسية للأنباء آ. إف. ب.

من أين يأتون؟ وإلى أين يزمعون اللجوء؟

سودانيون وإريتريون وآخرون من جنسيات مختلفة، هم لاجئون كان يتوجب عليهم طلب اللجوء في إيطاليا أو اليونان أولا حيث وصلوا عبر البحر الأبيض المتوسط. لكن آلية إعادتهم من فرنسا إلى اليونان، توقفت منذ العام 2011 لأسباب يونانية داخلية خاصة. ومن المتوقع انطلاقها مجددا في شهر آذار/مارس 2017. وغالبا ما تكون اليونان وإيطاليا أولى محطات الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا الواقع يلزم المهاجرين بتقديم طلبات لجوئهم في هاتين الدولتين تحديدا بحسب بنود اتفاق "دبلن".

جزء من المهاجرين الذين تم إحصاؤهم في دول شمال الاتحاد الأوروبي، بدأ بمغادرة هذه الدول بعد تشددها في شروط اللجوء والإقامة فيها، وهو ما دفع البعض إلى محطات جديدة كفرنسا. كما هو حال اللاجئين والمهاجرين، الوافدين من ألمانيا والسويد إلى باريس. حيث تشير وزارة الداخلية الفرنسية إلى صعوبات في ملفات 70 بالمئة من الذين استقبلوا في مراكز أولية للرعاية، لأنهم يقعون تحت أحكام اتفاق "دبلن"، التي تجبرهم على العودة إلى أول بلد دخلوا منه إلى الاتحاد الأوروبي.

ما هو مصير هؤلاء؟

تطلب فرنسا من دول الوصول المعنية بهؤلاء المهاجرين، استردادهم. فكشوف بيانات قيدهم وبصماتهم عند هذه الدول تساعد في ذلك. وبعد الحصول على موافقة هذه الدول، تعطى السلطات فترة 6 أشهر لإتمام عملية إعادة المهاجر إلى البلد الذي أحصي فيه أولا. وتمتد هذه الفترة إلى ثمانية عشر شهرا في حال ثبت تواري اللاجئ عن الأنظار. ولا يحق للاجئ خلال هذه المدة، طلب اللجوء في فرنسا رغم تواجده فيها. ويسمح القانون أيضا بفرض الإقامة الجبرية عليه، وكذلك توقيفه.

وما جرى بالنسبة إلى مهاجري مخيمات منطقة كاليه شمال فرنسا، هو أن وزير الداخلية الفرنسية السابق برنار كازنوف، طلب عدم إدراج هؤلاء تحت بنود اتفاق دبلن، إذا ما قبلوا بالخروج طوعا مما بات يعرف باسم "أدغال كاليه" {مخيم كاليه العشوائي}. وتبين لاحقا أن 44 بالمئة منهم كانوا قد طلبوا اللجوء في بلدان أخرى ومع ذلك وصلوا، بينما تمنى 37 بالمئة فقط تقديم طلبات لجوئهم لدى السلطات الفرنسية.

إلا أن وعد الوزير الفرنسي بقي موضع شك من قبل بعض الهيئات غير الحكومية، المتابعة لأمور اللاجئين، والتي أشارت إلى أن بعض دوائر الشرطة لا تزال تطبق اتفاق دبلن بحقهم.

بشكل عام لا تزال تعهدات الوزير السابق ورئيس الحكومة حاليا برنار كازنوف قائمة؛ فلا إبعاد خارج الحدود. إلا أن تشدد السلطات لا يزال قائما حسبما يؤكد أحد المراقبين.

المهاجرون الذين يصلون إلى باريس أولا يوجهون إلى مراكز تدعى "سي. آ. أو."  أي مراكز استقبال وتوجيه اللاجئين، حيث يحضرون طلب اللجوء.

أما اللاجئون الآخرون فيرسلون إلى مراكز الطوارئ للإيواء، وقد تطبق بحق بعضهم بنود اتفاق دبلن.

ما هو مستقبل اتفاق دبلن؟

يتعرض هذا الاتفاق إلى الانتقاد بشكل متواصل، فهو "غير عادل، لأنه يحمل المسؤولية دائما إلى البلدان التي دخل منها المهاجرون إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة إيطاليا واليونان، وهو يطبق بشكل سيء، حيث أن 80 إلى 90 بالمئة من اللاجئين يعودون بعد أشهر إلى السياق الطبيعي لحل مشكلتهم في دول إقامتهم نفسها"؛ كما تؤكد المنظمة غير الحكومية "لا سيماد".

كل هذه التعقيدات، دفعت السلطات الأوروبية إلى البدء بعملية إصلاح بهذا الخصوص، لكن دون جدول زمني واضح حتى الآن.

ترجمة : جيل واكيم

 

للمزيد