Copyright : Wide
Copyright : Wide

هي صور نادرة، لمهاجرين في مخيم عند الحدود بين إسبانيا والمغرب قرب مدينة مليلية، قام بالتقاطها مهاجر من مالي، عاش في هذا المخيم أكثر من عام، وحول هذه الصور إلى فيلم وثائقي لا تتجاوز مدته الساعة ونصف الساعة، ويضع المشاهد أمام واقع المهاجرين الذين يبحثون عن حياة أفضل في أوروبا.


"التصوير يثبت وجودي". يقول أبو باكار سيديبيه البالغ من العمر 31 عاما، والذي أمضى 16 شهرا في جبال غوروغو في شمال المغرب آملا بالوصول إلى أوروبا، عبر المرور بمليلية، الجيب الإسباني، والتي تعتبر " أرضا أوروبية في القارة السوداء"، حسب قوله.


في غضون أشهر قليلة بين آب/ أغسطس وشهر تشرين الأول/ أوكتوبر، قام هذا المهاجر بتصوير حياته اليومية بصحبة أصدقاء الهجرة، " إخوتي" كما يصفهم، داخل هذا المخيم العشوائي، ما أثمر فيلما وثائقيا مدته ساعة ونصف، يعرض في القاعات السينمائية خلال هذا الأسبوع.


المصور الذي صور نفسه


 " كنا نريد إيجاد طريقة مبتكرة تغني العمل القائم أصلا حول موضوع المهاجرين"، يقول الثنائيان موريتس تزيبرت وإستفان فاغنر، السينمائيان اللذان كانا وراء هذه الفكرة الفنية. لذا قاما بإعطاء الكاميرا إلى أبو باكار وأحد رفاقه للقيام بالتصوير لقاء 40 يورو في الأسبوع. يعترف أبو باكار أن المال كان الدافع الأساسي لقبول المهمة الموكلة " كان هذا المال يسمح لي بشراء الطعام، ويبعد عني ذل التسول أو البحث عن الطعام في أكوام القمامة هناك".


مع مرور الوقت أدرك أهمية الدور وضرورة التصوير. " عندما أحمل الكاميرا للتصوير، فأنا أنقل صورا حية معبرة وحقيقية، وكنت كلما أوغلت بالعمل أرى أكثر حقيقة الواقع الذي نعيشه في ذاك المخيم"، كما روى لموقع مهاجر نيوز، مضيفا " لقد سمحت لي هذه الكاميرا أن أنقل ما كان يجري هناك".


المخيم "جمهورية" قائمة بذاتها


مهاجرون من أصول أفريقية مختلفة: كاميرونيون، ساحليون، غينيون، وماليون... 1500 شخص كانوا موجودين هناك في تلك اللحظة، يعيشون في ذلك المخيم القذر بين الخيم مع الكلاب والدجاج، منهم من يقوم بطهي الطعام ومنهم من يوضب الحاجيات وآخرون مستسلمون لسماع الموسيقى.


كانت الحياة داخل المخيم منظمة تماما، " كأنها جمهورية أو أمة " كما يصفها أبو باكار سيديبيه. " الرئيس والوزراء يتناقشون فيما بينهم"، كما يقول الرجال في أحد مقاطع الوثائقي. وفي الواقع هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى المسؤولين عن المخيم. " انتخبوا بالاقتراع العام في غوروغو" كما تفعل كل الديموقراطيات في العالم، فهم يسوسون الحياة داخل المخيم وينظمون الهجومات عند الحدود للقفز فوقها للمرور إلى القطاع الأوروبي من الأرض. مسؤولو المخيم هم أيضا مهاجرون يبغون التسلل إلى أوروبا.


هذا " النظام الجمهوري"، لا يصدم أبو باكار لأن " وجود المسؤولين ضروري لتجنب الفوضى في هذا المكان المؤقت الذي ينتظم بالقوانين الخاصة به"، ومن قواعد التعامل المطبقة في المخيم: " يمنع التكلم مع الشرطة المغربية، ويمنع اعتداء الأشخاص بعضهم على البعض الآخر، ويجب التعاون في العمل لمصلحة الجميع".




Copyright : Wide

رغم صعوبات الحياة اليومية، تصور الكاميرا داخل هذه البيئة التي لها طقوسها، بعض لحظات الفرح المسروق من الواقع الأليم، كإقامة مباراة في لعبة كرة القدم. فريقان أولهما من ساحل العاج والثاني من مالي يتباريان حتى إطلاق صفارة النهاية فيهلل الفريق الرابح فرحا في أجواء من الرقص والغناء.


لحظات من الفرح الذي لا يدوم، لتعود بعده الأسئلة الوجودية إلى الضغط على الجميع مجددا أمام قيام الشرطة المغربية بإحراق المخيم كما تفعل دوريا. كما يستأنف التفتيش عن الطعام بين القاذورات المرمية، وتقطع هذه اللحظات من وقت لآخر وفاة " أحد الإخوة " الموجودين هنا ممن بقيت عائلته في بلادها، وكيفية إخبارها بالفجيعة. لكن يبقى الأمل بحياة أفضل في المستقبل.


خلف كل المعاناة يلوح الأمل


الأمل داخل المخيم والمواظبة على العمل للوصول إلى أوروبا، يبقيان المحرك الأساسي للتشبث بالوصول إلى الهدف المنشود. هذه المواظبة تدفع بالجميع لتنظيم مهمات عبور الحدود قفزا، حيث لا تزيد المسافة الفاصلة عن تلك الحدود 100 متر. " يتجمع الرجال للصلاة ثم يرتاحون ويستجمعون عزمهم" لتجاوز " تلك الحواجز الحدودية" أو "مقبرة السود"، كما يؤكد أبو باكار.


لا يتذكر هذا المالي عدد المرات التي حاول فيها القفز فوق الحواجز، لكنه يؤكد أنه شعر بالحرية كلما لمست يداه تلك الحواجز. " خلف هذه الحواجز يوجد الأمل"، كما يقول في الفيلم الوثائقي. كثرة محاولات العبور إلى أوروبا جعلت كل واحد من هؤلاء خبيرا في فن الحيلة. يظهر الفيلم أحد الرجال وهو يضع مسامير تحت حذائه لأن " السلطات لجأت مؤخرا إلى وضع شباك ناعمة يصعب تسلقها، وهذه المسامير تساعد في التسلق وتخفف من خطر الانزلاق، حذائي هو جواز سفري إلى إسبانيا"، يقول هذا المهاجر أمام الكاميرا. يستخدم الطقس بدوره كغطاء للتسلل عندما يغطي الضباب المنطقة، ويصعب على كاميرات المراقبة الحدودية متابعة التحركات بسبب الضباب.


العبور بعد طول انتظار لبداية حياة جديدة


ستة عشر شهرا من الانتظار والترقب مرت منذ وصول أبو باكار من دولة مالي قبل أن تطأ قدماه في 20 تشرين الأول / أوكتوبر للمرة الأولى الأراضي الإسبانية، " كان ذلك يوم الاثنين " على ما يذكر. في الصور تبدو نظراته تائهة ويبدو مصدوما ومنهارا. " عندما نطأ أرض مليلية نشعر وكأننا ولدنا من جديد. نشعر بشيء قوي يصعب وصفه. إنها بداية حياة جديدة".


يعترف أبو باكار سيديبيه أن الوصول ليس نهاية العذاب، فبعد شهور قليلة أمضاها في إسبانيا سيذهب إلى ألمانيا، وستمر سنتان ولم يحصل بعد على بطاقة اللجوء. " لا أفضلية لنا على غيرنا لأننا مهاجرون اقتصاديون"، ومع ذلك تساعده الدولة بمبلغ من المال شهريا قدره 350 يورو، كما يسمح له فيلمه بجمع بعض المال. لا يتوقع أبو باكار أن يرفض طلب لجوئه. " أعرف أنني سأنجح يوما ما. لكنني لا أعرف متى سيحصل ذلك"، يقول بنبرة تفاؤلية، ويشكل هذا الفيلم الوثائقي الذي شارك فيه أملا جديدا بالنسبة له.



نشر في 5 نيسان/ أبريل 2017


نص بالفرنسية: ليسلي كاريتيرو


الترجمة       : جيل واكيم  

 

للمزيد