ANSA
ANSA

ظل التوتر يخيم على العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والسودان على خلفية الاتهامات التي كان يكيلها الاتحاد للخرطوم حول انتهاكات حقوق الإنسان، حيث اعتبر في بعض الأحيان أنها تصل إلى مستوى جرائم حرب. إلا أن هذا الوضع بدأ بالتغير بشكل ملحوظ منذ عامين تقريبا، تحديدا مع بداية أزمة اللجوء التي اجتاحت السواحل الأوروبية انطلاقا من بعض دول شمال أفريقيا، عقب توقيع الطرفين اتفاقيات قضت بحصول الحكومة السودانية على مساعدات مالية أوروبية للعمل على وقف تدفق المهاجرين، إلا أن الكثير من الشبهات تحوم حول طبيعة صرف هذه المساعدات.


مع تفاقم أزمة الهجرة، قرر الاتحاد الأوروبي اعتماد مقاربة تقوم على مكافحة الهجرة في المناطق التي تنطلق منها، فوقع الاتفاقيات مع الدول التي لطالما اعتبرت مناطق ترانزيت للمهاجرين للوصول إلى أوروبا. ولعل أشهر تلك الاتفاقات كان ذلك الذي وقعه الاتحاد مع تركيا عام 2016 لوقف تدفق المهاجرين من تركيا إلى الشواطئ اليونانية. وكرت سبحة تلك الاتفاقات حيث قام الاتحاد بتوقيع اتفاقات وتفاهمات مع دول شمال أفريقيا للتوصل إلى طريقة لمنع المهاجرين من الوصول للمتوسط وبالتالي الشواطئ الأوروبية.


قام الاتحاد الأوروبي بالتواصل مع الحكومة السودانية للتوصل إلى اتفاق يقضي بوقف المهاجرين القادمين عبر أراضيه من الوصول إلى المتوسط، كما قام بتحويل مبلغ 215 مليون يورو لحكومة السودان من أجل أن تمارس رقابة أفضل على حدودها، إضافة إلى إقامة مخيمات لهؤلاء المهاجرين على أراضيها، إلا أن تصريح الحكومة السودانية حول استعانتها بإحدى الميليشيات المقربة منها بضبط الحدود مع الدول المجاورة أثار المخاوف من استعمالها للأموال المخصصة للاجئين من أجل تمويل أنشطة الميليشيات. فهل تقوم الحكومة السودانية باستخدام الأموال الأوروبية لتمويل ميليشيات مقربة منها؟ وما هو واقع اللاجئين في ذلك البلد؟


انتهاكات بحق اللاجئين


وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد أعربت عن قلقها من عدم استخدام السلطات السودانية للتمويل الممنوح لها من الاتحاد الأوروبي لصالح ضبط حدودها مع دول الجوار وتحسين شروط وظروف اللاجئين على أراضيها، حيث ما من إمكانية لمراقبة الطرق التي تتم فيها استخدام تلك الأموال.


وتحدثت المنظمة في عدد من تقاريرها عن الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون الإريتريون والإثيوبيون ممن يتم ضبطهم أثناء محاولتهم التسلل عبر الحدود للتوجه إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا. وتؤكد المنظمة الحقوقية أن ما من مؤسسة أو منظمة دولية أو أممية قادرة على مواكبة أوضاع هؤلاء اللاجئين، سواء أثناء اعتقالهم في السودان أم عند إعادتهم إلى بلدانهم.


السودان يستخدم الأموال الأوروبية لتمويل ميليشيات محسوبة على الدولة


في اتصال مع أحد المسؤولين في منظمة دولية معروفة تعمل في السودان (طلب عدم نشر اسمه)، قال لـ"مهاجر نيوز" إن الأموال التي وصلت إلى الحكومة السودانية لضبط الحدود، جزء منها كان مخصصا للمساعدات الإنسانية للاجئين هناك، إلا أن الحكومة استخدمت الأموال لتمويل نشاطاتها العسكرية في المنطقة ودعم مجموعات موالية لها.


وهذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها أحد الموظفين عدم نشر اسمه أو اسم منظمته في السودان خوفا من التضييق على حركتهم وحتى إنهاء مهمتهم هناك.


يضيف المسؤول أن لديهم شعور بتواطؤ معين يحصل بين الاتحاد الأوروبي والسودان في ما يخص عملية تمويل الأنشطة الخاصة باللجوء في السودان، حيث أن جزءا من الاتفاقيات مخصص لإعادة السودانيين اللاجئين في أوروبا إلى السودان، إلى مخيمات لجوء.





الاتحاد الأوروبي ينفي


وكانت صحيفة دير شبيغل الألمانية نشرت تقريرا يتحدث عن استخدام الحكومة السودانية للأموال الممنوحة من الاتحاد الأوروبي لتمويل ميليشيات محسوبة عليها وقمع اللاجئين. ونفى الاتحاد الأوروبي، عبر مراحل متفاوتة، الاتهامات حول مساهمته في المعاناة التي يمر بها اللاجئون في السودان، حيث عبر من خلال مجموعة من التقارير والتصريحات الصحفية أن الأموال التي تتوجه إلى السودان تستخدم حصرا لمساعدة المنظمات والمؤسسات التي تعمل مع اللاجئين.


بالعودة إلى المسؤول في المنظمة الإنسانية العالمية، سألناه عن لاجئي جنوب السودان وقال "من الصعب تحديد الأعداد النهائية للاجئين في السودان، فتداخل الشعوب في المناطق الحدودية يجعل من هذا الموضوع مهمة مستحيلة، فعلى سبيل المثال، الكثير من الجنوبيين مازالوا مرتبطين بعلاقات عائلية مع عائلات سودانية عبر الحدود الأمر الذي يسهل عليهم اللجوء إلى السودان والمكوث هناك دون أن يتم تسجيلهم، الأمر نفسه ينطبق على الإريتريين والإثيوبيين."


مساعدات ضبط الحدود فاقمت الوضع


ويؤكد المسؤول في المنظمة الدولية أن مسألة ضبط الحدود السودانية مع الدول المجاورة مسألة في غاية التعقيد والحساسية، فقبل الاتفاقيات التي وقعها السودان مع أوروبا، كانت تلك الحدود مفتوحة وسكان المنطقة يتنقلون فيها بكل حرية، أما الآن وبعد أن أرسلت الحكومة السودانية ميليشيا الجنجويد إلى تلك المناطق، تغيرا لوضع، "بالنسبة لي، الأوروبيون يتحملون جزءا من المسؤولية في هذا الاتجاه".


ويضيف "الوضع الجديد أدى إلى انتعاش عمليات التهريب، للبشر والبضائع، وهو مرتبط بمصالح عشائرية في المنطقة وميليشيوية وحتى ضباط كبار في الجيش السوداني مستفيدين منه".





أحد الناشطين الحقوقيين في الخرطوم (طلب عدم نشر اسمه) أكد أن تلك المساعدات التي تتلقاها الحكومة السودانية تذهب إلى تمويل أنشطة قمع المهاجرين وتعزيز السيطرة البوليسية عليهم".


"يبدو أن عودة العلاقات السودانية الأوروبية بالإجمال جاءت على حساب عذابات المهاجرين وأحلامهم"، يستخلص الناشط.


شريف بيبي

 

للمزيد