manuela-1
manuela-1

      من الحرب والمجاعة في جنوب السودان هربت الفتاة مانويلا. وبالرغم من أن الجفاف الشديد في ملجئها الجديد كينيا يهدد حياتها وحياة الكثيرين، إلا أن البقاء في كينيا ربما يساعدها على تحقيق حلمها المستقبلي، وأن تصل إلى منصب رفيع في بلدها الأم


تجلس مانويلا على الأرض المليئة بالغبار، في منطقة خالية على الحدود بين جنوب السودان وكينيا، حيث تنتظر الطفلة ذات السبعة عشر عاماً وصول قافلة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين القادمة إلى نادابال لمدة أربعة أيام، في الوقت الذي لا تعلم فيه مانويلا ما الذي ينتظرها في كينيا.


تقول مانويلا "المدرسة هي أهم شيء بالنسبة لي، جميع رؤساء العالم تقريبا هم رجال مثل سلفا كير، ولا توجد سیدات وصلن إلى مناصب رفيعة في جنوب السودان، لذلك أريد أن أكمل دراستي". وبعد صمت قصير تتابع "الرجال أكثر قوة عندما يتعلق الأمر بالحرب، ولكن النساء أقوى عندما يتعلق الأمر بالسلام".


الخوف والجوع والمدفعية والمدارس الفارغة


تنحدر مانويلا من منطقة توريت في جنوب شرق جنوب السودان، توفي والدها الذي كان يعمل كشرطي خلال القتال العنيف في العاصمة جوبا في تموز/ يوليو الماضي. الحرب للسيطرة على جنوب السودان بين الرئيس كير ومنافسه، نائب الرئيس السابق ريك مشار، وصلت إلى منطقة توريت منذ فترة طويلة، وانهار القانون والنظام نتيجة لهذا الصراع على السلطة بين الرجلين. تقول مانويلا "عندما يبدأ القتال ويقوم المتمردون بإطلاق النار على الناس، يهرب الجميع، والمعلمون لا يعودوا إلى المدارس أبداً على الرغم من أن المحافظ يطلب منهم العودة في محطات الراديو".


manuela-2


تتذكر مانويلا كيف كان عليها الاختباء عندما كانت تشعر بالخوف أثناء إطلاق النار، وتروي معاناتها مع الجوع بعد ارتفاع أسعار الطعام والشعور بالجوع وكيف كان ذلك "يؤثر عليها خاصةً عندما لا يكون هناك ما يكفي من الماء للشرب". في آواخر آذار/ مارس، بدأ الناس بالهرب من توريت فلم يعودوا يحتملوا الحرب وانتشار الجفاف، وعندها قررت مانويلا وشقيقتها الكبرى "جويس"، 18 عاماً، الفرار برفقة أختيها الأصغر أغنيس ، خمس سنوات، والإيمان، أربع سنوات.


أربع فتيات على الطريق


في بداية رحلة هروبهن، استقلت الفتيات الحافلة إلى بلدة نادابال الحدودية، ومن هناك كان عليهم المشي عدة كيلو مترات على سهل مقفر وفي طريق ترابي حتى وصلن إلى الحدود. تتجنب مانويلا عدة مرات الإجابة عن مكان وجود والدتها وتكتفي بالقول "أمي هي ممرضة في توريت"، وهي تهمس، بينما عيناها تنظران إلى الأفق.


وتتابع "إذا جاءت والدتي، فإننا سنعيش معا. إذا لم تفعل ذلك، فإننا سنعيش بمفردنا". وهنا ظهر فجأة شاب يدعى بوسكو جمعة مدعياً انه شقيق والدة الفتيات، حيث روى أن والدة مانويلا قد تعرفت على شريك جديد، ولم تعد تريد الاعتناء بأربعة فتيات. ويقول بوسكو إنه يريد مرافقة الفتيات إلى مخيم اللاجئين في كينيا، لكنه غير قادر على إبقائهن معه، فلديه ثلاثة أطفال لرعايتهم، كما أن زوجته وصلت إلى كينيا مع أصغر طفل قبل شهرين.


لقاح الحمى الصفراء قبل المغادرة إلى مخيم اللاجئين


كانت مانويلا من بين 500 لاجئ ينتظرون العبور إلى المخيم المؤقت على الحدود. إذ سيتم نقلهم بواسطة أربع شاحنات تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لينتقلوا بعدها إلى معسكر كاكوما، وهو ثاني أكبر مخيم للاجئين في كينيا.


manuela-3


"كاكوما هو مكان مخصص للاجئين فقط، وسأكون قادرةً على العودة إلى المدرسة هناك" تقول مانويلا، التي تريد أن تكون وزيرةً للتعليم يوماً ما. تتحدث مانويلا مراراً عن المدرسة حتى عندما لا تُسأل عن ذلك. حيث تفضل علم الاجتماع من مواد المدرسة. تقول إنها لا تخاف عندما تنغرس الإبرة في جلدها من أجل تطعيمها ضد مرض الحمى الصفراء، حيث يتم تطعيم كل من يريد الانتقال إلى مخيم اللاجئين. بينما تقف وشقيقتها الصغيرة تمسك بساقها، حيث يريد الجميع أن يكون أول من يصعد إلى الشاحنات، ويحمل العديد من اللاجئين معهم عبوات مياه كبيرة وأواني وملابس وحتى الدجاج، ما يسبب ازدحاماً في الشاحنة، التي كانت مانويلا من أواخر من صعد إليها، لكنها كانت مبتهجة.


رحلة إلى المجهول


"أنا سعيدة على الرغم من أن كل شيء في كاكوما سيكون غير مألوف بالنسبة لي، وليس لدي أي فكرة عما سيحدث هناك"، تصرخ مانويلا من أسفل الشاحنة. ثم تقف في دور الصعود. وتعتبر كاكوما مستوطنة صغيرة تقع في منطقة توركانا الجافة في شمال غرب كينيا. وكانت مركزاً لتوقف رعاة الماشية وحيواناتهم، لكنها اليوم موطن لحوالي 180 ألف لاجئ، معظمهم من جنوب السودان.


استغرقت الرحلة أربع ساعات، لتصل مانويلا وشقيقاتها إلى كاكوما في منتصف الليل. كان مركز الاستقبال يعج باللاجئين، مما استدعى مانويلا وشقيقاتها النوم خارجاً على الأرض، وهذا كان مخيباً للآمال. تقول مانويلا "الجميع يجلس فقط هنا مثل ما فعلنا على الحدود. أنا خائفة. لا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. أنا أفتقد المدرسة ". لقد تعبت مانويلا من الانتظار.. انتظار إجراءات التسجيل وانتظار الوجبة التالية وانتظار.. لا أحد يعرف ماذا.


عوالم مختلفة تعاني من نفس الجفاف


مانويلا بالكاد لديها القدرة على التعامل مع محيطها الجديد، ولكن سكان توركانا الذين يعيشون خارج المخيم يواجهون كارثة أيضاً. حيث سيطر الجفاف على المنطقة في شرق أفريقيا، ولم يعد من الممكن العثور على المراعي والينابيع، الناس هنا بدؤوا يفقدون مواشيهم وهي أهم ما يملكون، فإذا فقد الرعاة جميع حيواناتهم هذا يعني أن مصدر تأمين قوتهم أصبح بخطر.


manuel-4


تجلس مانويلا على حافة المخيم حيث يمكنها مشاهدة الأكواخ المستديرة لقرية توركانا الصغيرة من مكانها، تقول الفتاة "توركانا ليست لطيفة. سكانها يسرقون أشياءنا". فيما يبدو أن الفتاة الصغيرة قد بدأت بتصديق الشائعات التي تنتشر في المخيم، فلا يوجد تواصل كبير بين اللاجئين والسكان المحليين في توركانا، وكل منهم يعيش في عالمٍ منفصل، يتم رعاية مانويلا واللاجئين الآخرين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما يتمتع السكان المحليون بالرعاية الأساسية من قبل الحكومة الكينية.


أحلام في مهب الريح


مخيم كاكوما أصبح مكتظاً جداً، لذا بدأ العمل على بناء مستوطنةٍ جديدة للاجئين والسكان المحليين على حد سواء في منطقة كالوبيي القريبة، بين أراضي الغابات الجافة. ومن المفترض أن تعيش مانويلا وأخواتها هناك أيضا. ويهدف المشروع إلى تحقيق الاندماج والتنمية، وفي الوقت الحاضر، فإن مستوطنة كالوبيي مأهولة أساسا باللاجئين. ويوجد فيها حاليا نحو 30 ألف لاجئ، وتزداد أعدادهم، حيث يعبر 2000 شخص الحدود كل شهر. غير أن المفوضية تفتقر إلى التمويل لدفع المشروع التجريبي.


manuela-5


تقول مانويلا بشكل متفائل: "إذا حصلنا على بيت حجري جيد هناك، فلن نضطر إلى التفكير في والدينا طوال الوقت، كما يمكننا أن نعيش في سلام، ويمكن أن ندعو الأطفال الآخرين لزيارتنا ونقرأ لهم من كتبنا". هناك بالفعل مدرسة في مستوطنة كالوبيي، ولكن معظم المنازل مصنوعة من الأغطية البلاستيكية، وليس الحجر.


نجت مانويلا وأخواتها من الحرب في جنوب السودان ليبدؤوا حياتهم الجديدة كلاجئين في كينيا في ظل الجفاف الذي يدمر حياة وأحلام الكثيرين في كينيا أيضا.


ساندرا بيترسمان(ر.ج)

 

للمزيد