dw
dw

لبنان هو ملجأ لما يزيد عن مليون ونصف لاجئ سوري. يُلقى باللوم عليهم بسبب ضعف الاقتصاد اللبناني ما يجعل بعضهم عرضة لاعتداءات عنصرية. لكن ما الذي يقدمه السوريون في الواقع للاقتصاد اللبناني؟ أرقام كبيرة يتحدث عنها خبراء.

تساعد آيات حريري والدتها في تحضير وجبة الغداء. أما أشقاؤها الأربعة فمتسمرون أمام شاشة التلفزيون، وسيلة الترف الوحيدة التي تستطيع العائلة توفيرها في بيروت. تبلغ آيات من العمر 15 سنة وهي واحدة من اللاجئين السوريين في لبنان الذين يزيد عددهم عن مليون ونصف ويكافحون لتوفير لقمة العيش في بلد كان يواجه اقتصاده في الأصل صعوبات قبل أن يزيد الصراع في الجارة السورية عدد سكانه بمقدار الربع.

"ندفع 700 دولار (627 يورو) لإيجار البيت، وهذا نصف ما يتقاضاه والدي، وما تبقى نشتري به الأكل"، تقول آيات وهي تصطحب شقيقها الأصغر الذي يعاني مرضا مزمنا في العين لم تتم معالجته لأن العائلة لا تستطيع توفير مصاريف العلاج.

 تشتهر بيروت بنمط عيش خاص وبالترفيه الذي توفره ويعتبر نمطا ليبراليا مقارنة بمناطق أخرى. الشواطئ المتوسطية في المدينة مجهزة بمبان عصرية لاجتذاب أثرياء العرب من دول أخرى في الشرق الأوسط. شقة من ثلاث غرف هنا قد تكلف أربعة إلى خمسة آلاف دولار شهريا.

لكن مسكن آيات المكون من غرفتين بعيد عن بيروت اللامعة. مسكن محشور بين أعمدة شقق الطبقة المتوسطة والمنخفضة الدخل من المجتمع حيث ينقطع الكهرباء بشكل دائم ويوجد نقص كبير في المياه. ولكن الأسوأ من كل ذلك حسب آيات هو مواجهة  أحكام القيمة الجاهزة من السكان المحليين. "يتعاملون معنا وكأننا قذارات، وكأننا عبء مع أننا نصرف هنا كل ما نجنيه".

يشار إلى أن لبنان يضم أربعة ملايين مواطن ويستضيف أزيد من مليون ونصف مليون سوري. نزوح كل هذه الأعداد من سوريا فاقم الضغط الموجود أصلا على الخدمات العامة والمرافق العمومية. وغالبا ما يلقي السياسيون اللبنانيون اللوم على اللاجئين السوريين بسبب المشاكل الاقتصادية الكبيرة في البلاد. وكل هذا ينعكس على الشارع اللبناني ويصل الأمر إلى اعتداءات على السوريين يصفونها بأنها مبنية على أسباب عنصرية.

 

تكاليف وفوائد استضافة اللاجئين

يقول جاد شعبان أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت إنه في حين يجب أن ينفق لبنان على السوريين الوافدين إليه، فإنّ هؤلاء أيضا يساهمون في الاقتصاد. "فقد زادت قيمة الضرائب على الاستهلاك ب 800 مليون دولار ما بين 2011 و2016". يقول،  ويضيف: "عدد المشتركين في خدمات الهاتف النقال ارتفع من 2و9 مليون إلى 5و7 مليون مشترك، وارتفعت مبيعات المواد الغذاية بنسبة 12 بالمائة".

يتلقى لبنان ما قيمته ,51 مليار دولار سنويا من المساعدات من جهات مانحة أجنبية، ومبلغ آخر غير معروف لكن يفترض أنه ضخم من دول الخليج. يقول شعبان. ويردف قائلا: "بالتالي الأمر ليس له تأثير سلبي بل يخلق توازنا".

لا توجد هناك دراسة تقارن بين ما تنفقه الدولة اللبنانية على اللاجئين والانفاق الكلي للاجئين. ويقول وسام حركة، وهو اقتصادي من البنك الدولي لdw  "المصاريف التي ينفقها لبنان على السوريين يتم الحديث عنها كثيرا بعكس ما ينفقه السوريون في لبنان. ويشمل ذلك الزيادة في الاستهلاك وما لذلك من تأثير إيجابي مضاعف".

قبل الحرب كان والد آيات يعمل أصلا في لبنان في محل للديكور الداخلي وكان يكسب من ذلك الكثير من المال. كان يعمل بدوام كامل ويشتغل ساعات إضافة لتحسين دخله أكثر. لكن منذ بدء الحرب في 2011 خفض صاحب العمل راتبه إلى النصف في الوقت الذي تطالب فيه الدولة برسوم من أجل استخراج تصاريح العمل والإقامة . وإلى حد ما تنجح عائلة آيات في دفع هذه المصاريف لكن عائلات أخرى كثيرة لا تستطيع. وكنتيجة لذلك 21 بالمائة فقط من اللاجئين السوريين في لبنان لديهم إقامة قانونية بينما الغالبية تحولوا إلى يد عاملة رخيصة دون أي حماية اجتماعية.

في المقاهي وورشات البناء يعمل السوريون كيد عاملة رخيصة وغير محترفة. ويواجهون اتهامات من اللبنانيين بأنهم سرقوا منهم وظائفهم، لكن شعبان يربط هذه الاتهامات بمسألة معاداة الأجانب. يقول: "السوريون يشتغلون في القطاعات التي لا يرغب اللبنانيون العمل فيها"، ويضيف "إذا كان لبنان لا يريد هؤلاء فليقم بمنعهم من الدخول إلى البلاد، ولكن لماذا يتم انتقادهم وفي نفس الوقت استخراج أكبر فائدة ممكنة منهم؟ إن الأمر شبيه بما يفعله الأمريكان المعارضون للمكسيكيين".

الدكتور ناصر ياسين، وهو زميل لشعبان في الجامعة الأمريكية ببيروت، يحارب هذه المواقف. على تويتر، يقتبس من الأمم المتحدة إحصائيات تشير إلى أن اللاجئين السوريين ينفقون أكثر من مليون دولار مقابل الإيجار في لبنان يوميا، ما يعني 368 مليون دولار في العام، وهو ما يمثل أهمية كبيرة بالنسبة لقطاع العقار الذي يعتبر إحدى ركائز الإقتصاد اللبناني.

سوريون في لبنان

تحديد وتمويل الاقتصاد اللبناني

وفقا للبنك الدولي كان الاقتصاد اللبناني ضعيفا حتى قبل وصول السوريين. والمصدر الرئيسي للعملة الصعبة فيه والاستثمار يتمثل في تحويلات ملايين المغتربين اللبنانيين في الخارج. الكثير من هؤلاء أسسوا مشاريع تجارية ناجحة في أمريكا الشمالية والجنوبية وفي افريقيا. لكن هذه التحويلات غير مستقرة ما يجعل منها نموذجا اقتصاديا ضعيفا. لذا يريد البنك من لبنان أن يتحول من اقتصاد مستورد إلى اقتصاد منتج من خلال التركيز على الصناعة والزراعة. وفي تقييم حديث له، حث البنك الحكومة اللبنانية على إطلاق إصلاحات، وعلى الاستثمار في البنى التحتية التي تخلق فرص عمل للبنانيين وأيضا

وقد طلبت الحكومة اللبنانية مضاعفة المساعدات التي تتلقاها حاليا من المانحين بما في ذلك الأمم المتحدة لتصرف على اللاجئين السورين. ويقول وسام حركة من البنك الدولي إن مساعدات المجتمع الدولي لا تتناسب مع مساهمة لبنان. "تخيل إنجلترا تواجه فجأة ارتفاعا في عدد السكان بنسبة 30 بالمائة"، يقول "لبنان عاش صدمة كبيرة ويجب أن يحصل على المزيد من الدعم. وإلا فهؤلاء اللاجئون سيتوجهون إلى أوروبا".

هل السوريون فلسطينيون جدد؟

خبراء الاقتصاد والنشطاء يتفقون على أن لبنان يحتاج المزيد من المساعدات المالية لكنهم يطالبون أيضا بأن يكون هناك اعتراف بأن السوريين يدفعون أيضا ثمنا باهظا للعيش في لبنان. الادعاءات بأن السوريين عبء على لبنان يعزز ظاهرة العداء للأجانب.

صحفي لبناني، طلب عدم كشف هويته، بسبب الجدل الذي يثيره الموضوع، يعترف أنه كانت هناك حاجة لتغطية متوازنة للموضوع، لكن يقول إن اللبنانيين كانوا خائفين من تكرار "التجربة الفلسطينية". ويضيف: "لا تنسى أن الفلسطينيين لم يغادروا... الآن إذا بقي السوريون ستتزايد الضغوطات الاجتماعية".

عائلة آيات هاجرت إلى لبنان في ديسمبر 2012 بعد حدوث تمرد كامل ضد الرئيس بشار الأسد في مدينتهم درعا. "لم يكن هناك خيار آخر. النظام قتل الأطفال بوحشية"، تقول آيات: "هنا كل شيء باهظ، ويعاملوننا بشكل سيء. نريد الذهاب إلى كندا، لكن الأمم المتحدة تقول إن الأولوية ليست لنا". وتضيف "لا نستطيع العودة إلى سوريا الآن فحسب، ولكن إن شاء الله، سأعود يوما ما".

فوهرا أنشال (س.أ)


 

للمزيد