picture-alliance/dpa/I. Wagner
picture-alliance/dpa/I. Wagner

يمكن أن تتحول علاقة اللاجئين بسوق العمل الألمانية إلى قصة نجاح، لكن يعوق ذلك إشكاليات تكمن في التفاصيل البيروقراطية الكثيرة، بيد أن بعض الشركات الألمانية الراغبة في تعيين اللاجئين تعاني أيضاً من هذه العقبات البيروقراطية.

تبدو الأرقام واعدة للغاية في ألمانيا، حيث تنخفض فيها نسبة بطالة والكثير من الوظائف الشاغرة. وهذا ما يتطلع له آلاف الشباب من اللاجئين: أي العمل. والسؤال هنا لا يتعلق بمن هو اللاجئ المثالي لسوق العمل؟ بل: كيف تبدو البيروقراطية المثلى لسوق العمل (واللاجئ)؟ الكثير من الحالات التي نصادفها في ألمانيا تدور حول هذا المحور عندما يتم الحديث عن اللاجئين والعمل.

الأرقام الواعدة هي أنه بين 2015 و 2016، كما ذكرت ذلك منظمة التعاون الاقتصادي، قدم نحو 1.2 مليون شخص إلى ألمانيا لطلب حق اللجوء. وفي مايو/ أيار من العام الجاري كان عدد النساء والرجال بدون عمل 2.498 مليون نسمة. وهذه نسبة منخفضة يتقلص بها عدد العاطلين عن العمل في البلاد لأول مرة منذ 26 عاماً إلى ما تحت 2.5 مليون نسمة.

وحتى بالنسبة إلى الوظائف الشاغرة يمكن الحديث عن رقم قياسي، لأنه لم يوجد في ألمانيا أبداً من قبل هذا الكم الكبير من مواطن العمل الشاغرة كما هو الشأن بالنسبة إلى الربع الأول من 2017، أي 1.064 مليون، كما أعلن معهد سوق العمل والبحوث المهنية.

رقم قياسي في الوظائف الشاغرة

لا عجب في أن تعلن شركة الاستشارات EY أن 78 في المائة من مجموع الشركات تشتكي من عدم وجود موظفين ذوي مؤهلات مهنية، والأحرى أن يكون هناك توازن بين الوظائف الشاغرة والراغبين في العمل. فماذا عن اللاجئين؟ قد يساعدوا في شغل تلك الوظائف الشاغرة. على الأقل نسبة منهم. لكن هذا يتطلب وقتا أطول. ففي فبراير/ شباط 2017 كان نحو 9 في المائة من مجموع الباحثين عن عمل المسجلين في ألمانيا من اللاجئين وطالبي اللجوء. ويبقى عددهم مستقراً في حدود نحو 180.000. وعلى خلاف ذلك نجد أن الذين هربوا في 2015 إلى ألمانيا حصل واحد من بين عشرة منهم في السنة الماضية على مكان عمل.

وأحد الباحثين عن العمل في صيف 2015 كان الشاب الأفغاني محمد تارزي البالغ من العمر 23 عاماً، وهو يبحث مجدداً عن عمل. وقصة تارزي هي واحدة من بين الكثيرين التي تكتب عنها الصحف والمجلات الألمانية. فصحيفة "دي تسايت" الأسبوعية كتبت عن تارزي، وقالت إن تارزي كان يعمل في مستودع لشركة أثاث، وفقد بعدها ذلك العمل ليس لسبب شخصي أو بسبب رب العمل، إنما البيروقراطية هي التي كانت المشكلة. ويعرف ربع مجموع الألمان شخصاً يعمل في شركته لاجئون أو يعرفون رجل أعمال يشغل لاجئين. مثل صاحب شركة الأثاث بولير في بلدة أنشاو الذي شغل محمد التارزي في شركته. وتقع أنشاو في ولاية بافاريا حيث من الصعب على غرار المناطق الأخرى في جنوب ألمانيا إيجاد قوى عاملة. وهذا شيء إيجابي بالنسبة إلى محمد تارزي ولشركة بولير.

لكن بعد مرور بعض الأشهر حصل تارزي على رسالة من إدارة شؤون الأجانب ثم أخرى من مكتب الهجرة واللاجئين، كما ذكرت صحيفة "دي تسايت":"إدارة شؤون الأجانب سحبت منه رخصة العمل، فيما بعث له مكتب الهجرة واللاجئين بلاغاً عن الترحيل. وفقد تارزي موطن عمله".

وتم في الفترة الأخيرة في الغالب استدعاء أشخاص منحدرين من أفغانستان لمغادرة ألمانيا. واعتبرت السلطات أن أفغانستان في جزئها بلد "آمن". لكن الكثيرين من طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم لا يغادرون ألمانيا، إلا أنه لم يعد بوسعهم العمل في ألمانيا بصفة شرعية على كل حال.

الترتيب 3+2

منذ 2016 يوجد في ألمانيا ما يسمى بقانون الاندماج، وهو يسمح للاجئين المسموح لهم مؤقتاً بالإقامة في ألمانيا بالشروع في تكوين يحصلون بموجبه على حق الإقامة. في البداية لمدة ثلاثة سنوات وهي فترة التكوين وبعدها لمدة عامين إذا حصلوا على موطن عمل. وهذا يسمى الترتيب 3+2. لكن الشركات تشكو من أن هذا القانون يمنح الإدارة "سلطة تقديرية واسعة"، كما ذكر اتحاد الصناعة والتجارة.

ففي بلدة أنشاو استغلت السلطات مجال سلطتها التقديرية لمنح اللاجئ تارزي فرصة إتمام تكوين مهني، لتنزع منه بعدها رخصة العمل. والشركات التي توظف الكثير من المال والوقت في تكوين لاجئ لا يروقها هذا الوضع المترنح. وهذا ما يؤكده أيضاً رئيس مكتب العمل الاتحادي: "في بادن فورتمبيرغ وبافاريا وساكسونيا حصل رغم الترتيب 3+2 أن وقع لاجئون على عقد تكوين، لكنه تم ترحيلهم قبل أن يبدأ التكوين"، كما قال ديتليف شيله في مقابلة.

ويمكن في هامبورغ وميونيخ معاينة إلى أين يقود هذا التطور، أي إلى سوق العمل السوداء. فطالبي اللجوء المرفوضين الذين يريدون على كل حال العمل يتحولون إلى عمال بأجر يومي، وتقول نقابية إنه فور تشييد مركز إيواء لاجئين يأتي وسطاء عمل غير قانونيون بشاحناتهم لأخذ راغبين في العمل إلى الميناء أو أماكن أخرى للعمل بصفة غير قانونية.

ويؤكد الخبراء أن تعلم اللغة الألمانية هو أساس سياسة الاندماج، فنحو 60 في المائة من أرباب العمل الذين لهم مشاكل مع العاملين الأجانب لديهم يتحدثون عن نقص في الإلمام باللغة كسبب وراء "مشاكل كبيرة". وكشفت استطلاعات رأي أن معرفة اللغة الألمانية ضرورية حتى لمزاولة المهن البسيطة. ويوصي الخبراء بإدراج تعلم اللغة الألمانية في التكوين المهني. فغالباً ما يريد اللاجئون الجدد كسب المال بسرعة عوض إتمام تكوين مهني.

وعليه وجب على معاهد التكوين تكييف عروضها المدرسية، كما يعتبر هلموت بيتر الذي يشغل لاجئين في مصنعه لإصلاح السيارات. ويوجد في ألمانيا ما يسمى النظام المزدوج أي جزء من التكوين يكون في المدرسة والجزء الآخر في المصنع ويجمع بين النظري والتطبيقي.

طلبات في اتجاه السياسة

والكثير من اللاجئين يحتاجون في البداية إلى تأهيل أولي قبل أن يشرعوا في كوين مهني. وهذا التأهيل، كما يقول خبراء يجب أن ينطوي أيضاً على التدريس في المعهد المهني. وهناك بوجه خاص مطالبة بالكف عن التعامل بصفة مختلفة مع قوانين الإقامة من قبل بلديات وولايات مختلفة. كما أنه من المهم تعيين جهات مختصة في الإدارات تكون المحاور المباشر للشركات واللاجئين عوض إدراج برامج جديدة في كل مرة. كما أن شروط مقر السكن تسبب مشاكل كبيرة، لأنها تجبر اللاجئ على البقاء في مقر سكنه الأول وهو مجبر مثلاً على الذهاب إلى مكان آخر حيث محل العمل.

فأرباب العمل يأملون في الحصول من السلطات المختصة على مزيج من الليونة والشفافية والأمن القانوني. وتفيد استطلاعات الرأي أن الشركات التي تعرض فرص عمل للاجئين لا تواجه مشاكل كبيرة معهم في العمل وهي مرتاحة لمردودية عملهم.

"حق أساسي لمجتمعنا"

وحتى أرباب العمل يشيرون إلى التزامهم الذاتي: فنحو 80 في المائة من أرباب العمل الذين شملهم الاستطلاع قالوا بأنهم شغلوا طالب لجوء أو لاجئاً انطلاقاً من شعور جزئي بالمسؤولية الاجتماعية.إنغو كرامير رئيس أرباب العمل الألمان نوه منذ مدة بالحكومة لعملها الجيد في أزمة اللجوء، معتبراً أن ذلك لا يكفي وأن الكثير من الجهود "تذهب هباء في عمل الإدارة". وقال كرامير بأنه لا يوجد بديل لإدماج اللاجئين في سوق العمل، معتبراً أن تكليف أشخاص يحتاجون إلى الحماية "حق أساسي لمجتمعنا" لا يحق أن يخضع لحسابات التكلفة والاستفادة.

أندرياس روستيك بوتي/ م.أ.م

نص نشر على : Deutsche Welle

 

للمزيد