ناتاليا رفقة حفيدتها إيفا بعد وصولهن إلى ألمانيا. الصورة: خاصة
ناتاليا رفقة حفيدتها إيفا بعد وصولهن إلى ألمانيا. الصورة: خاصة

غالبية اللاجئين القادمين من أوكرانيا إلى ألمانيا، من النساء ويتمتعن بمؤهلات مهنية. لكن بسبب حاجز اللغة، أو وجود أطفالهن برفقتهن، غير قادرات على دخول سوق العمل وممارسة مهنتهن.

أكثر من 80 بالمائة من لاجئي الحرب القاديمن من أوكرانيا إلى ألمانيا من النساء، وفقًا لما ذكره موقع Integration، نقلاً عن استطلاع أجرته وزارة الداخلية الألمانية الاتحادية. وحوالي 60 بالمائة منهم قدموا إلى ألمانيا مع أطفالهم. 

من زابوروجي، قدمت ناتاليا رفقة ابنتها وحفيدتها إلى ألمانيا. يوم 11 مارس/ آذار الماضي، تمكنَ من الوصول سالمات إلى مدينة بون، بعد رحلة تصفها ناتاليا بالصعبة.

ناتاليا بيريوكوفا، عملت في أوكرانيا مدرسة للفلسفة لسنوات عديدة، لكن الحرب جاءت لتقلب حياتها رأسا على عقب، وتجعلها اليوم رفقة جزء من عائلتها لاجئين في دول الجوار وعاطلين عن العمل. تقول لمهاجر نيوز "جئت إلى ألمانيا مع حفيدتي إيفا المريضة ووالدتها الشابة، أصيبت حفيدتي بالعمى منذ عشر سنوات، وهي تبلغ اليوم 13 عامًا، كما أنها مصابة بالصرع، أي أنها كانت في حاجة مستمرة للأدوية". 

مع الغزو الروسي واندلاع الحرب٫ لم تستطع الأسرة توفير الدواء للطفلة المريضة. "اضطررنا للنزوح إلى ألمانيا، قضينا أربعة أيام على الطريق، وكانت الرحلة أكثر مشقة للطفلة بسبب مرضها. تم استقبالنا في بون بشكل جيد للغاية، ونحن نعيش حاليا في ظروف جيدة"، تقول ناتاليا وتضيف أنه قد تمت معاينة الطفلة من قبل طبيب مختص، وتم منحها الأدوية اللازمة لحالتها وتسجيلها في مدرسة.

ابنة ناتاليا خلال مشاركتها في وقفة تضامنية مع أبناء بلدها بمدينة بون. الصورة: خاصة
ابنة ناتاليا خلال مشاركتها في وقفة تضامنية مع أبناء بلدها بمدينة بون. الصورة: خاصة

التفكير في المسيرة المهنية

بعدما تمكنت ناتاليا من الاطمئنان على سلامتها وأمان ابنتها وحفيدتها، عادت اللاجئة الأوكرانية للتفكير بمسيرتها المهنية التي لا تود أن تنتهي الآن بسبب هروبها من الحرب. وهي تود "تعلم اللغة الألمانية لأبدأ البحث عن عمل".

تتحدث ناتاليا بنبرة حزينة لتطبيق المترجم الآلي في هاتفها، الذي كان وسيلتها لتحكي قصتها لمهاجر نيوز، وتقول "بدون معرفة جيدة باللغة الألمانية، لن أتمكن للأسف من العمل كمُدَرِسة فلسفة هنا، لكنني لا أمانع أن أعمل في المجال التطوعي أو في وظيفة أخرى حيث يمكنني أن أفيد الناس وأقدم لهم يد المساعدة".

تبقى اللغة الألمانية الصعبة نسبيا، أهم عائق لاندماج اللاجئين الذين يحتاجون وقتاً لتعلم أساسيتها ومن ثم التمكن من التحدث بها. لكن ناتاليا ترى الجانب المشرق في هذه المحنة، معتبرة أن "الألمان شعب ودود للغاية، لم تطرح اللغة مشكلة في الحياة اليومية إلى حدود الساعة، لأننا نتواصل من خلال تطبيق ترجمة صوتي، لكني أود التحدث باللغة الألمانية بطلاقة. آمل أن تكون هناك دورات وأن أكون قادرة على إتقان اللغة". 

تلقت الأسرة مساعدة نقدية من السلطات، لكنها تتمكن بعد من السكن في منزل خاص، فهي تقيم في فندق. لكن الأساسي بالنسبة لناتاليا هو أن أسرتها الصغيرة في أمان.

ناتاليا مع ابنتها وحفيدتها أثناء سفر الأسرة من أوكرانيا إلى ألمانيا عير بولندا- الصورة خاصة
ناتاليا مع ابنتها وحفيدتها أثناء سفر الأسرة من أوكرانيا إلى ألمانيا عير بولندا- الصورة خاصة

هل يقف الحاجز النفسي أمام الاندماج؟

استطاعت اللاجئة الأوكرانية ضمان سلامة جزء من أسرتها، لكنها غادرت وتركت أشخاصاً آخرين يقلقها كثيراً أمر بقائهم في وطن غير آمن. فلديها ابنان شابان هناك "بالإضافة إلى أمي، لم يتمكنوا من مغادرة أوكرانيا، إنه أمرمقلق ومحزن، أنا دائمة التفكير فيهم وسلامتهم". مؤخرا قصفت القوات الروسية مدينتها ودمرت العديد من المنازل التي يعيش فيها مدنيون وهناك ضحايا كثر، حسب ما تحكيه ناتاليا. 

حينما نشبت الحرب، كانت حفيدتها تخاف وترتعد حين تسمع دوي المدافع وأزيز الرصاص. أما اليوم في ألمانيا فقد عادت الابتسامة لوجه إيفا مرة أخرى.

وعن اختيارها القدوم رفقة ابنتها وحفيدتها إلى ألمانيا عوض بلد أوروبي آخر، تقول ناتاليا إنها كانت نصيحة من أصدقائها الأوكرانيين الذين يعيشون في ألمانيا منذ زمن، الذين أوضحوا لها أنه "من الأفضل أن تكون الطفلة الكفيفة في بلد مثل ألمانيا لتحظى بالرعاية الجيدة".

وتوضج ناتاليا لمهاجر نيوز أنهم أخبروها بأن "فرص الحياة الطبيعية والجيدة للمكفوفين ممكنة في ألمانيا، لذلك اخترت القدوم بها إلى هنا. سأحاول جاهدة أن نتعلم اللغة ونندمج في المجتمع الألماني". كانت فرصة لجزء من أسرتها أن تجد في ألمانيا الأمان، إضافة للترحيب الذي حظيت به كما باقي أبناء بلدها، ما ساعدها على تجاوز المخاوف والترسبات النفسية، ولتقرر محاولة تحقيق اندماج في البلد المستضيف. 

أما عن التفكير في العودة إلى بلدها، تقول ناتاليا "أنا أحب أوكرانيا كثيراً، أحب مدينتي ووظيفتي. اشتقت لطلابي كثيرا، وأتمنى العودة إلى أوكرانيا. بلدي، بدعم من العالم كله، ستصمد وتفوز في هذه الحرب".

أوكرانيات يطالبن بإرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا
أوكرانيات يطالبن بإرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا

دعوات لاستثمار مؤهلات اللاجئات وحمايتهن

الباحثة في سوق العمل، يوليا كوسياكوفا، قالت في تصريحات سابقة لوكالة الأنباء الإنجيلية في ألمانيا "إن السبيل لاستثمار مؤهلات اللاجئات الأوكرانيات بشكل صحيح، هو دعم مجال رعاية الأطفال وتكثيف دورات اللغة الألمانية" معتبرة ذلك أمراً ضرورياً. وأكدت الخبيرة والباحثة في معهد سوق العمل والبحوث المهنية IAB على أن توزيع اللاجئين من أوكرانيا يجب أن يأخذ في الاعتبار مؤهلاتهم.

وفقًا لكوسياكوفا، فإن حوالي ثلث الأشخاص الذين قدموا إلى ألمانيا خلال أزمة اللاجئين بين عامي 2015 و 2016، عملوا في مجالات أقل من مؤهلاتهم. وتوصي الخبيرة في سوق العمل، بتمديد إقامة هذه الفئة إلى ثلاث سنوات، على اعتبار أنه "كلما تم دمج الأسرة بأكملها بشكل أفضل، كان الاندماج الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل أكثر نجاحا".

من جهتها، حذرت الباحثة الاجتماع إلديكو بالمان من "مكتب المشاريع الصغيرة للتعليم والبحوث" في تصريح لوكالة الأنباء الإنجيلية من أن رغبة العديد من النساء اللاجئات في العثور على عمل بسرعة تزيد من مخاطر تعرضهن للاستغلال في سوق العمل. وقالت بالمان: "من المهم ألا يلجأن مباشرة إلى قطاع الأجور المنخفضة، بل عكس ذلك يجب الحرص على تحصيلهن عملا مناسباً للقدراتهن". كما دعت إلى تسريع وتيرة الاعتراف بالمؤهلات المهنية الخاصة بهن.

لاجئات أوكرانيات تركن رجالهن وراءهن وهربن مع الأطفال من جحيم الحرب بحثا عن ملاذ آمن
لاجئات أوكرانيات تركن رجالهن وراءهن وهربن مع الأطفال من جحيم الحرب بحثا عن ملاذ آمن

"من حظها أنها ليست أماً"

ماريانا، شابة أوكرانية في الخامسة والعشرين، وصلت إلى ألمانيا بعد اندلاع الحرب، كانت تعمل في بلدها في مجال إعداد وبيع الحلويات. قصتها تختلف عن غيرها من اللاجئات. فقد قدمت لبلد يستقر فيها زوجها، لاجئ سوري سابق يعيش في ألمانيا قدم من سوريا منذ سنوات واستقر هنا، تزوجا قبل سنتين من اندلاع الحرب في بلدها.

لم يتمكن زكريا من تحصيل إقامة لزوجته سابقا، إلا أن الحرب أتت بها إليه بصفتها لاجئة. يقول زكريا "ليست مضطرة كما الكثير من اللاجئات لطلب أي مساعدات، فأنا أعمل وأستطيع توفير كل شيء لها".

لم تسعفها اللغة في الحديث مع مهاجر نيوز، لكن زوجها ترجم لنا ما تقوله٫ فهي "تفكر كثيراً في العمل لأنها كانت دائماً مستقلة، لكنها تعلم أن دراسة اللغة أولوية الآن، بدونها لن تحصل على وظيفة". لكن "من حظ ماريانا أنها لم تصبح أماً بعد، وإلا لكان موضوع إيجاد مكان شاغر في روضة عقبة أخرى يجب تجاوزها قبل التفكير في الدراسة والعثور على فرصة عمل"، يقول زوجها. 

يؤكد زكريا أن الاستقرار في ألمانيا صار هدفاً بالنسبة له بعدما تمكنت زوجته من الاجتماع به بسبب الحرب بصفتها لاجئة على الأقل، فقد حصلت أولا على إقامة مؤقتة لأربعة أشهر، والآن تنتظر رداً حول تمديد إقامتها لمدة سنتين، حسب ما أفاد به لمهاجر نيوز.

وعن أهم المعيقات التي قد تجعل ماريانا تفكر في المغادرة عوض البقاء، يقول زكريا، هي "اللغة.. إنها سبب أساسي، بالإضافة رلى الإجراءات البيروقراطية التي نحاول جاهدين تجاوزها، مثلا لا أطالب بأي مساعدات، حتى تعلم اللغة سأسجلها في مدرسة خاصة، لا نريد المساعدات بقدر ما نفكر في تفادي المعاملات الإدارية المطولة".

 

للمزيد