رغم إغلاق طريق البلقان قبل بضع سنوات لا يزال مهاجرون يسلكون هذا الطريق الخطير محاولين الوصول إلى دول غرب أوروبا
رغم إغلاق طريق البلقان قبل بضع سنوات لا يزال مهاجرون يسلكون هذا الطريق الخطير محاولين الوصول إلى دول غرب أوروبا

مع تسليط الضوء على الللاجئين القادمين من أوكرانيا، ينسى العالم ملايين اللاجئين الآخرين الذين يفرون من بلدانهم، جزء من هؤلاء المنسيين هم القادمون عبر طريق البلقان، وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، نسلط الضوء عليهم.

"فقدت والدة طفلي الاثنين في الحرب، لقد كانت كل شيء بالنسبة لي" يقول كيانو (تم تغيير الاسم) لـ DW وهو يبكي. يعيش اللاجئ الكاميروني منذ نحو شهرين في مخيم ليبا البوسني للاجئين بالقرب من مدينة بيهاتش. يقف كيانو أمام حاويات بيضاء (غرف معدنية)، تعيش فيها مجموعة من اللاجئين معا. درجة الحرارة داخل المخيم تناهز 30 درجة مئوية، ولا يوجد سوى عدد قليل من الأماكن المظللة للاجئين. لا يريد الكاميروني التحدث عن تفاصيل هروبه وحياته أمام زملائه الآخرين ويفضل امدادنا بالمعلومات لاحقا عبر الهاتف.

ألغام خطيرة على الحدود

"أريد الوصول إلى إحدى دول شنغن والتقدم بطلب للحصول على اللجوء هناك"، يفصح كيانو عن رغباته لنا عبر الهاتف. كرواتيا جزء من الاتحاد الأوروبي، ولكنها ليست عضوا كاملا في اتفاقية شنغن. فلا تزال اجراءات التحقق من جوازات السفر تجري على الحدود هنا. ويقول كيانو إنه يريد أن يجرب كل شيء للعمل بشكل قانوني في الاتحاد الأوروبي من أجل التمكن من جلب أطفاله إليه لاحقا. بدأت رحلة فرار اللاجئ عام 2018 ولم تنته بعد، حيث مر بتركيا وصربيا لينتهي به المطاف حاليا في البوسنة.

وقد حاول اللاجئ الكاميروني بالفعل عبور الحدود البوسنية الكرواتية إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من مرة، ولكن محاولاته باءت بالفشل. في إحدى المحاولات وبعد أن اقترب من سلوفينيا، كان يعاني من إصابة في قدمه منعته من مواصلة الطريق، ويقول "بعد ثمانية أيام من المشي، ليلا ونهارا، لم أعد قادرا على المشي". كان يعاني من إصابة في قدمه. اتصل مواطنون كرواتيون بالشرطة لمساعدته. ومع ذلك، لم تصدقه بأنه مصاب - وصادرت كل الأموال التي كانت بحوزته وبحوزة المجموعة برفقته، وكذلك الهواتف المحمولة. 

يقول كيانو: "أعادوني وأصدقائي الساعة الواحدة صباحا إلى الحدود البوسنية الكرواتية، حيث توجد هناك أميال من الغابات الكثيفة " والمزروعة بألغام تهدد الحياةمنذ الحرب البوسنية. وتشير التقديرات إلى أنه لا يزال هناك حوالي 200 ألف لغم وذخائر غير منفجرة من حرب البوسنة في التسعينيات.

عمليات صد غير قانونيةويروي العديد من اللاجئين في مخيم ليبا عن عمليات طرد عنيفة يتعرضون لها في بعض الأحيان من قبل الشرطة الكرواتية. كما تتحدث منظمات حقوق الإنسان عن 16 ألف عملية صد غير قانونية عن الحدود الكرواتية البوسنية في عام 2020 وحده. وفي عام 2021 ، قام فريق بحثي من الصحفيين، بما في ذلك قناة ARD الألمانية، بتوثيق الهجمات العنيفة التي شنتها الشرطة الكرواتية، ومن الواضح أن الوضع على الحدود لم يتغير حتى الآن.

تعتبر البوسنة محطة مؤقتة للمهاجرين الذي يحاولون الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي
تعتبر البوسنة محطة مؤقتة للمهاجرين الذي يحاولون الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي

ويتحدث اللاجئ كامران (تم تغيير الاسم) من باكستان، والذي يقطن أيضا في مخيم ليبا للاجئين عن عمليات الطرد غير القانونية. ويقول: "حاولت حوالي اثنتي عشرة مرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي"، بيد أن الشرطة كانت تعيدنا في كل مرة إلى البوسنة. لا يعرف كامران عمره بالضبط. إنه يبلغ من العمر 18 أو 19 عاما، كما يقول. قبل خمس سنوات، غادر باكستان - ولم ير والدته وإخوته منذ ذلك الحين. يقول: "أفتقد أمي كثيرا". وبالرغم من المقابلات الكثيرة التي أجريناها مع اللاجئين هناك، يؤمن الجميع بأن هذا المخيم هو محطة عبور مؤقتةفقط  قبل الوصول إلى أوروبا. ووفقا للأرقام الرسمية، فإن مساحة المخيم تتسع لـ 1500 لاجئ، ولكن إذا لزم الأمر يمكن استقبال ضعف هذا العدد في أوقات الطوارئ. ويأتي العديد من اللاجئين من دول أفريقية، وأفغانستان، وباكستان، كما أن بعض المهاجرين من كوبا أيضا قد تقطعت بهم السبل هنا. ويوفر نزل اللاجئين الكهرباء والانترنت والمياه الجارية والمرافق الصحية لساكنيه. ويقول كيانو "هناك صالة ألعاب رياضية، يمكننا لعب الورق، يمكننا تعلم لغات مثل الإنجليزية والإيطالية والبوسنية"، ويضيف "لكن لا يسمح للاجئين بالعمل - ليس لدينا تصاريح عمل".

كسب المال للفرار

لكن محاولات الهروب مكلفة. في بعض الأحيان يجب دفع أجور سيارات الأجرة والطعام والشراب للمشي ليلا ونهارا، كما يقول بعض من حاولوا الفرار. يتلقى بعض اللاجئين أموالا من عائلاتهم أو أصدقائهم في الخارج. ويقود آخرون سياراتهم إلى المدينة ويبيعون عبوات من المناديل أو أشياء أخرى في الشارع. كما افتتح البعض متاجر صغيرة في المخيم لكسب المال.

في إحدى الغرف (الحاويات) التي يتألف منها المخيم، افتتح لاجئ قادم من الهند ويدعى شاشا ويحظى بمودة الجميع، مقهى صغير. حيث وضع الرجل داخل الغرفة التي تضمه واثنين آخرين وقرب الأسرة، غلايتين وأكوابا بلاستيكية وشايا وحليبا على طاولة صغيرة. بالقرب منه يقوم لاجئ آخر بقص الشعر قرب مكان سكنه، وهو يكسب حوالي يورو واحد في كل مرة.

حاول كيانو أيضا كسب المال، حيث قام مرة ببيع حذائه الخاص. ومع ذلك، يود الكاميروني متابعة عمله، في السباكة، ويقول "أنا مؤهل بالفعل في أعمال السباكة"، ويتابع "أريد أن أذهب إلى أوروبا لأكون مفيدا". عندما تتحسن حالته الصحية وتبرأ جراح قدمه، يريد أن يجرب حظه مرة أخرى ويحاول عبور الحدود مجددا، فهو لا يريدالعودة إلى الكاميرون حيث الحرب، ويقول: "ليس لدي خيار آخر".

وعلى الرغم من خطورة الرحلة، حيث توفي أحد أصدقائه وهو يحاول عبور الحدود، يبدي كيانو تصميما على متابعة المحاولة، ويقول: "نحن هنا أحياء ظاهريا فقط، إننا ميتون في داخلنا".

كاثرين فيزولوفسكي/ علاء جمعة

 

للمزيد