صورة منشورة على حساب تويتر الرسمي لفرونتكس في منشور عن رصد قوارب المهاجرين قبالة السواحل الإيطالية في 2 آب/أغسطس 2022. @Frontex
صورة منشورة على حساب تويتر الرسمي لفرونتكس في منشور عن رصد قوارب المهاجرين قبالة السواحل الإيطالية في 2 آب/أغسطس 2022. @Frontex

منذ حوالي عام ونصف، بدأت وكالة حرس الحدود الأوروبية "فرونتكس" تسيير طائرة بدون طيار قبالة سواحل مالطا لرصد قوارب المهاجرين التي تغادر السواحل الليبية. إلا أن تعزيز المراقبة الجوية هذه، بحسب المنظمات غير الحكومية، يلعب دورا حاسما في عمليات اعتراض قوارب المهاجرين من قبل خفر السواحل الليبي، الذي وبفضل الوكالة الأوروبية، بات قادرا على إحباط محاولات الهجرة ومنع الأشخاص من إكمال طريقهم إلى الضفة الأوروبية.

في أيار/مايو 2021، بدأت وكالة الحدود الأوروبية "فرونتكس" تسيير طائرة بدون طيار (drone) قبالة سواحل مالطا بهدف رصد قوارب المهاجرين التي تعبر البحر المتوسط انطلاقا من سواحل شمال أفريقيا، لا سيما ليبيا، في رحلات خطرة ينتهي بعضها بموت هؤلاء الساعين للوصول إلى القارة العجوز والهاربين من الظروف المتردية في ليبيا.

وبهدف "الحفاظ على حياة" المهاجرين، قالت الوكالة الأوروبية إن تعزيزها للمراقبة الجوية* يأتي ضمن "أولويتها للحفاظ على الأرواح". لكن تقرير جديد نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" بالتعاون مع ""Border Forensics" (بوردر فورينسكس) يبيّن "الدور الحاسم" الذي تلعبه الوكالة الأوروبية في رصد القوارب، ومشاركة إحداثياتها مع خفر السواحل الليبي، الذي يعترض بدوره تلك القوارب ويعيد المهاجرين بشكل قسري إلى ليبيا.


أرقام قياسية في عمليات الاعتراض

بعد مرور حوالي عام ونصف على بدء تسيير "فرونتكس" للمرة الأولى لطائرة بدون طيار فوق البحر المتوسط، "يبدو أثر ذلك واضحا" على المهاجرين وعمليات الاعتراض، حسبما تقول جيوفانا ريدر، الباحثة في منظمة "Border Forensics" خلال حديثها مع مهاجرنيوز.

ترى الباحثة أن هناك صلة واضحة بين تعزيز المراقبة الجوية وعدد القوارب التي تمنعها القوات الليبية من إكمال طريقها، مشيرة إلى إن السلطات الليبية "تعتمد كليا على المعلومات التي تتلقاها من فرونتكس خاصة في مجال المراقبة الجوية. ونحن نعلم أن ليبيا لديها طائرات مروحية، لكنها لا تستخدمها في وسط البحر المتوسط".


لا يمكن وصف العودة إلى ليبيا بالـ"إنقاذ" وإنما ذلك ينتهك حقوق الأشخاص

وتستند في حديثها إلى أعداد عمليات الاعتراض المسجلة رسميا، موضحة أن صيف العام الماضي شهد أرقاما قياسية في عدد القوارب التي اعترضتها السلطات الليبية والتونسية مقارنة بالأعوام السابقة، إذ سجل شهر حزيران/يونيو 2021 رقما قياسيا في عدد عمليات الاعتراض التي نفذها خفر السواحل الليبي، فيما سجل شهر آب/أغسطس 2021 رقما قياسيا في عدد عمليات الاعتراض من جانب خفر السواحل التونسي.

"فرونتكس تدّعي بأنها تنقل المعلومات فقط، لكنها تساهم بشكل واضح في زيادة عمليات الاعتراض، فهي تقول إن الهدف هو إنقاذ الناس ولكن لديها تعريفها الخاص للإنقاذ. فالمنظمات غير الحكومية لا توافقهم الرأي، لأنه إذا عاد شخص ما إلى ليبيا، فإننا لا نعتبر ذلك بمثابة إنقاذ. وإنما هو انتهاك لحقوق الناس".

بحسب المنظمة الدولية للهجرة، اعترض خفر السواحل الليبي خلال عام 2021 أكثر من 32 ألف مهاجر في البحر المتوسط، أي نحو ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2020.


عملية اعتراض غير قانونية؟

يؤكد التقرير أن الوكالة الأوروبية باعتمادها على هذه التقنيات الجديدة، تقدم معلومات عن القوارب التي ترصدها طائراتها إلى سلطات الدول المطلة على وسط المتوسط، أي إيطاليا ومالطا، ولكن ذلك لا يقتصر فحسب على السلطات الأوروبية، وإنما تقدم هذه المعلومات أيضا إلى خفر السواحل الليبي.

وهذا ما أكدته فرونتكس أيضا في رد على أسئلة لفريق مهاجرنيوز، موضحة أنها حينما ترصد "قاربا في محنة"، فهي تنبه مراكز تنسيق الإنقاذ البحري ذات الصلة في المنطقة "إيطاليا ومالطا، إضافة إلى تونس وليبيا، إذا كان القارب الذي يواجه محنة في منطقة البحث والإنقاذ التابعة لهما". مؤكدة أن الجهات الأربعة المذكورة معترف بها دوليا كمراكز إنقاذ بحري.

لكن المنظمات غير الحكومية تؤكد أن المعلومات التي تتوصل إليها "فرونتكس" تهدف بشكل رئيسي إلى "تسهيل عمليات اعتراض القوارب"، وبالتالي إعادة المهاجرين إلى ليبيا.

يذكر التقرير حادثة محددة وقعت في 31 تموز/يوليو 2021، حينما رصدت طائرة "فرونتكس" قارب مهاجرين غادر السواحل الليبية، وأرسلت بدورها إحداثيات ومعلومات القارب إلى السلطات البحرية، ما أدى إلى تدخل خفر السواحل الليبي الذي اعترض القارب وأعاده إلى ليبيا.

الباحثة في منظمة "Border Forensics"، تشير خلال حديثها لمهاجرنيوز إلى أن تلك العملية "خالفت القوانين الدولية"، إذ تؤكد المعلومات التي جمعتها المنظمتان أن القارب كان يبحر في المنطقة التابعة لمالطا وعملية الاعتراض حصلت داخل منطقة البحث والإنقاذ المالطية، لكن السلطات الليبية هي من نفذت عملية الاعتراض، عوضا عن أن تنفذها السلطات المالطية.

وهناك إشكالية ثانية يشير إليها التقرير الجديد تكمن في أن "فرونتكس" لم تبلّغ سفينة "سي ووتش" التابعة للمنظمة الألمانية غير الحكومية، رغم أنها كانت في منطقة البحث والإنقاذ ولا تبعد كثيرا عن القارب.

للمزيد>>> الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسات الأوروبية لإدارة الهجرة

ردا على تلك الاتهامات، تؤكد "فرونتكس" على أنها تبلّغ سلطات الدول المعنية و"لا تنسق عمليات البحث والإنقاذ"، مبررة ذلك بأنه "بموجب القانون الدولي، هذه هي مهمة مراكز تنسيق الإنقاذ البحري الوطنية" والتي يرجع إليها قرار الجهات التي ستنفذ عملية الإنقاذ.

تخصيص المزيد من الأموال

واستنادا على ما سبق، تشدد المنظمات غير الحكومية أن الهدف الأول والأخير بالنسبة للوكالة الأوروبية هو منع المهاجرين من الوصول إلى الضفة الأخرى، وليس حرصا على حياتهم.

بلغت الميزانية العامة لفرونتكس، في العام 2005 ستة ملايين يورو، لكنها زادت إلى 142 مليون يورو في عام 2015، ووصلت إلى 460 مليون يورو في 2020، ومن المتوقع أن تتجاوز الميزانية 5 مليارات يورو بحلول العام 2027.

ومن أجل تسيير الطائرة بدون طيار قبالة سواحل مالطا، تبيّن وثائق رسمية أن "فرونتكس" تعاقدت مع شركة إسرائيلية (IAI) بمبلغ 50 مليون يورو.

وترى المنظمات غير الحكومية أن المفوضية الأوروبية تنتهج سياسة تسعى فيها إلى التقاعد مع شركات خاصة وتعزز المراقبة الجوية بهدف رصد محاولات الهجرة بدلا عن تنفيذ عمليات إنقاذ.

للمزيد>>> اتهامات جديدة تطال "فرونتكس": الوكالة الأوروبية كانت على علم بعمليات صد المهاجرين على الحدود

ويعتبر الناشط فيليكس فايس في منظمة "موون بيرد" التي تدعم المهاجرين، أنه "بدون المراقبة الجوية، سيكون خفر السواحل الليبي أعمى تماما (...) رأينا في كثير من الأحيان أنه بمجرد عثور فرونتكس على قارب، تتصل [الوكالة] بخفر السواحل الليبي وتوجههم مباشرة إلى القوارب".

رصد القوارب وتتبعها لحظة بلحظة

استخدام طائرات بدون طيار لديه مزايا عديدة على صعيد المراقبة الجوية، فالطائرة تستطيع أن تحلّق لفترة أطول من الطائرة العادية، إذ تكون قادرة على التحليق لمدة 30 ساعة بشكل متواصل، وذلك يعني أنها تستطيع جمع معلومات أكبر، وتكون مزودة بتقنيات مختلفة منها كاميرات الأشعة تحت الحمراء (التصوير الحراري)، تساعدها على رصد المزيد من القوارب.

المراقبة الجوية تجعل المراقبة المباشرة للقوارب ممكنة، أي أنها تتمكن من رصد القوارب وتتبعها لحظة بلحظة، وتأتي هذه "التقنيات الجديدة لتعزز سياسة موجودة بالفعل، قائمة على تجريم المنظمات غير الحكومية ودعم حرس السواحل الليبي. إنها سياسة مخططة"، بحسب جيوفاني.

وتضيف قائلة "كلما رصدت الوكالة القارب في وقت أبكر زادت الفرصة أمام الليبيين لاعتراضه". إذ تعتبر أن المراقبة الجوية تخدم مصالح "فرونتكس"، التي تستخدم "رواية الإنقاذ كذريعة" من أجل الحصول على معلومات تؤدي إلى المزيد من عمليات الاعتراض والصد إلى ليبيا.


"كل ذلك يساعد خفر السواحل الليبي المدعوم بالفعل من قبل الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يمكّن الليبيين من رؤية المزيد والحصول على صورة أكبر عما يحصل في المتوسط. فإن المراقبة الجوية وهذه الشبكة من المعلومات تساهم في تحصين الحدود. ونحن لا نتكلم عن طائرة بدون طيار واحدة فحسب، بل هي شبكة من المعلومات والمراقبة الجوية والرصد المباشر الذين يجعلون الحدود الأوروبية أكثر خطورة".

وذلك يتماشى مع سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يستمر في تقديم الدعم المادي والمالي لقوات خفر السواحل الليبي، رغم التقارير التي توثق الانتهاكات الممارسة بحق طالبي اللجوء أثناء عمليات الاعتراض وبعد إعادتهم إلى ليبيا، حيث يُنقلون إلى مراكز احتجاز يتعرضون فيها لانتهاكات عدة ويعيشون تحت ظروف متردية تعرض حياتهم للخطر في البلد الذي تعمه الفوضى.

وكشفت جيوفاني خلال حديثها مع مهاجرنيوز أن وكالة "فرونتكس" بدأت منذ أسابيع قليلة تسيير طائرة بدون طيار قبالة بحر إيجه، لرصد قوارب المهاجرين المتجهة إلى اليونان.


المراقبة الجوية لفرونتكس تتكون بشكل أساسي من طائرة بدون طيار (drone) وطائرات aircraft وتقنيات رصد مرتبطة بتلك الطائرات.

 

للمزيد