تدفق الأفغان نحو مطار كابول والتشبث بطائرات الإجلاء أملا في الحصول على فرصة لمغادرة البلاد
تدفق الأفغان نحو مطار كابول والتشبث بطائرات الإجلاء أملا في الحصول على فرصة لمغادرة البلاد

منذ استيلاء طالبان على الحكم في أفغانستان العام الماضي، تستمر محاولات الآلاف بالفرار من بلادهم ساعين للجوء إلى بلد أوروبي آمن. لكن قبل الوصول إلى وجهتهم، عليهم المرور بتركيا، حيث يواجهون خطر الترحيل إلى كابول. السلطات التركية خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، رحلت أكثر من 18 ألف أفغاني على متن رحلات جوية، بعد أن "أجبرتهم" على توقيع أوراق عودة طوعية.

بعد مرور عام على وصول طالبان للحكم في أفغانستان، وجد مئات الآلاف من العائلات والشباب أنفسهم مجبرين على مغادرة البلاد، ساعين للوصول إلى بلد آمن في أوروبا. لكن نظرا للخيارات المحدودة، لم يكن أمامهم سوى عبور الحدود المشتركة مع إيران ومنها إلى تركيا، أملا بالوصول إلى اليونان، لكن أنقرة قررت تشديد سياسة هجرتها ومنع الأفغان ليس فقط من إكمال طريقهم وإنما إعادتهم من حيث أتوا.

منذ سيطرة طالبان على كابول في 15 آب/أغسطس 2021، وقع على عاتق الدول المجاورة الاهتمام بالنازحين الأفغان، لا سيما إيران وباكستان اللتين سجلتا دخول مئات آلاف الفارين من حكم طالبان وتدهور الأحوال الاقتصادية والأمنية والكوارث الطبيعية والقوانين الصارمة بحق النساء. وفي الأشهر الأربعة التي أعقبت عودة طالبان إلى السلطة، عبر ما يقرب من 840 ألف أفغاني الحدود الدولية بدون وثائق سفر، وفقا لأرقام المنظمة الدولية للهجرة.

رحلات جوية مباشرة من تركيا إلى أفغانستان

بداية العام الجاري، وبعد حوالي أربعة أشهر فقط من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان والأحداث الدرامية التي شهدتها كابول، قررت تركيا استئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى أفغانستان بعد أن كانت جميع الرحلات الجوية الدولية معلقة (باستثناء الرحلات بين باكستان وأفغانستان).

في 27 كانون الثاني/يناير، استخدمت تركيا هذه الرحلات الجوية من أجل ترحيل الأفغان إلى بلدهم، رغم تحذيرات المنظمات الإنسانية الدولية من الخطر الذي قد يواجهونه تحت حكم طالبان.

وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، رحّلت تركيا أكثر من 18 ألف شخص على متن 79 طائرة هبطت في مطار كابول الدولي، وفقا للأرقام الرسمية التركية.

ويرحل المهاجرون غالبا على متن طائرات تابعة لشركة الطيران الأفغانية (Airlines Ariana Afghan).

منذ إعلان أفغانستان إمارة إسلامية، فشلت طالبان في إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع أي دولة، وفيما احتفظت أنقرة بسفيرها في كابول إلا أن الخدمات القنصلية الأفغانية في تركيا تعطلت تماما بسبب عدم وجود جوازات سفر جديدة ولأن طالبان رفضت أن تدفع رواتب الدبلوماسيين المعينين من قبل الحكومة الأفغانية السابقة.

ترحيل قسري بعد الإجبار على توقيع أوراق عودة طوعية

أمس الثلاثاء، تفاخر وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بأن بلاده لديها معدل ترحيل للمهاجرين غير الشرعيين أعلى من أوروبا. وأشار خلال مؤتمر السفراء الثالث عشر في أنقرة، إلى أن تركيا رحلت 361 ألف شخص في السنوات الخمس الماضية، ومنعت أكثر من مليوني ونصف شخص من عبور الحدود "بشكل غير قانوني".

ورغم أن تركيا تزعم أن رحلات إعادة الأفغان هي ضمن برامج عودة طوعية، إلا أن محامين في مدن فان وإزمير وإسطنبول نبهوا من قيام السلطات بعمليات ترحيل قسرية، وأن الأفغان يجبرون على التوقيع على نماذج عودة طوعية.

قال ناشط لمهاجر نيوز تحفظ عن ذكر اسمه، أنه في الكثير من الحالات "تقول الشرطة للأفغان إن عليهم توقيع أوراق من أجل الخروج من مركز الاحتجاز، إلا أن المحتجزين يوقعون على أوراق دون تواجد مترجم ويوافقون رسميا على إعادتهم إلى كابول دون أن يعلموا".

ويوضح الناشط أنه لا يمكن للمهاجرين الذين ليست لديهم أوراق إقامة رسمية في تركيا التنقل داخل البلاد بحرية، خاصة في المدن الحدودية، والكثير منهم لا يتمكنون حتى من شراء تذكرة حافلة مثلا. لذلك يسهل على السلطات إيجادهم وتوقيفهم، ومن ثم نقلهم إلى مراكز ترحيل. و"نعتقد أن هناك الكثير من عمليات الصد والإعادة القسرية من تركيا إلى إيران بطريقة غير قانونية وغير موثقة، لذلك ليست لدينا أعداد فعلية توثق عمليات الصد على الحدود البرية بين تركيا وإيران".

ويشير إلى أنه في مدينة إزمير شمال غرب البلاد، حيث تنشط رحلات الهجرة إلى اليونان، يوجد مركز ترحيل أُجبر فيه أشخاص على توقيع أوراق عودة طوعية، دون وجود أي جهة حقوقية تراقب سير الإجراءات. فمنذ أكثر من عامين لا يحق لفرع الهلال الأحمر التركي في المنطقة أو مفوضية اللاجئين من التحقق مما يجري هناك".

"لم نحصل على ما يكفي من الطعام، وكانوا يعطونا الصابون مرة ​​واحدة فقط كل أسبوعين"

الشاب شكور يبلغ من العمر 18 عاما، فر من مدينته في ولاية قندوز شمال أفغانستان منذ حوالي العام، وعبر الحدود إلى إيران ثم تركيا بهدف إكمال طريقه إلى اليونان. لكن أثناء مروره في مدينة إسطنبول، ألقت الشرطة القبض عليه ونقلته إلى مركز احتجاز في مدينة أرضروم (أرزروم) حيث بقي هناك لمدة حوالي شهر ونصف، "لم نحصل على ما يكفي من الطعام، وكانوا يعطونا الصابون مرة ​​واحدة فقط كل أسبوعين لغسل الملابس والاستحمام".

أشار شكور خلال حديثه مع مهاجرنيوز إلى أن وسيطا أفغانيا أتى إلى المركز وأجبرهم على التوقيع على ورقة "من أجل إطلاق سراحنا". لكن في 9 تموز/يوليو الماضي، وجد شكور نفسه على متن طائرة برفقة 350 أفغانيا آخرين أقلعت من مطار أرضروم وحطت في كابول.

الوثيقة التي وقع عليها شكور دون فهم محتواها
الوثيقة التي وقع عليها شكور دون فهم محتواها


يقول شكور إن السلطات التركية رحّلته بالقوة، "ورغم كل هذه المعاناة، سأحاول العبور من جديد، فلا أمل من البقاء في أفغانستان حيث حياتنا معرضة للخطر".

احتواء المهاجرين في دول الجوار

تقدر المنظمات الدولية أن حوالي خمسة آلاف أفغاني يعبرون الحدود بطريقة غير رسمية إلى إيران بشكل شبه يومي منذ تولي طالبان الحكم، ومن ثم يتجهون شرقا وصولا إلى الحدود مع تركيا، حيث يعبرون خلسة إلى محافظة فان.

وأبدت دولا أوروبية عدة تخوفها من تكرار مشهد العام 2015 مع فرار مئات آلاف السوريين إلى أوروبا. وبالتالي، بدا أن الاتحاد الأوروبي كان عازما على السيطرة على الحدود واحتواء المهاجرين في المنطقة، متعهدا بتقديم أكثر من مليار دولار كمساعدات إنسانية لأفغانستان والدول المجاورة التي تستضيف الأفغان الفارين.

تركيا من جهتها، لطالما تلقت دعما ماديا سخيا من الاتحاد الأوروبي للسيطرة على حدودها وضمان استقبال أكثر من ثلاثة ونصف مليون سوري يعيشون على أراضيها، وباتت اليوم تسعى جاهدة لتعزيز المراقبة على حدودها المشتركة مع إيران.

في محافظة فان الحدودية، أعلنت السلطات التركية عن تشييد سياج حدودي بطول 295 كيلومترا إضافة إلى 58 برج مراقبة و45 برج اتصالات، مجهزة بكاميرات حرارية ورادارات وأجهزة استشعار وأنظمة مكافحة الحرائق.

جدار حدودي بين إيران وتركيا/رويترز
جدار حدودي بين إيران وتركيا/رويترز


وعلى مدى الأشهر الماضية، تستمر في إعادة المهاجرين الأفغان قسريا إلى بلد يعاني أكثر من 90% من سكانه من انعدام الأمن الغذائي عدا عن انتهاكات حقوق الإنسان، فيما تشدد المنظمة الدولية للهجرة على أن "الظروف في أفغانستان في الوقت الحالي ليست مواتية لأي نوع من العودة".

لكن تركيا ليست الوحيدة التي ترحّل الأفغان، فوفقا للأرقام الرسمية لوزارة اللاجئين الأفغانية عاد أو رُحّل أكثر من 653 ألف لاجئ إلى أفغانستان بشكل رئيسي من الدول المجاورة منذ آب/أغسطس 2021.

 

للمزيد