في مقبرة للمسلمين في كاليه بشمال فرنسا تم تحديد عدة قبور فقط برقم. المصدر: فرانسوا داميان بورجري
في مقبرة للمسلمين في كاليه بشمال فرنسا تم تحديد عدة قبور فقط برقم. المصدر: فرانسوا داميان بورجري

تتكرر الحوادث المأساوية مع المهاجرين في شمال فرنسا والنتيجة واحدة، في معظم الأحيان، مهاجرون يلقون مصرعهم قبل وصولهم إلى الضفة البريطانية للمانش. في مخيم غراند سانت في بلدة لون- بلاج شمال فرنسا، خطف الموت أرواح عشرات المهاجرين، دهسا أو غرقا أوانتحارا. الجمعيات العاملة في المنطقة تستنكر هذا الواقع وتقول إن هذه الحوادث يمكن تجنبها، لو أن السلطات الفرنسية تمنح هؤلاء المهاجرين "نظام استقبال محترم ولائق".

يوم الثلاثاء 9 آب/أغسطس، شهدت بلدة لون-بلاج القريبة من مدينة دونكيرك شمال فرنسا مأساة جديدة، مهاجر سوداني توفي غرقا في قناة "بوربورغ" القريبة من أحد مخيمات غراند سينث للمهاجرين. هذا الشاب القادم من جنوب السودان والبالغ من العمر 22 عاما، أراد الاستحمام والاغتسال في قناة المياه القريبة، وذلك لعدم توفر أماكن ملائمة للاستحمام. لسوء الحظ سقط في القناة وتوفي، رغم محاولة إنعاشه بعد إخراجه من المياه.

ماري تشابيل من جمعية "يوتوبيا 56"، قالت "فور وقوع الحادث تم استدعاء الإسعاف من قبل المتطوعين الذين وصلوا إلى المكان، لكن لم يكن هناك شيء يمكن القيام به. كان المهاجر قد فارق الحياة". وأكدت محافظة الشمال وفاة المهاجر وقالت "إن سبب الوفاة ناجم عن حادثة سقوط مفاجئة في القناة". 


يستنكر أحد المتطوعين هذا الواقع ويقول "كان من الممكن تفادي هذه المأساة، لو أتيح للمهاجرين الوصول إلى نظام استقبال مناسب ولائق. لو أن هذا الشاب السوداني تمكن من استخدام حمام مناسب، لما كان مات غرقا في قناة قذرة وخطيرة، حيث تبحر سفن الشحن". 

مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. استمرار محاولات عبور المانش على الرغم من الطقس البارد. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. استمرار محاولات عبور المانش على الرغم من الطقس البارد. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز

في المخيم القريب من مكان الحادثة، يعيش حوالي 300 إلى 400 شخص، بحسب "يوتوبيا 56". وتستنكر آنا راشيل المتطوعة في الجمعية الظروف السيئة وغير الإنسانية للمهاجرين قائلة "الظروف مروعة في هذا المخيم، هناك نقص شديد في المياه، كثير من قاطني المخيم يعانون من الحرارة المرتفعة والغبار". وتضيف "ظروف الاستقبال السيئة هذه، تجعل المهاجرين يواصلون المخاطرة بحياتهم بهدف الوصول إلى إنكلترا". 

حوادث متكررة والنتائج متشابهة 

وشكل شمال فرنسا خلال السنوات الماضية منطقة عبور لآلاف المهاجرين الحالمين بالوصول إلى المملكة المتحدة. قضى عدد منهم وهم في طريقهم إلى الضفة الإنكليزية، إما غرقا في المانش أو سقطوا عن شاحنات حاولوا القفز على متنها بالقرب من نفق "يوروتانيل" ليعبروا عليها الحدود خلسة. هناك أيضا أشخاص قضوا على الضفة الفرنسية، قبل أن يشرعوا بمحاولة الوصول إلى الجانب الآخر.

للمزيد>>>مأساة تتكرر.. مقتل مهاجر أفريقي في كاليه بعد أن صدمه قطار

في شمال فرنسا، كاليه ولون بلاج بالقرب من دونكيرك، يعيش مئات المهاجرين، بينهم عراقيون وإيرانيون وسودانيون وإريتريون، في مخيمات محفوفة بالمخاطر وظروف معيشية متردية، ويتعرضون لعمليات طرد وإخلاء شبه يومية من مخيماتهم. 

الحادث الذي وقع الثلاثاء الماضي هو جزء من سلسلة الحوادث المأساوية المتشابهة إلى حد ما والتي وقعت هناك، والتي غاليا ما تكون نتيجتها واحدة، الموت.

في 30 حزيران/يونيو، لم ينج عثمان* من إصاباته التي نجمت قبل يومين عن حادث على الطريق رقم 601 باتجاه لون بلاج. صدمت شاحنة هذا الشاب الصومالي البالغ من العمر 25 عامًا والذي كان يعيش لبضعة أسابيع في المخيم المجاور لهذا الطريق بالقرب من دونكيرك. بعد أيام قليلة من التحقيق، خلصت الشرطة إلى أن الحادث كان انتحارًا. 

وقبل شهر، في 29 أيار/مايو، توفي شاب إثيوبي يبلغ من العمر 28 عاما بعد أن صدمه قطار في مدينة كاليه شمال فرنسا. هذا المهاجر كان يعيش في مخيم مجاور لسكة القطار، بعد أن فقد الأمل بالوصول إلى إنكلترا، اتخذ قراره بالعودة إلى بلاده وبدأ بإجراءات العودة الطوعية بحسب مكتب الهجرة والاندماج، لكنه لم يستكمل الإجراءات، فقضى دهسا تحت عجلات القطار وهو نائم بالقرب من سكته.

للمزيد>>>"بعضنا كان يصرخ والآخر كان يبكي".. انتحار شاب في مدينة كاليه

وفي 11 أيار/ مايو، انتحر حسن (27 عاما) "بعد أن فقد الأمل في الوصول إلى بريطانيا". الشاب القادم من الخرطوم "وصل إلى أوروبا في العام 2015 وحاول طلب اللجوء في ألمانيا وفرنسا وسويسرا، لكنه تلقى رفضا من الدول الثلاثة، وكان يرى في بريطانيا الأمل الوحيد".

في 10 آذار/مارس، توفي عمر إسماعيل**، وهو من أصل سوداني، بحادث سير أيضا، عندما صدمته سيارة على الطريق السريع. 

"التشرد القسري"  

انتحار أم حادث؟ بالنسبة للجمعيات العاملة في المكان، فإن هذه الوفيات هي في جميع الحالات عواقب مباشرة ودراماتيكية "لسياسة عدم الاستقبال الفرنسية"، و"التشرد المفروض"، و"المعاملة اللاإنسانية لطالبي اللجوء والمهاجرين"، كما تشرح ماري شابيل. 

"فلو تم استقبال هؤلاء الأشخاص بشكل صحيح، ولم يكن عليهم ضغط دائم من الشرطة، لما وصلنا لما نحن عليه الآن". تأسف مايل جاليسون لهذا الواقع، وهي عضوة في جمعية جيستي، التي شكلت قاعدة بيانات مهمة للمهاجرين الذين لقوا حتفهم في المنطقة.  

إن عدم معرفة ماذا سيأكلون وسيشربون وكيف سيغتسلون، مع حذرهم الدائم من الشرطة، يدفع هؤلاء المهاجرين إلى المغامرة في مناطق شديدة الخطورة.  

مخيم غراند سانت في شمال فرنسا، صورة من الأرشيف. المصدر: مهدي الشبل/مهاجر نيوز
مخيم غراند سانت في شمال فرنسا، صورة من الأرشيف. المصدر: مهدي الشبل/مهاجر نيوز

بالنسبة إلى الباحثين والمختصين، فإن سياسة استقبال المهاجرين المتبعة في فرنسا "تأتي بنتائج عكسية تماما". "مهما جعلنا شمال فرنسا جحيما للمهاجرين، فلن يتغير شيء. لن تستطيع منع الشخص الذي ترك كل شيء من أجل تحقيق هدفه".  

مهجع يتكدس فيه ما يصل إلى 1500 شخص  

سياسة "السماح بالموت، أو تركهم ليموتوا، وتحويل المهاجرين إلى أرقام"، مطبقة منذ زمن طويل. منذ أكثر من 20 عامًا، أوائل العقد الأول من القرن الحالي، كان المهاجرون يموتون في المنطقة، ولم يتم فعل أي شيء للترحيب بهم.   

في السادس من أيلول/سبتمبر 2001، توفي صابر، وهو مواطن عراقي يبلغ من العمر 19 عامًا، بعد أن دهسته سيارة على طريق بجوار مخيم "سانغات" السابق، وهو مركز استقبال أنشأته الدولة الفرنسية في عام 1999، على أساس مؤقت، استقبل 63000 شخص حتى عام 2002، في ظروف يرثى لها. بحسب وصف فيولين كارير في مقال في مجلة Plein droit نُشر عام 2003.    

 

في مخيم سانغات ، الذي أغلق في نوفمبر 2002 ، اصطفت الخيام التي تم ترتيبها للترحيب بالمهاجرين. المصدر: جيستي
في مخيم سانغات ، الذي أغلق في نوفمبر 2002 ، اصطفت الخيام التي تم ترتيبها للترحيب بالمهاجرين. المصدر: جيستي


للمزيد>>>قطار سريع يصدم أربعة مهاجرين كانوا على سكة قطار شمال فرنسا

ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان في هذا المركز 1700 شخص على الأقل يوميًا. وفي بعض الأوقات من السنة، يمكن أن يصل العدد إلى 3000 مهاجر من حوالي 50 دولة. وتضتيف كارير "في هذا المكان المرتفع جدًا، والشاسع جدًا، حيث تسمع صدى الضجيج والأصوات [...] وقفوا، صابرين، ينتظرون دورهم للاستحمام أو الرعاية الطبية، مشكلين طابورًا طويلاً في أوقات الوجبات يتألف من 800 إلى 1500 شاب".   

"في مكان من العالم، أسرة لا تعلم بوفاة ابنها أو أخيها أو صديقها"  

لذلك، وعلى مدى عقدين من الزمن، أصبحت قبور المهاجرين تتكاثر في مقابر المنطقة. ولا تذكر بعض شواهد القبور أحيانًا إلا تاريخ الميلاد أو الاسم الأول أو اللقب. لأن البحث عن معلومات عن المتوفى والسعي للعثور على أقاربه في بلد المنشأ يشكل صعوبة كبيرة جدا. ووفقًا لمايل جاليسون، فإن هذا العمل يُترك إلى حد كبير للجمعيات "التي، مع ذلك، ليس لديها بالضرورة الوقت أو الوسائل للقيام بذلك".  

للمزيد>>> منظمات إنسانية تطالب "نواب فرنسا المستقبليين" بتحسين ظروف استقبال وإدماج المهاجرين

بعد وفاته في المستشفى في 30 يونيو /حزيران، يرقد جثمان عثمان الشاب الصومالي اليوم تحت حجر أبيض وخال من أي نقش أو كتابة، في إحدى مقابر الفقراء في مدينة ليل. حاولت جمعية -يوتوبيا 56- الاتصال بالمقربين منه من خلال المهاجرين الآخرين وبأعضاء الجالية الصومالية والسفارة الصومالية ولكن دون جدوى. "ومع ذلك، توجد اليوم، وفي مكان من العالم، أسرة لا تعلم بوفاة ابنها أو أخيها أو صديقها".  

  • * /** أسماء مستعارة
 

للمزيد