سياج حدودي بين اليونان وتركيا. الصورة ملتقطة من فيديو لرويترز
سياج حدودي بين اليونان وتركيا. الصورة ملتقطة من فيديو لرويترز

"قافلة النور" عنوان قناة على تطبيق تيليغرام للمراسلات السريعة، أنشئت بداية الشهر الجاري تقريبا وسرعان ما استرعت اهتمام عشرات الآلاف من المهاجرين، معظمهم من السوريين والعراقيين، المتواجدين في تركيا. المسؤولون عن القناة أعلنوا للمشاركين فيها نيتهم تنظيم قافلة لعبور الحدود التركية مع الدول الأوروبية، واستكمال الطريق شمالا. كثير من الجدل أحاط بتلك الدعوة مؤخرا، لينهيه المنظمون أنفسهم اليوم برسالة على القناة نفسها، دعوا فيها المشاركين للعودة لمنازلهم "وعدم الانجرار وراء الشائعات"، لتكثر الأسئلة حول من هي الجهة التي تقف خلف مثل هذه الدعوات، ولمَ تم إطلاقها أصلا.

انشغلت مواقع التواصل في تركيا مؤخرا بأخبار "قافلة النور" وأهدافها المعلنة المتمثلة بعبور عشرات آلاف اللاجئين للحدود التركية باتجاه أوروبا. أخبار متتالية تناولت القافلة وخط سيرها والاستعدادات للمضي بها، معلومات كثيرة طرحها المنظمون المفترضون للقافلة التي كانت من المفترض بدورها أيضا أن تنطلق أمس الإثنين 19 أيلول/سبتمبر.

قبل الخوض في أي تفصيل، نشر المنظمون المسؤولون عن القافلة رسالة صباح اليوم على القناة المخصصة للتواصل مع المشاركين على تطبيق تيليغرام، أعلنوا فيها إلغاء القافلة ودعوا الجميع إلى العودة إلى منازلهم. وفيما يلي نص الرسالة: "السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته تم ايقاف القافلة بشكل كامل نرجو من الجميع العودة الى ولايته وعدم الانجرار وراء الشائعات والذي قاموا بدعم هذه القافلة هم عصابات لهم غايات لترحيلكم خارج تركيا الى سوريا الحمد لله اننا اكتشفنا هذا الأمر قبل فوات الأوان هناك مجموعة من القافلة في ادرنة محتجزين عند البوليس وقد يتم ترحيلهم الى سوريا ارجوا من الجميع التفهم...".

ولكن قبل هذا الإعلان، امتلأت القناة التي أنشئت في الرابع من أيلول/سبتمبر الجاري وتحمل الاسم نفسه، بالمعلومات والمواد الإرشادية للاجئين في تركيا الراغبين بالانضمام للقافلة. بعض المنشورات شملت معلومات عن مواقع التجمع وأوقات الانطلاق والمواد الواجب حملها عند الانطلاق... للناظر إلى تلك المنشورات، يبدو أن هناك تنظيما جديا وراء الحملة والأشخاص المشرفين مطلعين على زوايا متعددة ويعلمون ما هم مقدمين عليه.

للمزيد>>> "قافلة النور".. حملة لآلاف اللاجئين السوريين في تركيا لهجرة جماعية إلى أوروبا

تكثفت النقاشات مع الوقت، وتابع القناة عشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين والسوريين المقيمين في تركيا. الحماس لف حتى لاجئين من مناطق أخرى بدأوا بالتداعي لتشكيل قوافل خاصة بهم والتوجه إلى تركيا للانضمام إلى قافلة النور. هذا ما حصل عند الحدود التركية-السورية، حيث فشلت أول دعوة للتجمع عند معبر باب الهوى شمال إدلب حين هاجمت مجموعات مسلحة تجمعا أطلق عليه مشرفوه "قافلة السلام"، يهدف للخروج من مناطق الفصائل المعارضة (شمال سوريا) عبر تركيا والالتقاء بقافلة النور عند الحدود التركية-الأوروبية.

بالبحث عن القافلة ومنظميها، لا يظهر أي تفصيل يشير إلى الجهة أو الأشخاص الذين يقفون وراءها. هناك فقط القناة على تطبيق تيليغرام للمراسلة الفورية، الدليل الوحيد على الدعوات لإطلاق القافلة، حيث تنشر الرسائل الصوتية والفيديوهات "المموهة" بشأن التفاصيل.

نص الرسالة المنشورة على قناة "قافلة النور" بشأن إلغائها
نص الرسالة المنشورة على قناة "قافلة النور" بشأن إلغائها


"هذه القافلة فتحت نافذة أمل للكثيرين"

بالعودة للقافلة والدعوات والتحضيرات لها، أعرب عدد من المشاركين على قناة التيليغرام عن أملهم بأن تتمكن هذه القافلة من مساعدتهم على استكمال حياتهم خارج تركيا.

أحلام، لاجئة عراقية من بغداد، وصلت إلى تركيا في 2014، قالت لمهاجر نيوز إن تلك القوافل باتت تعتبر أبواب أمل للآلاف ممن يتشاركون وضعها.

تقدمت الأستاذة الجامعية سابقا، والأم لثلاثة أطفال، بطلب لجوء وإعادة توطين في 2015، ومن حينه مازالت تنتظر ردا على طلبها. "ما أن علمت بالقافلة حتى سارعت للتسجيل فيها. أعلم المخاطر المنضوية على ذلك، وأعلم أنه من الممكن أن يكون الموضوع كذبة كبيرة، لكنها (القافلة) نافذة أمل فُتحت بعد سنوات من الظلمة. لم نعد قادرين على التحمل، السنوات مضت والأطفال يكبرون وما من مجال لاستكمال حياتنا هنا".

تحدثت أحلام كما كثير من اللاجئين غيرها عن الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهونها في تركيا. بعضهم استفاض بالحديث عن المعاملة العنصرية التي يتعرضون لها في أماكن العمل أو في الشارع كونهم سوريين.

للمزيد>>> وزير يوناني يطلق مفاجأة جديدة.. منع 150 ألف مهاجر من عبور الحدود منذ مطلع 2022

عبد الفتاح، شاب سوري من حلب، مقيم في تركيا منذ نحو ثماني سنوات. يعمل عبد الفتاح في أحد أفران الخبز في إسطنبول، يقول "مضت أربع سنوات وأنا أغير مكان عملي شهريا، لم أعد أقوى على ذلك. أواجه معاملة عنصرية هائلة في العمل، في بعض الأحيان أشعر وكأني المسؤول عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد... باختصار، مع كل امتناني للشعب التركي على حسن الضيافة، لكني أعتقد أن الوقت قد حان لنكمل طريقنا إلى أوروبا. هذه القافلة فعلا، اسم على مسمى، فتحت نافذة أمل للكثيرين، وأتمنى أن أكون من المحظوظين الذين سيتمكنون من الانضمام إليها والعبور (إلى أوروبا)".

منظمون مجهولون

في المقابل، لا يتشارك آخرون نفس المستوى من الأمل والتفاؤل حيال القافلة. بسام، لاجئ سوري، أبدى شكوكه حيال سرية هوية المنظمين للقافلة، "هناك فيديوهات مموهة لأشخاص يعطون تعليمات دقيقة حول الطريق، لما لا يكشفون هوياتهم إن كان الموضوع نظاميا؟ ما أعرفه هو أن نشاطات مشابهة تعتبر خروجا عن القانون في تركيا، ويعرض المشاركين فيه لمسائلات قانونية. هل نسق المنظمون خطواتهم مع السلطات التركية؟".

يذكر أن السلطات التركية وقعت اتفاقا مع الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة في 2016، وبموجبه تسعى للحفاظ على اللاجئين والمهاجرين لديها مقابل دعم مادي تتلقاه من بروكسل. ولطالما دعت تركيا اللاجئين إلى عدم التجاوب مع دعوات مماثلة، كونها مخالفة للقانون وستعرضهم للمساءلة القضائية.

للمزيد>>> الهجرة وسياسات الدول... ملف إنساني أم "سلاح سياسي"؟

أشخاص آخرون ممن انضموا إلى القناة على تيليغرام، أعربوا أنهم غير معنيين بالخروج مع القافلة، لكنهم مهتمين بأخبارها لنقلها لأقارب أو معارف لهم في تركيا أو خارجها. هذا حال طه، وهو ألماني من أصل سوري، اعتبر أن متابعة أخبار القافلة مهمة أساسية بالنسبة له لمعرفة ما إذا كانت ستشكل فرصة لأقارب له للخروج من تركيا. من جهة أخرى، اعتبر زياد، وهو ألماني أيضا من أصول سورية ويقيم في إسطنبول، أن متابعة أخبار هذه القوافل فرصة لكشف زيفها وتفنيد مساوئها لدى معارفه من المتحمسين للانضمام إليها، "في 2020 كثيرون توجهوا للحدود مع اليونان، وجميعنا نذكر ما الذي حصل حينها. قبل ذلك كان هناك دعوات مختلفة لقوافل مشابهة، جميعها انتهت بخيبة أمل كبيرة لدى المشاركين. أريد أن أحذر معارفي من مثل تلك الدعوات المشبوهة، خاصة وأن ما من أحد من منظميها معروف، وما من جهات تبنتها بشكل رسمي".

مفوضية اللاجئين تدعو لعدم المشاركة

من جهتها، ومع انتشار أخبار على قناة "قافلة النور" حول التنسيق معها بشأن مسير القافلة، حذرت مفوضية اللاجئين في تركيا من الاستجابة للدعوات الرامية للمشاركة في أنشطة مشابهة لاجتياز الحدود التركية-الأوروبية بشكل غير قانوني، مشددة على أنها لا تدعم ولا تشجع المشاركة بمثل تلك القوافل.

للمزيد>>> "مقابلتي بعد سنوات".. "عائلتي قيد الاعتقال".. مهاجرون عراقيون في اليونان يشاركون قصصهم

وقالت المفوضية في بيان إن هناك "مخططات لحركة منظمة" تهدف لاجتياز الحدود التركية مع بلغاريا واليونان ومن ثم الدخول إلى باقي الدول الأوروبية، محذرةً من أن مثل تلك الطرق سواء عبر البر أو البحر، يمكن أن تؤدي إلى "نتائج خطيرة" تصل إلى الاعتقال والاحتجاز وحتى الموت.

وأكدت المفوضية أنها "لا تشارك" أو "تشجع" السفر غير القانوني سواء من تركيا إلى بلغاريا أو أي دولة أخرى، مشدّدة على أنها وبالإضافة إلى المنظمات الشريكة معها "غير متورطين" بدعوات المشاركة في مثل تلك التحركات. وحذّرت من "المعلومات المضللة" المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفقا لكل ما سبق، ويضاف إليه رسالة المنظمين "الغريبة" التي نشرت صباح اليوم، تكثفت هالة الغموض الذي كان محيطا بظروف الدعوة للمشاركة بالقافلة. ويبقى السؤال نفسه مطروحا، من هي الجهة أو الأشخاص المسؤولين عن تلك الدعوة؟ وإلى متى ستبقى أحلام وأمنيات مئات الآلاف من المسحوقين عرضة للمراهنة والمتاجرة، وكأن ما يعيشونه ويمرون به ليس كافيا، لتأتي دعوات مشابهة تبيعهم أوهاما وردية وتعود وتلقيهم في حفر التعاسة.

 

للمزيد