هل ستبقى السويد جنة لطالبي اللجوء أم ستتحول إلى كابوس لهم؟
هل ستبقى السويد جنة لطالبي اللجوء أم ستتحول إلى كابوس لهم؟

تعتبر مالمو المدينة الأكثر تنوعا على المستوى الثقافي في السويد، ذلك أنها تضم كما هائلا من الإثنيات والجنسيات لا تحويها أي مدينة أخرى في تلك البلاد. ووفقا للكثير من الباحثين والمراقبين، تحصي مالمو أكثر من 170 جنسية مختلفة، الأمر الذي يعكس نفسه على الحياة اليومية فيها، إضافة إلى المشهدين الثقافي والاجتماعي.

منذ عامين شهدت مالمو تدفقا هائلا في أعداد المهاجرين واللاجئين. يقول كينيث بوركيني من الصليب الأحمر السويدي "عام 2015، شهدنا تدفقا غير مسبوق للمهاجرين واللاجئين إلى مالمو، في بعض الأحيان كنا نستقبل ما يصل إلى ألف إنسان يوميا عبر محطة القطارات المركزية في المدينة".

يستذكر بوركيني تلك المرحلة وعلامات الأسى تظهر على وجهه "كان علينا أن نتصرف، أقمنا مخيما غير رسمي بالقرب من محطة القطارات المركزية في المدينة، كان علينا أن نستقبل الجميع، من المستحيل أن يبيت أحد منهم في العراء".



تعكس كلمات بوركيني النظرة العامة التي يتبناها معظم سكان مالمو تجاه قضية المهاجرين، حيث تعتبر المدينة الساحلية والحدودية مع الدنمارك معبرا تاريخيا لحركة الهجرة إلى السويد.

ويضيف الرجل الستيني المتطوع في منظمة الصليب الأحمر "حركت أزمة اللاجئين مشاعر الكثيرين في أنحاء البلاد، وأنا منهم. بعد أن رأيت صورة الفتى آيلان على أحد الشواطئ التركية قررت ترك عملي والتوجه إلى الصليب الأحمر لأساعد بقدر ما أستطيع".

ويختم بوركيني بالقول "الهجرة تاريخيا تركت بصمة واضحة في مدينة مالمو، أينما ذهبت تجد مطاعم عربية أو إيرانية أو هندية.. محلات تبيع الألبسة والحلي التقليدية.. كل ذلك أعطى مالمو بعدا آخر لم يكن موجودا قبل 50 عاما".

السوق العربية

ولعل خير مثال على ذلك السوق العربية في مالمو التي تعتبر من أبرز تجليات الهجرة والاندماج في المجتمع السويدي. هناك، يمكنك أن تجد كل ما تحتاجه من مكونات أساسية للمأكولات التقليدية المنتشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

التجول في السوق يبعث فيك شعور السفر عبر الزمان والمكان، أصوات الباعة والزبائن، الجدال على الأسعار، نساء يبحثن في البضائع المصفوفة على البسطات، رجال يسألون عن منتجات معينة، أطفال يلهون، كل ذلك ينتقل بك من السويد ويضعك في أي مدينة عربية أخرى، في بغداد أو دمشق أو بيروت.


ملتقى اجتماعي وثقافي

مريم، عراقية هاجرت إلى السويد منذ أكثر من 15 عاما، كانت في السوق مع ابنتيها، قالت لمهاجر نيوز إن "السوق بالنسبة الينا هي متنفس أساسي نجد فيها كل ما نحتاجه لتحضير مأكولاتنا التقليدية، وأكثر من ذلك، إنها بمثابة ملتقى اجتماعي وثقافي، الجميع هنا من كافة الطبقات والخلفيات والأديان يلتقون ويتحادثون ويتبادلون النصائح والوصفات المطبخية".

تصف مريم علاقتها بالسوق بأنها أساسية، "لا يمكن أن يمر أسبوع إلا وأزور السوق، فهنا ألتقي بأصدقاء وجيران، وأتعرف على ثقافات ومطابخ غريبة عني، أول طبخة سويدية أعددتها تعلمتها من امرأة سويدية هنا في السوق".

يقصد السوق زبائن سويديون أيضا، معظمهم قالوا إنهم يرتادون هذا المكان لأن الأسعار أرخص والبضائع طازجة. كما أن الكثير منهم قال إن المأكولات المعروضة هنا أثارت اهتمامهم ويريدون التعرف إليها.

ماهين، شاب كردي عراقي يقف عند إحدى البسطات، قال لمهاجر نيوز إن هذه السوق تشكل العصب الاقتصادي الأساسي لهذه المنطقة، "لا يمكنك أن تتخيل عدد الجنسيات التي نراها هنا، هذه السوق شكلت متنفسا حتى للسويديين أنفسهم."

صورة إيجابية؟

كل ما يحيط بهذه السوق يعكس صورة إيجابية عن اندماج مجتمعات المهاجرين بشكل إيجابي في السويد. حتى السويديون أنفسهم يقيمون تجربة تلك السوق، إلا أن الصورة تختلف لدى البعض.

كنان هابول، صحافي سويدي مقيم في مالمو، يتحدث لمهاجر نيوز عن الأوضاع الصعبة التي يواجهها المهاجرون في السويد إجمالا عقب أزمة تدفق اللاجئين التي شهدتها أوروبا. كنان يصف القرارات الحكومية المتعلقة بتقليص المساعدات وقرارات ترحيل العراقيين والأفغان وتنامي حركات اليمين المتطرف بأنها عوامل تحد من الانطباعات الإيجابية لدى الكثيرين عن حياة اللاجئين في السويد.

يقول هابول "يسعى اليمين السويدي إلى الربط بين أزمة اللجوء والأزمة الاقتصادية من خلال محاولته إقناع الناخبين السويديين بأن اللاجئين يشكلون عبئا اقتصاديا على السويد، كما أنهم يأخذون الوظائف التي من المفترض أن تكون متوفرة للسويديين".

وقد ساهمت الأوضاع الاقتصادية التي مرت بها البلاد مؤخرا والتي أدت إلى إغلاق الكثير من المصانع في المناطق النائية، بتعزيز ذلك الخطاب. فقد انعكس التراجع الاقتصادي على شريحة واسعة من السويديين ورفع من نسب البطالة.

تنامي اليمين وتغيير في السياسات

"لا يخفى على أحد تنامي قوة اليمين المتطرف هنا في السويد، إلا أن ذلك مازال لا يشكل خطرا حقيقيا، حتى اللحظة على الأقل. الشعور العام هنا متعاطف مع قضايا اللاجئين، ولكن اليمين استطاع خلال فترة بسيطة نسبيا ان يحقق تقدما ملحوظا في الحضور السياسي من خلال قضية اللاجئين".

تحت ضغط اليمين والقوميين، شددت السويد المراقبة على حدودها كافة، وأغلقت الجسر الذي يربط بين مالمو والعاصمة الدنماركية كوبنهاغن، ورفعت من نسب ترحيل اللاجئين خاصة الأفغان والعراقيين.

وحول ذلك يورد كنان "تحذر الحكومة السويدية رعاياها من الذهاب إلى العراق أو أفغانستان نتيجة الحرب هناك بينما هي تعيد مواطني هذين البلدين اللاجئين هنا بحجة أنهما آمنان ولا حرب فيهما".

جنة لجوء أم كابوس لا ينتهي؟

تكثر وجهات النظر حيال قضية اللجوء واللاجئين في السويد، إلا أن الثابت الرئيسي هو أنه لا يمكن مقارنة أوضاع اللاجئين في هذه الدولة بأي بلد أوروبي آخر.

ويبقى السؤال الذي يدور في رؤوس الكثير من اللاجئين والمهاجرين في السويد، هل ستبقى السويد جنة لطالبي اللجوء والباحثين عن مستقبل أفضل أم ستحولها الإجراءات الحكومية الجديدة والتوترات السياسية والأحوال الاقتصادية إلى كابوس لا يحتمل؟

 

للمزيد