سياج حدودي بين اليونان وتركيا. الصورة ملتقطة من فيديو لرويترز
سياج حدودي بين اليونان وتركيا. الصورة ملتقطة من فيديو لرويترز

يتنامى الخطاب المعادي للمنظمات غير الحكومية في اليونان بشكل متواصل، حتى باتت جهات حكومية تتهم بعض تلك المنظمات بالتواطؤ مع المهربين وبالعمالة للسلطات التركية. وساهم ذلك بخلق مناخ معاد لتلك المنظمات التي لم تعد قادرة على العمل براحة في البلاد، ما اضطر الكثير منها لوقف أنشطتها.

تعاني المنظمات الحقوقية والإنسانية غير الحكومية المعنية بمساعدة اللاجئين في اليونان مؤخرا، من عداء متزايد تجاهها لدرجة أن بعضها قرر التوقف عن العمل.

ففي بلد مصمم على الحد من تدفقات الهجرة من تركيا المجاورة، تواجه تلك الجماعات عداء متزايدا أجبر الكثير من النشطاء على التخلي عن مهماتهم.

في تموز/يوليو الماضي، تولت المحامية إفغينيا كونياكي مهمة الدفاع عن عشرات من طالبي اللجوء السوريين، تقطعت بهم السبل على الحدود اليونانية التركية. لم تتخيل المحامية في حينه أن يكون ذلك سببا لانسحابها من المنظمة غير الحكومية التي كانت تعمل بها احتجاجا على ضغوط الحكومة.

كونياكي قالت لوكالة الأنباء الفرنسية إنه فيما مضى، كان هناك ما يصل إلى عشرة أشخاص في منطقة إيفروس يساعدون ضحايا عمليات "صد" (طالبي اللجوء) المثيرة للجدل، التي يُزعم أن قوات الحدود اليونانية تقوم بها لإعادة المهاجرين إلى تركيا.

للمزيد>>> أربع ضحايا بينهم طفلة قضت بلدغة عقرب... عشرات المهاجرين السوريين عالقين على جزيرة وسط إيفروس

وقالت مشتكية "الآن أصبحنا أقل"، مشيرة إلى أنها تتلقى عروض عمل أقل بسبب تورطها في القضية الحساسة للمهاجرين السوريين.

ويخضع حوالي 50 عاملا إنسانيا في اليونان حاليا للملاحقة القضائية، بسبب الجو السائد المعادي للهجرة، والذي يجرّم أيضا تقديم المساعدة للمهاجرين.

وفي بيان مشترك حول الموضوع، قالت 16 منظمة حقوقية غير حكومية الشهر الماضي "السلطات اليونانية منخرطة في حملة تهدف لشيطنة اللاجئين والمدافعين عنهم أيضا".

المنظمات المعنية بتقديم الرعاية والتوجيه والمشورة للمهاجرين، ومن بينها منظمة "إيجه لدعم اللاجئين" و"المجلس اليوناني للاجئين" و"الرابطة اليونانية لحقوق الإنسان"، اشتكت من كونها هدفا لهجمات متكررة من قبل حكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس المحافظة وبعض وسائل الإعلام الموالية لحكومته.

إنكار يوناني على الرغم من الأدلة

وتُتهم سلطات أثينا بانتهاك القانون الدولي من خلال إعادتها إلى تركيا أشخاصا يرغبون في طلب للحصول على اللجوء في الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من التحقيقات الدقيقة التي أجرتها وسائل إعلام ومنظمات غير حكومية وشهادات العديد من الضحايا، أنكرت السلطات اليونانية على الدوام اللجوء إلى مثل هذه الممارسات.

في غضون ذلك، واصل المسؤولون اليونانيون هجماتهم اللفظية على مجموعات دعم اللجوء. نائبة وزير الهجرة اليوناني صوفيا فولتيبسي، صرحت في أيلول/سبتمبر الماضي أنها "بصفتها يونانية، فإنها لا تنوي العمل مع منظمات غير حكومية تضر بالمصلحة الوطنية"، عبر التنديد بعمليات إعادة اللاجئين غير القانونية.

وسبق للحكومة اليونانية المحافظة المنتخبة في 2019، أن تعهدت مرارا بجعل البلاد "أقل جاذبية" للمهاجرين.

إجراءات حكومية لوقف تدفقات المهاجرين

وكانت الحكومة قد أعلنت عن سلسلة من الإجراءات لمكافحة عبور المهاجرين من تركيا، من ضمنها تمديد الجدار الحدودي (يبلغ طوله حاليا 40 كيلومترا) في منطقة إيفروس (شمال) ويمثل الحدود مع تركيا، بمقدار 80 كيلومترا أخرى. كما سيتم نشر 250 عنصرا إضافيا من حرس الحدود بحلول نهاية العام.

ويعتبر نهر إيفروس نفسه نقطة رئيسية يعبر من خلالها المهاجرون باتجاه دول أوروبا الغربية. وليتمكنوا من مساعدتهم، نادرا ما يستطيع عمال الإغاثة الوصول إلى هذه المنطقة العسكرية، التي تُسَيَّر فيها دوريات للشرطة والجيش ووحدات من وكالة مراقبة الحدود الأوروبية "فرونتكس".

في هذا الإطار، ألقي القبض على محاميين في إيفروس في تموز/يوليو الماضي، أثناء محاولتهما مساعدة مهاجرين عراقيين وأتراك على طلب اللجوء.

وفي أوائل تشرين الأول/أكتوبر، أغلقت منظمة "جسور" غير الحكومية مكاتبها في المنطقة الحدودية بعد أن رفعت بحقها ثلاث دعاوى قضائية لم تسفر عن إدانات، ولكن انتهى بها الأمر إلى جعل عملها مستحيلا. وبررت المنظمة قرارها "بتراجع سيادة القانون في أوروبا".

تجريم المنظمات غير الحكومية والعاملين الإنسانيين

من جهته، قال وزير الهجرة نوتيس ميتاراكيس لقناة "سكاي" التلفزيونية المحلية الأسبوع الماضي "هناك عدد قليل جدا من المنظمات غير الحكومية المتبقية في اليونان".

مضيفا أن "غالبية المنظمات غير الحكومية التي كانت نشطة بين عامي 2015 و2019 غادرت اليونان من تلقاء نفسها"، مؤكدا أن "بعضها ... عرضة للملاحقة الجنائية بتهمة تسهيل الدخول غير القانوني للمهاجرين".

واتخذت أثينا على مدى السنوات القليلة الماضية خطوات تهدف للسيطرة على عمل المنظمات المعنية بمساعدة المهاجرين، من ضمنها فرض متطلبات تسجيل جديدة في شباط/فبراير 2020. وفي أيلول/سبتمبر 2021، جرّم قانون جديد الجمعيات الإنسانية التي تقوم بعمليات الإنقاذ البحري دون موافقة خفر السواحل اليوناني.

متابعون حذروا من أن الإجراءات الحكومية الجديدة في حينه ستؤثر على وصول آلاف الأشخاص المستضعفين للخدمات الرئيسية.

مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان دنيا مياتوفيتش حذرت العام الماضي من أن القانون "سيعوّق بشكل خطير" عمل المنظمات غير الحكومية المنقذة للحياة.

ليفتيريس باباياناكيس، مدير منظمة "مجلس اللاجئين اليوناني"، قال لوكالة الأنباء الفرنسية إن الخطاب المعادي للمنظمات غير الحكومية أصبح "ساما" اعتبارا من شباط/فبراير 2020، عقب إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه سيسمح بعبور جميع اللاجئين الراغبين في الذهاب إلى الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن "أثينا تتهم أنقرة باستغلال اللاجئين كأداة لزعزعة استقرار اليونان. ونتيجة لذلك، صارت المنظمات غير الحكومية التي تدافع عنهم تعد في الخطاب العام عميلة لتركيا".

أما المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان ماري لولور، فاعتبرت في حزيران/يونيو الماضي أن هناك "تجريم متزايد للمساعدات الإنسانية" في اليونان.

كما انتقدت "التعليقات العدائية" تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان الذين "يوصفون بأنهم خونة وأعداء للدولة وعملاء أتراك ومجرمون ومهربون"، من قبل شخصيات حكومية بارزة.

 

للمزيد