الموظف عمر يعمل في منصة 115 لإيواء المشردين في حالات الطوارئ. الصورة: مهاجرنيوز
الموظف عمر يعمل في منصة 115 لإيواء المشردين في حالات الطوارئ. الصورة: مهاجرنيوز

في مونتروي التابعة لضاحية سين سان دوني شمال العاصمة باريس، تتلقى منصة الطوارئ 115 مئات طلبات الإيواء يوميا، والتي لا يمكنها تلبيتها. تعود الغالبية العظمى لعائلات تشردت في الشارع، تحت درجات حرارة متدنية. ويستنكر العاملون الاجتماعيون هذا الوضع، ويجدون أنفسهم "في الصف الأول" لمواجهة أزمة لا يمكنهم فعل أي شيء لحلها. تقرير.

يتلقى عمر* مكالمته رقم 57 لليوم، يبدأ المحادثة الهاتفية قائلا "115 منطقة 93 (Seine Saint Denis)، مرحبا!"، وعلى الطرف الآخر من الخط طالبة لجوء بالغة من العمر 33 عاما كانت انتظرت ساعتين و45 دقيقة قبل أن تتمكن أخيرا من الحصول على هذا الرد.

"كنت أتصل كل يوم منذ شهرين تقريبا".

"أين أنتم"؟

"في مونتروي".

"أين بالضبط"؟

"بجانب كارفور، بورت دو مونتروي".

"سيدتي كيف حالك"؟

"لا، أنا لست بخير، أعاني من البرد. تسعل ابنتي وكانت مصابة بالحمى طوال الليل".

"ذهبت إلى المستشفى"؟

"نعم سيدي، إلى غرفة الطوارئ".

"سأصدر طلب سكن على سبيل الأولوية".

"شكرا".

"حظا موفقا سيدتي".

"شكرا".

على شاشة كمبيوتر عمر، في مركز الاتصال هذا، تظهر بضعة أسطر في ملف السيدة، التي "تنام في محطات الحافلات" بحسب ما كتب في تعليق بناء على محادثة هاتفية سابقة. وبعد ذلك ببضعة أيام، أضيف إلى الملف ملاحظة أخرى: "تمضي الليل في الحافلات لأنها لا تشعر بالأمان في المحطات". إذ لم تتمكن هذه المرأة وطفلها البالغ من العمر عاما واحدا من الحصول على مكان للإقامة على الرغم من الطلبات اليومية. ورُفض طلب لجوئها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

 للمزيد>>> باريس: الشرطة الفرنسية تخلي مبنى مهجور كان يعيش فيه نحو 100 مهاجر

منذ وقت قصير كانت تعتبر طالبة اللجوء هذه، وهي امرأة عزباء لديها طفل صغير، أنها أولوية على قائمة الأشخاص المشردين في الشارع الذين يطلبون من الدولة الفرنسية إيواءهم في حالات الطوارئ بضع ليال. لكنها اليوم مجرد واحدة من مئات الأشخاص الآخرين، الذين ينامون في محطات القطار أو خدمات الطوارئ التابعة لمستشفيات سين سان دوني، إحدى الضواحي الشمالية للعاصمة باريس. في هذه المنطقة الأفقر في فرنسا، 85% من طلبات الإقامة المسجلة من قبل 115 تكون لعائلات لديها أطفال. وكانت حطمت الطلبات رقما قياسيا، الاثنين 28 تشرين الثاني/نوفمبر، بتسجيل 739 طلبا، لم يكن في الإمكان تلبيتهم.

"ترتيب الأولويات"

"تاريخيا، قدم مركز الـ115 مساعدات للأشخاص الوحيدين المشردين في الشوارع، لكن على مدار السنوات العشر الماضية شهدنا انفجارا في الطلبات الواردة من الأسر"، بحسب فاليري بوفيلاند، مديرة العمليات في خدمة الاستقبال والتوجيه المتكاملة (SIAO)، والتي تضم خدمة 115 في سين سان دوني.

وأضافت أنه بات يتوجب عليهم الآن الاختيار من ضمن الأولويات، "حاليا، الحالات ذات الأولوية للنساء الحوامل ومن يخرجون من جناح الولادة. أما الرجال العازبون، يتصلون بنا فقط في حالات نادرة، على الرغم من أنهم يشكلون الأغلبية في الشارع، فهم يعلمون أن لا فرصة لديهم، لعدم توافر أمكنة".

وتختلف فترة المساعدة التي تقدمها هذه الخدمة، "من المفترض أن تستمر لمدة ثلاثة أشهر ولكنها تدوم أحيانا يومين أو ثلاثة أيام فقط"، كما تؤكد فاليري بوفيلاند، و"بعد ذلك يغير الناس الفنادق، إذا توافرت أمكنة أخرى، أو يعودون إلى الشارع. يمكن لبعض العائلات تغيير الفندق 30 مرة في ثلاثة أشهر وفي مختلف أنحاء باريس وضواحيها".

بينما زاد عدد الأماكن المتاحة في المنطقة من 9 آلاف إلى 12 ألف خلال الأزمة الصحية، استمر عدد الأشخاص في الشوارع في الزيادة، كما أنه من الممكن إلغاء 500 مكان قريبا. وتنوي الدولة التخلص من أزمة إيواء المشردين في حالات الطقس الصعبة (موجات الصقيع أو الحر)، من خلال إنشاء أماكن دائمة. لكن ورغم أنها خطة "جديرة بالثناء"، بحسب تعبير بوفيلاند، إلا أن "هذه الأماكن الدائمة تستند إلى معايير أكثر وتتطلب وجود أخصائي اجتماعي مع مقدم الطلب. وفي الوقت نفسه، هناك نقص في الأخصائيين الاجتماعيين. لذلك ما نحتاج إليه، هو أماكن يمكن تعبئتها على الفور وبدون معايير".

لا يطلب الـ115 تفاصيل عن الوضع الإداري للأشخاص، لكن المهاجرين يشكلون نسبة كبيرة ضمن فئات الأشخاص المتنوعة. وفي الاتصالات الهاتفية، الأشخاص ذوو الأسماء الأفريقية أو العربية هم الأغلبية إلى حد بعيد. وهناك أيضا أشخاص لا يجيدون اللغة الفرنسية، ورغم وجود خدمة الترجمة الفورية بعدة لغات،إلا أنها خدمة صعبة الوصول، لذلك يعتبر الموظف عمر إجادته اللغتين العربية والإنجليزية بالإضافة إلى الفرنسية، أمرا مفيدا يسهّل التواصل مع الأجانب.

للمزيد>>> "فرنسا أرض لجوء" تخلف الصليب الأحمر في إدارة نظام تقييم أعمار المهاجرين القاصرين في باريس

"من المؤكد أنها لن تجد مكانا هذه الليلة أيضا"

"أحب مساعدة الذين يواجهون صعوبات"، يوضّح عمر الذي ظل يعمل في مركز الاتصال منذ كانون الثاني/يناير الماضي."الوضع صعب في بعض الأحيان. نحن في الخطوط الأمامية. إنه أمر مرهق".

مهمة الأخصائي الاجتماعي ثقيلة، فهو يحاول الاستماع للأشخاص وتشجيعهم أحيانا قائلا "لا تثبط عزيمتك" أو "يجب أن تتحلى بالصبر"، لكن مشاعر الحزن والانزعاج تسيطر عليه بمجرد وضع الهاتف. وبعد أن أنهى محادثته الهاتفية يعتقد أنه "لن يكون لهذه المرأة مكانا، الليلة أيضا".

يقتصر عمل عمر على تصنيف المواقف التي يواجهها، ويجب أن يضع علامة من 1 إلى 5، بحسب إلحاح وضع الأفراد. وعمر، مثل غيره من الموظفين الذين تمكنا من متابعتهم، يختار دائما "1" (أعلى مرتبة). ويقول "قوتي تقتصر على ذلك. أنا من تحدث مع الأشخاص على الهاتف، وأنا من يعرف وضعهم ولكن لست أنا من يقرر".

كما أنه يحارب إحساسه بالعجز من خلال إعطاء فرصة للمتصلين الذين أنهكهم الانتظار، وناموا والهاتف على أذنهم كما يشرح عمر أنه في بعض الحالات وبعد الانتظار الطويل، حين يرد لا أحد يجيب، "عادة، يتعين علينا إنهاء المكالمة بعد 30 ثانية في هذه الحالات، لكنني أترك الخط مفتوح لـ40-50 ثانية. وأقوم بحفظ رقمهم لمعرفة ما إذا كان الملف موجودا بالفعل باسمهم، وفي هذه الحالة أقوم بتقديم طلب رعاية ذاتية". خلال إحدى المكالمات، استغرق الأمر أكثر من دقيقة قبل أن يسمع صوت صغير، لصبي يبلغ من العمر ستة أعوام، الذي سمعه ينادي أمه متلهفا "أمي، حصلنا أخيرا على رد!".

"أشعر بالألم مع كل مكالمة"

يبذل الفريق المكون من 24 موظفا فقط جهدهم لتغطية الخدمة التي تعمل 24 ساعة وعلى مدار الأسبوع، في حين لا يوجد سوى القليل من الأمل لتلبية حاجات المشردين في عاصمة الأنوار.

"بالنسبة إلي الأمر معقد للغاية، ومن الصعب جدا الانتقال من مكالمة إلى أخرى. إنه أمر مؤلم، خاصة عندما لا يكون لديك إجابة لتقديمها. أشعر بالألم في معدتي مع كل مكالمة"، تقول إيمان* البالغة من العمر 36 عاما والمنظمة لفرق المساعدة المتنقلة.

وعادة ما تشارك في الدوريات المتنقلة لمساعدة الأشخاص في الشوارع، ومنذ عام 2017 تقدم أحيانا بعض المساعدة في مركز الاتصال هذا "الذي يعاني من نقص في الموظفين". وتضيف إيمان* قائلة "ليس لدينا وقت ونخشى أن نكون مسيئين.. الناس على الهاتف يبكون باستمرار، ويكونون قلقين ومتوترين. يمكنك سماع الأطفال يبكون خلفهم. أحيانا يكون الأطفال أنفسهم هم الذين يتصلون. وعندما يكون شخص ما مستاء، فإنه يلوم الشخص الذي يرد عليه هنا، أي موظفي الـ115، بدلا من لوم الدولة، فنحن نتحمل كل ذلك. هذا العمل صعب على المستمعين، هناك من يأخذ إجازة مرضية أحيانا".

يستمعون إلى حالات إنسانية طارئة لساعات طويلة، منها بعض الأمثلة: "ابني يخرج من المدرسة عند الساعة 5 مساء، ألاقيه في محطة الحافلات ثم آخذه إلى أين؟ ليس لدي مكان أذهب إليه"، تنفجر امرأة في البكاء. وتطالب أخرى زوجها المستثنى من المسكن الذي رحب بهما فقط هي وابنتهما: "هو نائم في محطة سيفران. أرجو مساعدته". رجل في الثلاثينيات من عمره، طُردت عائلته للتو من فندق، يتوسل إلى شخص ما أن يفعل شيئا بشأن أطفاله الثلاثة "الذين لم يعودوا في المدرسة"، قبل أن ينقطع خط الهاتف في منتصف الجملة. وغالبا ما تكون ردود هؤلاء الموظفين "نعم أنا أصغي إليك"، "أتمنى لك الشجاعة"، وبعدها يوزعون عناوين الاستقبال خلال النهار، والتي يعرفون أنها لن تحل مشكلة النوم ليلا في هذا الطقس البارد.

كل يوم، حوالي الساعة 8 مساء، ينخفض ​​عدد الأماكن المتاحة في المنطقة. ويوم الخميس 1 كانون الأول/ديسمبر، كان هناك 11 مكانا. "المحظوظون" كانوا رجل عازب، وأسرة مكونة من ستة أشخاص، وأخرى مكونة من أربعة أشخاص. سيتمكنون من النوم في مكان دافئ، على عكس الـ487 الآخرين الذين تقدموا بطلب خلال النهار، من بينهم 172 أسرة. لا تشمل هذه الأرقام المكالمات التي لم يتمكن الأخصائيون الاجتماعيون من الرد عليها بسبب ضيق الوقت، ويصل عدد هذه المكالمات وسطيا إلى ألف يوميا.


*إدارة التحرير تتحفظ على ذكر الأسماء الكاملة للأشخاص حفاظا على خصوصيتهم

 

للمزيد