أم وابنها يسيران في مخيم "مافروفوني" في ليسبوس. 12 كانون الثاني/يناير 2023. المصدر: مهاجرنيوز
أم وابنها يسيران في مخيم "مافروفوني" في ليسبوس. 12 كانون الثاني/يناير 2023. المصدر: مهاجرنيوز

في مخيم "مافروفوني" في جزيرة ليسبوس اليونانية، يعيش نحو 1800 مهاجر بانتظار قرارات السلطات بشأن طلبات لجوئهم، في ظروف "جيدة نسبياً" إذا ما أخذ بعين الاعتبار نجاتهم من الغرق من جانب، ومن عمليات الإبعاد القسري التي تنفذها السلطات من الجانب الآخر. فريق مهاجرنيوز زار المخيم، والتقى ببعض المهاجرين والعاملين فيه.

موسى أبوزعنونة، موفد مهاجرنيوز إلى ليسبوس (اليونان)

بعد يوم عاصف شهدته جزيرة ليسبوس تخلله هزة أرضية خفيفة، تشرق الشمس على مخيم "مافروفوني" المحاذي للبحر، ويستغلها عبد الباقي بالجلوس وحيداً على مقعد خشبي بجوار الشاطئ، يراقب المارة ويلقي عليهم التحيات.

خرج الرجل الأربعيني من السودان قبل نحو شهرين ونصف، ووصل إلى جزيرة ليسبوس اليونانية قادماً من تركيا. بابتسامة عريضة تخفي الكثير من التساؤلات والمخاوف، رحب عبد الباقي بفريق مهاجر نيوز، وحكى حكايته "خرجت من السودان بعد أن تم اعتقالي من قبل السلطات، وقررت الهجرة وطلب اللجوء على أمل توفير حياة أفضل لأطفالي السبعة، الذين هربوا إلى مصر بانتظار أن يلتم شملنا من جديد".

عبد الباقي يجلس بالقرب من البحر في "مافروفوني". المصدر: مهاجرنيوز
عبد الباقي يجلس بالقرب من البحر في "مافروفوني". المصدر: مهاجرنيوز


وتابع "قبل نحو أسبوعين، أتيت برفقة حوالي 45 مهاجراً آخرين من إزمير. بسبب الرياح، انحرف قاربنا لمدة ثمان ساعات في البحر، وصلنا بعد عناء إلى ليسبوس. استقبلنا فريق أطباء بلا حدود واعتنوا بنا، ثم قدمتُ طلب اللجوء في المخيم. كل ما أتمناه هو توفير الأمان والتعليم الجيد لأطفالي".

قصة عبد الباقي لا تختلف كثيراً عن قصص نحو 1800 طالب لجوء ممن عبروا بحر إيجة قادمين من تركيا المجاورة، ولحسن حظهم، عثرت عليهم طواقم منظمة أطباء بلا حدود قبل السلطات اليونانية، فتجنبوا خطر عمليات الإعادة القسرية إلى تركيا، وانتهى بهم المطاف في مخيم "مافروفوني".

للمزيد >>>> "يريدون تجريم كل من يساعد المهاجرين".. محاكمة 24 عاملاً في المجال الإنساني في اليونان

"بعد النجاة من البحر ومن الشرطة.. يرى المهاجرون المخيم كالجنة"

أقامت السلطات اليونانية مخيم "مافروفوني" بعد الحريق الذي نشب في مخيم "موريا" سيء السمعة في أيلول/سبتمبر 2021، على أساس أن يكون مخيماً مؤقتاً إلى حين الانتهاء من عمليات بناء مخيم مغلق وسط جزيرة ليسبوس. وينقسم "مافروفوني"، والذي يطلق عليه اسم "كاراتيبي" بالتركية، أي الجبل الأسود، إلى أربعة مناطق، وهي: منطقة زرقاء للعائلات والنساء العازبات والحالات المستضعفة، ومنطقة حمراء للرجال العازبين، وصفراء تحتوي على خيام كبيرة تستخدم كمخازن، ومنطقة خضراء فارغة للطوارئ. بالإضافة إلى دورات المياه وأماكن الاستحمام، وقاعة لألعاب الفيديو ومشاهدة التلفاز، كما تتوزع أكشاك لبيع الطعام وللحلاقة، ناهيك عن نقاط بيع الشاي المتواجدة في كل زوايا المخيم.

صالون حلاقة في "مافروفوني"، تكلفة الحلاقة فيه 2 يورو. المصدر: مهاجرنيوز
صالون حلاقة في "مافروفوني"، تكلفة الحلاقة فيه 2 يورو. المصدر: مهاجرنيوز


وفقاً للعاملين في المنظمات غير الحكومية في "مافروفوني"، يعتبرُ كثير من المهاجرين وصولهم إليه بمثابة "الوصول إلى الجنة"، خاصة بعد تجربة عبور البحر، ونجاتهم من الغرق.

في المنطقة الزرقاء في المخيم، يعلو صوت رقية سيدو من داخل الوحدة السكنية التي تعيش فيها. بلغة إنجليزية ضعيفة تقول "هذا منزلي، أعيش هنا منذ ثلاثة أشهر، لماذا علي الانتقال إلى وحدة سكنية أخرى؟".

خرجت طالبة اللجوء الصومالية من بلدها في شهر حزيران/يونيو 2022، وبعمر الـ20 عاماً، عبرت بحر إيجة على متن قارب رفقة 40 مهاجراً، في 06 تشرين الأول/أكتوبر. تقول بصوت غاضب "ثقب قاربنا في منتصف الرحلة، وسقطنا في الماء، لكني لا أستطيع السباحة، فاستسلمت للموت والغرق. لحسن حظي، خفر السواحل وصلوا إلى وأنقذوني. ببساطة، لم تكن ساعة أجلي". ووفقاً للتقارير التي نشرت في حينه، غرق 15 مهاجراً تقريباً في هذا الحادث.

رقية سيدو تقف أمام وحدتها السكنية في "مافروفوني". المصدر:مهاجرنيوز
رقية سيدو تقف أمام وحدتها السكنية في "مافروفوني". المصدر:مهاجرنيوز


طلبت رقية اللجوء في المخيم، وتحاول لم شملها مع زوجها المتواجد في السويد، ولأن الإجراءات تأخذ من شهر إلى ستة أشهر، تضطر الجهات المسؤولة عن المخيم إلى نقل المهاجرين من وحداتهم السكنية إلى وحدات أخرى، بحسب الحاجة، وهو ما يشعرهم بعدم الاستقرار.

ويتواجد في المخيم نوعان من الوحدات السكنية، تتسع الوحدة السكنية الواحدة منها إلى خمسة أشخاص. النوع الأول يسمى "Refugee Housing Unit" (RHU)، وتم تصميمه من قبل شركة "إيكيا" بتمويل من مفوضية اللاجئين، وتتميز هذه الوحدات بأنها معزولة جيداً ضد الطقس البارد والحار. والنوع الثاني، يسمى "آيزو بوكس"، وهي وحدات سكنية معدنية مكيّفة. ويتم بشكل دائم بناء المزيد من وحدات (RHU) لأنها أكثر ملاءمة، ويتطوع المهاجرون للمساعدة في عملية البناء التي تستغرق من يومين إلى ثلاثة أيام للوحدة الواحدة.

وبحسب شهادات المهاجرين والعاملين في المخيم، الظروف جيدة ومستقرة بين المهاجرين، ولا وجود للعنف والمشاجرات التي كانت تتواجد في مخيم موريا سابقاً، كما أن سكان الجزيرة باتوا أكثر تقبلاً للمهاجرين الذي يتوجهون بشكل شبه يومي إلى مدينة ميتيليني، عاصمة الجزيرة التي تبعد 20 دقيقة مشياً.

للمزيد >>>> من السجن لـ142 عاما إلى معانقة الحرية.. محكمة يونانية تخفف حكم مهاجر صومالي

"عندما عثر علينا طواقم أطباء بلا حدود، شعرنا أننا بأمان"

تلعب منظمة أطباء بلا حدود دوراً أساسياً في وصول المهاجرين بسلام إلى المخيم، وقيامهم بطلب الحماية.

بمجرد نزول المهاجرين إلى البر في جزيرة ليسبوس، ينقسمون إلى مجموعات وينتشرون بين الغابات والأحراش، ويتواصلون مع مفوضية اللاجئين ومنظمتي هاتف الإنقاذ و"مكتب ليسبوس القانوني"، التي تقوم بدورها بإرسال رسالة إلكترونية رسمية إلى السلطات ومنظمات أخرى من ضمنها أطباء بلا حدود، تتضمن عدد المهاجرين وموقعهم وإذا ما كان هناك حالة طوارئ صحية.

يشرح تيو دي بيازا، المنسق الميداني لأطباء بلا حدود في ليسبوس، "نرد على هذه الرسالة بأن طواقمنا تتحرك للعثور على المهاجرين. نتوجه إلى الموقع الذي يحدده المهاجرون، ونحمل أعلاماً ونصرخ بأننا منظمة إنسانية حتى يثق المهاجرون بنا". وأكد المهاجرون الذي التقى بهم فريق مهاجر نيوز في "مافروفوني" أن عثور المنظمة عليهم طمأنهم بأنهم لن تعرضوا لعمليات الإعادة القسرية إلى البحر، والتي يتم فيها وضع المهاجرين في قوارب مطاطية دائرية وسط الماء، حتى يأتي خفر السواحل التركي ويعيدهم إلى تركيا. 

بعد أن تلتقى فرق المنظمة بالمهاجرين، تجري لهم فحصاً طبياً، وتقدم لهم طعاماً وملابس وأحذية. ويأتي هذا ضمن خطة "طوارئ الخدمات الطبية" (EMA)، التي أطلقتها المنظمة في حزيران/يونيو الماضي، والتي ساعدت أكثر من 2200 مهاجراً حتى الآن.

يتابع دي بيازا "ما أن ننتهي من تقديم الدعم الأولي، تستلم السلطات المهاجرين وتنقلهم إلى المخيم"، مشيراً إلى أن فرق المنظمة تصادف مهاجرين مصابين بأمراض مزمنة وكسور، بالإضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي والإعاقات. كما يوجد من بينهم رضع ونساء حوامل وكبار السن.

ووفقاً للمنسق الذي طبق هذه الخطة في جزيرة ساموس، قبل أن ينتقل لتطبيقها في ليسبوس، فإن فرق المنظمة تعاني من الإرهاق لأنهم الوحيدون الذين يقومون بهذا النوع من الخدمات، منوهاً إلى أنهم يحاولون زيادة عدد أعضائهم الذي يتراوح بين 60 و70 شخصاً حالياً.

بالإضافة إلى خطة "EMA"، تتواجد عيادة أطباء بلا حدود خارج "مافروفوني"، وتقدم رعاية صحية للمهاجرين فيما يتعلق بالأمراض المزمنة والحالات النفسية المعقدة، بالإضافة إلى الصحية الجنسية والإنجابية.

للمزيد >>>> اليونان: منع نحو 260 ألف مهاجر من عبور الحدود خلال 2022 ومساع لاستكمال بناء الجدار الحدودي

سياسة صارمة للسيطرة على الهجرة

وبحسب المنظمات غير الحكومية التي التقى فريق مهاجر نيوز بها في الجزيرة، تضيق السلطات اليونانية منذ عدة سنوات الخناق على العاملين في المجال الإنساني وتفرض القوانين التي تقيد من تواجدهم وتحدد الخدمات التي يقدمونها. وتعليقاً على ذلك، قال دي بيازا "نتبع في أطباء بلا حدود الإجراءات القانونية التي تفرضها السلطات ونلتزم بمعاييرنا الخاصة. نحن هنا لنحمي الناس من الخطر بشكل أساسي".

هذه السياسات أدت أيضاً إلى تقليل عدد المهاجرين في الجزيرة والسيطرة على الوضع فيها. ففي عام 2022، وصل 2740 مهاجرا فقط إلى ليسبوس، وفقا للأرقام الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مقارنة بـ27 ألفاً في عام 2019.

سيارة شرطة يونانية في مخيم "مافروفوني" في ليسبوس. المصدر: مهاجرنيوز
سيارة شرطة يونانية في مخيم "مافروفوني" في ليسبوس. المصدر: مهاجرنيوز


من جانبه، قال ثيودوروس أليكسيليس، مسؤول العلاقات الخارجية لمفوضية اللاجئين في ليسبوس، إنه "من بين كانون الثاني/يناير 2020 وحزيران/يونيو 2022، جمعت المفوضية أدلة جادة من مصادر مختلفة (السكان المحليون والمهاجرون والمنظمات) بشأن 690 حالة من عمليات الإعادة غير القانونية على الحدود البرية والبحرية في اليونان، أي ما يقرب من أربع حالات أسبوعيا في المتوسط. في الأشهر الستة الأولى من عام 2022، بلغ إجمالي عدد حالات الصد التي تم الإبلاغ عنها 152 حالة، منها 103 على الأرض". وأكد أليكسيليس أن بعض هذه "الحوادث قد تم إبلاغها إلى السلطات، وطالبنا بفتح تحقيقات رسمية بهذا الصدد، ونتطلع إلى سماع نتائجها".

 

للمزيد