الصورة لموفد مهاجر نيوز إلى اليونان شريف بيبي
الصورة لموفد مهاجر نيوز إلى اليونان شريف بيبي

في مخيم تيلوس، علي ومحسن وعبد الرحمن، ثلاثة رجال من ثلاثة مناطق مختلفة في سوريا. عانوا جميعهم من ظروف الهجرة القاسية، واضطروا لأن يهربوا بعيدا عن وطنهم لتأمين مستقبل أطفالهم والبحث عن الأمن والسلام. من هم هؤلاء الرجال وكيف يقضون أوقاتهم على هذه الجزيرة الصغيرة؟

محسن وعبد الرحمن وعلي، ثلاثة رجال لاجئين في مخيم تيلوس مع عائلاتهم، كانوا يجلسون عند طاولة الاستقبال التي تتوسط ساحة المخيم الرئيسية. كان الرجال الثلاثة يتبادلون أطراف الأحاديث العامة حول المخيم والأوضاع الحياتية وربما ما تخبئه لهم الأيام القادمة.

ذكريات رودوس الصعبة

محسن يبلغ من العمر نحو 45 عاما، وصل إلى تيلوس قبل حوالى 8 أشهر. قبل ذلك أقام محسن مع عائلته المكونة من 5 أطفال وزوجته في مخيم رودوس. حول تلك التجربة يقول محسن "إجمالا نشعر بالامتنان لليونانيين على حسن استقبالنا ورعايتنا منذ البداية، إلا أن مراكز الاستقبال الأولية تختلف من مكان لآخر. في رودوس كنا نقيم في أحد المسالخ القديمة، ساحة كبيرة مفتوحة، لا خصوصية للأفراد والعائلات. بداية كانت الأوضاع جيدة مع وجود الجمعيات الإغاثية والإنسانية، كنا نتحمل الأوضاع العامة مقابل المعاملة الحسنة والاستجابة لمتطلباتنا".

حديث محسن لم يكن غريبا عن علي وعبد الرحمن، فعلي (65 عاما) مكث في مخيم رودوس نحو الشهر أيضا، "كنت أقيم هناك مع زوجتي وابنتي، لم يكن الوضع مريحا، كنا نضطر لرفع الأغطية القطنية كسواتر للحصول على بعض الخصوصية".

تيلوس الوجه المضيء للمخيمات

أما عبد الرحمن الذي جاء إلى تيلوس قبل نحو ستة أشهر، كان مكث قبل ذلك في مخيم ليروس 4 أشهر. يقول عبد الرحمن "الأوضاع في ليروس كانت جيدة جدا، إلا أن مخيم تيلوس أفضل بكثير لناحية الخدمات وأوضاعنا العامة".

لا ينكر الرجال الثلاثة مدى الارتياح الذي يعيشون فيه في تيلوس بالمقارنة مع ما يمر به أقرباء أو أصدقاء لهم في مراكز استقبال أخرى في اليونان.

لا يهتم عبد الرحمن بالمكان الذي سيذهب إليه لاحقا طالما أنه سيكون ضامنا لمستقبل أولاده، "لم يعد لدينا ما نخسره، المهم بالنسبة إلي مستقبل أولادي، أريد أن أضمن لهم مستقبلا جيدا. الحياة هنا جيدة ولكن لا أعتقد أنه سيكون لنا مستقبل هنا، فالأوضاع الاقتصادية في اليونان تجعل منا عبئا إضافيا على البلد، لا أشعر بأنا سنتمكن من الاستمرار هنا".

محسن يوافق عبد الرحمن ويضيف "المشكلة بالاستمرارية، ما هي المجالات المتاحة أمامنا؟ بعد ثلاثة أشهر نحن ملزمون بمغادرة هذا المكان، ولكن إلى أين؟ اللاجئون لا يملكون كلمة في هذا الموضوع؟".

سؤال المستقبل وفرحة العيد الغائبة

تطرح هذه الإشكالية التي تبناها الرجال الثلاثة سؤالا حول مستقبل مراكز الاستقبال المؤقتة، بعيدا عن تجربة تيلوس ومحاولات البلدية هناك العمل على إبقاء هذا المشروع مستمرا حتى ولو توقف تمويل المنظمات الدولية والأممية.

صادفت زيارتنا للمخيم حينها مع اليوم الأول من عيد الأضحى، وهو مناسبة مهمة عند المسلمين إذ أنها مقرونة بموسم الحج والوقوف على جبل عرفة. أثناء التجوال في المخيم تكاد تكون معالم العيد مفقودة تماما إلا لدى بعض الأطفال الذين يلبسون ثيابا جديدة ويلهون أمام الحاويات التي يقيمون فيها، كأي يوم آخر.

خلال الحديث، جاءت ابنة عبد الرحمن وهمست في أذنه، تبسم وذهب معها، كانت الفتاة تلبس ثيابا جديدة وتحمل حقيبة نسائية مفصلة للأطفال. مشهد بعض الأطفال بكسوة العيد الجديدة هو المظهر الوحيد الذي يذكر بهذه المناسبة.

كان لا بد من السؤال عن العيد وشعورهم بقدومه وهم في مركز استقبال على جزيرة يونانية بعيدة عن بلادهم. يقول علي "منذ اندلاع الأحداث في سوريا لم أعد أمارس أيا من عادات العيد. العيد دون الأهل والأصحاب والأبناء ليس عيدا".

محسن يوافق ويضيف "على سبيل المثال، أنا وعائلتي 7 أشخاص، نقيم في حاوية لا يتعدى حجمها 20 مترا، بعيد عن أهلي جميعا، حتى أولادي خاصة الصغار لا يعرفون معنى العيد، فمنذ 2012 ونحن ننتقل سواء داخل سوريا أو خارجها، هربا من الحرب والقتل. بالتالي أين هو العيد وكيف سنتمكن من الاحتفال به في هذه الظروف؟".

يقضي محسن وعلي معظم أيامهما داخل ذلك المخيم الصغير، إذ حاول الرجلان البحث عن عمل يناسب عمريهما لكنهما لم يجدا.

المطبخ مجال للتبادل الثقافي

عبد الرحمن كان طباخا في أحد المطاعم الدمشقية الشهيرة. بعد أن وصل إلى تيلوس، تمكن من خلال بعض المعارف من إيجاد فرصة عمل كطباخ في أحد المطاعم اليونانية في أثينا. "أعمل في ذلك المطعم منذ حوالي الثلاثة أشهر، وشاركت في مهرجان طعام اللاجئين الذي أقيم مؤخرا، كانت تجربة جميلة، أن تتواصل مع أناس آخرين لا يتكلمون العربية ولديهم ثقافة مختلفة عن ثقافتك، من خلال الطعام، إنه أمر ساحر".

يقضي عبد الرحمن أربعة أيام في أثينا يعمل في المطعم هناك، ويعود إلى الجزيرة كل يوم جمعة ليقضي عطلة نهاية الأسبوع مع عائلته.

ويضيف عبد الرحمن "لم نكن نولي الطعام في سوريا أي انتباه، ففي النهاية الجميع هناك يعرف المطبخ السوري، إلا أنني هنا اكتشفت كيف يمكنني من خلال الفلافل أو الكباب أن أنقل قصتي وقصة أبناء شعبي اللاجئين في بقاع الأرض إلى شعوب لا تعرف عنا شيئا، تجربة رائعة".

حنين العودة

 يصر الرجال الثلاثة على موضوع عودتهم إلى سوريا، مع عائلاتهم، بعد أن تهدأ الحرب ويعم السلام. ويعلق علي "في الوقت الحالي، لا نبالي بشيء سوى مستقبل أولادنا، مهما حصل معنا لن نعود بهم إلى سوريا، لا أريد أن أخسرهم في جولات القتال العنيفة هناك".

بالنسبة إلى محسن، العودة محتمة، "سنعود، مهما طال الزمن، لا يمكنك أن تتخيل مدى اشتياقي لأرضي وأهلي وحياتي السابقة، أصعب ما قد يمر به إنسان على وجه الأرض هو أن يخسر وطنه. نحن متمسكين بوطننا وسنعود مع نهاية الحرب لنعيد بناءه".


 

للمزيد