إحدى اللافتات في بلدة بسكنتا شمال لبنان. المصدر: أحد المواطنين داخل البلدة
إحدى اللافتات في بلدة بسكنتا شمال لبنان. المصدر: أحد المواطنين داخل البلدة

تداولت الكثير من وسائل الإعلام والمنظمات الدولية خبر قرارات بعض البلديات اللبنانية حظر تجول اللاجئين السوريين على أراضيها. وأثارت تلك القرارات عاصفة من الجدل، حيث هناك من اعتبرها مبررة ومطلوبة للحفاظ على الأمن وضبط وجود اللاجئين في محيط تلك البلديات، فيما اعتبرها آخرون مخالفة للقانون وغير دستورية وتمس بالحقوق الأساسية للاجئين السوريين المقيمين في لبنان. فما هي خلفية تلك القرارات وماذا يقول الخبراء القانونيون فيها؟

عمدت الكثير من البلديات اللبنانية إلى اتخاذ تدابير، وصفتها بالاحترازية، تجاه اللاجئين السوريين بذريعة حفظ الأمن. وقد أثارت تلك الإجراءات عاصفة من الجدل في البلاد، إذ عمد الكثير من الناشطين الاجتماعيين والخبراء القانونيين إلى رفع الشرعية عن تلك الإجراءات لأنه تم اتخاذها من دون أن تستند إلى معطيات قضائية، عدا عن أنها تعارض الدستور اللبناني ومبادئ حقوق الإنسان.

حظر تجول "الأجانب"

عقب سلسلة من الحوادث الأمنية والجنائية التي شهدتها بعض المناطق اللبنانية مثل عرسال والقاع البقاعيتين، عمدت بلديات تلك المناطق والبلديات المجاورة لها إلى فرض حظر التجول على اللاجئين السوريين لساعات محددة، تبدأ من أول الليل وحتى ساعات الفجر الأولى، إضافة إلى تحديد الأعداد المسموح لها بالسكن في شقة واحدة، وتحديد المهن المسموح للسوريين أن يعملوا بها... إجراءات أرادت تلك البلديات أن تفرض من خلالها الأمن في مناطقها.

يعتبر إجراء حظر التجول في الكثير من بلدان العالم من صلاحيات الحكومات المركزية التي قد تتخذه في حالات الطوارئ، وتناط صلاحية تطبيقه إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية في البلدان المعنية. أما في لبنان، فقد أصدرت بعض البلديات قرارات حظر تجول، حصرتها بفئات محددة وصفتها "بالأجانب"، في إشارة مباشرة إلى اللاجئين السوريين.


دعوات "لطرد" السوريين

في بلدة مزيارة شمال لبنان، ألقت القوى الأمنية القبض على أحد السوريين المقيمين هناك بتهمة قتل إحدى الفتيات من البلدة. أحدثت تلك الجريمة صدمة لدى اللبنانيين والسوريين على السواء، إلا أن السكان المحليين قالوا إن عليهم حماية أنفسهم ولا يمكنهم بعد الآن المخاطرة بالعيش إلى جوار السوريين. فأصدرت البلدية منشورا حثت فيه مالكي المنازل على طرد السوريين وإلغاء كفالتهم. وقال رئيس البلدية، مارون دينا، حينها "نحن مع إخلاء السوريين بالطرق القانونية، ومع إخلاء كل مخالف وكل شخص لا علاقة له بهذه البلدة".

والأسبوع الماضي، وتعقيبا على جريمة مزيارة، أصدرت بلدية بشري شمال لبنان بيانا قالت فيه إنه يتعين على السوريين عدم التجمع في الساحات العامة وعدم الخروج بعد الساعة السادسة مساء بالإضافة إلى منعهم من استئجار العقارات في المنطقة اعتبارا من 15 تشرين الثاني/نوفمبر.

"السوريين أخوة لنا"

في المقابل، لم تعمد الكثير من البلديات إلى اتخاذ إجراءات مماثلة. أنطوان شختورة، رئيس بلدية الدكوانة (شمال العاصمة بيروت)، قال لمهاجر نيوز "ليس لدينا فرض حظر تجول أو إجراءات مضادة للاجئين السوريين أو غيرهم لدينا، الأمور في البلدية تسير على ما يرام والتنسيق قائم بيننا وبين الأجهزة الأمنية لمتابعة أي خلل قد يصدر عن أي من المقيمين في إطار صلاحياتنا البلدية"

وشدد شختورة على أن السوريين "أخوة لنا وليس هناك أي مشاعر عداء تجاههم".

وبعد مرور أكثر من ست سنوات على بدء الحرب السورية، يعيش 1.5 مليون سوري في لبنان يشكلون نحو ربع سكان البلاد.

"فرض البلديات لحظر التجول يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"

غيدا فرنجية، المحامية لدى "المفكرة القانونية"، قالت لمهاجر نيوز إن "قانون البلديات لا ينص صراحة في أي من بنوده على حق المجلس البلدي أو رئيسه بفرض حظر تجول، حيث أن مهام الجهات المذكورة منوطة بالمحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة شرط أن لا يتعارض مع الصلاحيات التي تمنحها القوانين والانظمة لدوائر الأمن في الدولة". 

وأضافت فرنجية "القوانين اللبنانية أناطت بالسلطة العسكرية فقط صلاحية فرض حظر تجول الأشخاص والسيارات بموجب قرار وبشروط حددها قانون الطوارئ"، وبالتالي يتضح أن فرض البلديات لحظر التجول يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية " من خلال وضعه قيودا على حرية التنقل من قبل سلطة غير صالحة قانونا لفرضها وبشكل مخالف لمبدأ منع التمييز بين المواطنين وغير المواطنين في الحقوق والحريات الأساسية".

ومع أن قرارات منع تجوال اللاجئين السوريين ليست بالأمر الجديد، فهي تعود للعام 2014 عندما بدأت بعض مجالس المدن والقرى اللبنانية بإصدار قرارات حظر تجوال ليلي على المواطنين السوريين لديها، وذلك على إثر توترات أمنية حصلت في البلاد، لكن الأشهر القليلة الماضية شهدت تصاعدا ملحوظا في الإجراءات المماثلة والتي تستهدف بالإجمال اللاجئين السوريين

للمزيد: برامج الأمم المتحدة الإغاثية في لبنان تساهم بتنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد 

"وضع جميع السوريين في دائرة الاتهام"

علي مراد، الخبير القانوني والأستاذ الجامعي، قال لمهاجر نيوز إن "البلديات في لبنان لها صلاحية اتخاذ تدابير إدارية لحماية النظام العام، هذا هو الباب الذي تستخدمه لدعم قرارات حظر التجول المتخذة ضد اللاجئين السوريين. إلا أن تلك القرارات، تحديدا حظر التجول، تعتبر انتهاكا مباشرا للحريات العامة والدستور اللبناني".

وأردف مراد قائلا "قرارات مماثلة تساعد على وضع جميع السوريين في دائرة الاتهام وبالتالي هناك خطر تزايد حدة العلاقة بين السوريين واللبنانيين وتطرح إشكالية احترام الحقوق الأساسية، فضلا عن أنها تعتبر خرقا لمبدأ المساواة وتقيد حرية تنقل فئة معينة في لبنان... مسؤولية السلطة السياسية في لبنان لجم مثل تلك الممارسات التي تغذي الخطابات الشعبوية والفئوية في الشارع. إلا أن الواقع هو أن السلطة والقوى السياسية مستفيدة إلى حد ما من هذا الوضع".

انتهاكات جماعية

وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد حذر في تقرير أصدره مؤخرا من ردات الفعل التي يمكن أن تحدث من قبل اللاجئين أنفسهم تجاه المجتمع اللبناني وتجاه المحيط الذي يعيشون فيه، خصوصا وأن لبنان يعاني من الفوضى وانتشار السلاح، ويساعد في ذلك ارتفاع نسبة الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق بين اللاجئين السوريين.

كما وثق «الراصد السوري لحقوق الإنسان في لبنان» انتهاكات جسدية ومعنوية بحق التلامذة السوريين وبحق أهاليهم، وبمضاعفة فواتير الكهرباء عليهم، وبعدم تقديم خدمات طبية للمرضى من بينهم حتى عندما يحصلون على موافقة المفوضية، فضلا عن عشرات التصريحات السياسية التي تنم عن نبرة عنصرية، ناهيك عن الحديث اللبناني الدائم عن الولادات السورية التي فاقت 100 ألف في خمسة أعوام والقول إنهم بعد عشر سنوات سيصبحون أكثر من اللبنانيين.

ومع استعادة الحكومة السورية السيطرة على مزيد من الأراضي تزايدت الدعوات في لبنان لإعادة السوريين إلى بلادهم، لكن رئيس الوزراء اللبناني قال إنه لا يمكن فرض عودة جبرية.

 

للمزيد