لافتات انتخابية لكل من حزب الشعب النمساوي اليميني وحزب الحرية النمساوي اليميني الشعبوي
لافتات انتخابية لكل من حزب الشعب النمساوي اليميني وحزب الحرية النمساوي اليميني الشعبوي

تثير نتائج الانتخابات التشريعية في النمسا مخاوف اللاجئين هناك، خاصة وأن احتمال عودة اليمين للحكم في تحالف مع اليمين القومي الشعبوي يلوح في الأفق.

فاز حزب الشعب النمساوي المحافظ، الذي يتزعمه وزير الخارجية سيباستيان كورتس (31 عاماً) بالانتخابات التشريعية في النمسا، ومن المتوقع أن يقوم بتشكيل الحكومة بالتحالف مع حزب الحرية اليميني المتطرف الذي زادت نسبة أصواته مقارنة بالانتخابات الماضية والذي استخدم ورقتي الإسلام والهجرة كفزاعة في حملاته الانتخابية، وهذا ما يثير مخاوف اللاجئين الذين يعيشون في النمسا، خاصة وأن وزير الخارجية الشاب تعهد بانتهاج سياسات متشددة بشأن اللاجئين ومنع تكرار أزمة اللاجئين في أوروبا.

وأبدى الكثير من الناخبين في النمسا شعورهم بأن البلاد تعرضت لاجتياح عندما فتحت حدودها في 2015 أمام موجة من مئات الآلاف من الفارين من الحرب والفقر في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. وفي المقابل يبدي اللاجئون الذين يعيشون في النمسا قلقهم من صعود موجة اليمين في البلاد.

اللاجئون متخوفون
تقول الخبيرة النفسية  د.تماضر عمر التي تعمل في مجال تقديم الدعم النفسي للاجئين إن أكثر من عشرة لاجئين اتصلوا بها بعد إعلان نتائج الانتخابات ليبدوا تخوفهم من تأثير نتائجها عليهم، وأضافت لمهاجر نيوز: "بعض النساء تبدين تخوفهن من إمكانية حظر ارتداء الحجاب في الدوائر الحكومية أو بعض الشركات".
الخبيرة النفسية  د.تماضر عمر التي تعمل في مجال تقديم الدعم النفسي للاجئين

وتضيف الطبيبة التي قدمت إلى النمسا كلاجئة قبل عامين إن صعود اليمين قد يؤدي إلى بعض المشاكل الاجتماعية، وتتابع :"لكن نصيحتي لجميع اللاجئين هي أن يقوموا بواجبهم في تحسين اللغة والدخول إلى سوق العمل، وأن يتقبلوا ما يتم اتخاذه من قرارات، لأنها لن تؤثر عليهم كثيراً إن فكروا بشكل إيجابي".

من جانبه يقول الإعلامي الفلسطيني أحمد مراد والذي قدم لاجئاً إلى النمسا قبل خمس سنوات لمهاجر نيوز إن ملف اللاجئين في النمسا أصبح ملفاً لـ"التجارة السياسية"، ويتابع "بعد صعود اليمين سيتم الضغط على اللاجئين بشكل أكبر، خاصة وأن معظم مؤيدي اليمين هم من كارهي اللاجئين".

"مخاوف النمساويين مُبالغة"
وقد تشددت مواقف الناخبين من المهاجرين بسبب المخاوف الأمنية والاقتصادية، بعد أن قبلت النمسا أكثر من واحد في المئة من سكانها من طالبي اللجوء في عام 2015، وقام حزب الحرية اليميني المتطرف باستغلال هذه المخاوف حتى كاد مرشحه أن يفوز في انتخابات الرئاسة العام الماضي.

 إلا أن مراد، الذي يدير مشروعاً إعلامياً تطوعياً في النمسا باسم "كن معي مراسل"، يقول إن تخوف النمساويين مبالغ فيه، ويضيف: "المشكلة الأساسية هي التعميم، إذ لا يمكن تقييم العدد الكبير من اللاجئين بناء على التصرفات الفردية من بعضهم."
الإعلامي الفلسطيني أحمد مراد يدير مشروعاً إعلامياً تطوعياً في النمسا باسم

 اللاجئ السوري مظلوم شيخي والذي يعيش في فيينا منذ ثلاث سنوات قال لمهاجر نيوز أنه وبالرغم من أن لديه بعض التخوف من صعود اليمين الذي قد يقوم بتشديد الإجراءات بالنسبة للاجئين، إلا أنه لا يرى أي داعٍ للقلق الزائد، وتابع: "الأحزاب الأخرى، وخاصة الحزب الاشتراكي، والذي من المتوقع أن يقود المعارضة، بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني لن تترك المجال لليمين أن يؤثر على ديمقراطية النمسا".

"إنذار للاجئين"

وبعيد إعلان النتائج قال كورتس أمام جماهير حزبه: "سأحارب من أجل التغيير في هذه البلاد بكل ما أوتيت من قوة"، كما قال قبل ذلك بيومين لصحيفة أوسترايخ: "يجب أن نوقف الهجرة غير الشرعية للنمسا وإلا لن يكون هناك نظام أو أمن بعد الآن".

يقول مظلوم شيخي، الناشط في مجال المجتمع المدني، أنه على اللاجئين ألا يتركوا أي حجج لليمين الشعبوي لاستخدامهم ورقة في انتخابات قادمة، وذلك عن طريق بذل جهود أكبر للاندماج في المجتمع، وأضاف: "صعود اليمين هو بمثابة إنذار للاجئين كي يعتمدوا على أنفسهم، ويندمجوا بشكل أفضل".
اللاجئ الكردي السوري مظلوم شيخي مع زعيم الحزب الاشتراكي النمساوي كرستيان كيرن

لكن الإعلامي أحمد مراد المقيم في فيينا يؤكد أن العديد من اللاجئين يبذلون جهوداً كافية للاندماج في المجتمع، ويؤكد على ضرورة إعطائهم الوقت الكافي للاندماج في المجتمع، خاصة وأن غالبهم ذوو ثقافة شرقية.

وكان كورتس قد طالب في حملته الانتخابية بخفض المساعدات الاجتماعية للأجانب، إلى حد دفع اليمين المتطرف الى اتهامه بـ"سرقة" برنامجه، كما قررت ثلاث ولايات من ولايات النمسا التسع خفض المساعدات المقدمة للوافدين الجدد حتى بعد حصولهم على اللجوء، إلى حوالي 570 يورو في الشهر أي أقل من نصف الحد الأدنى للفقر في النمسا والبالغ 1200 يورو. 

"احترام مخاوف الناس"

يقول شيخي الذي يعمل مربياً للأطفال في إحدى مدارس فيينا أنه يتفهم سبب تخفيض هذه المساعدات ويحترم مخاوف النمساويين من اللاجئين، ويتابع: "بعض اللاجئين يعيشون سنوات طويلة هنا دون ان يفكروا بالعمل، لدرجة أنهم أصبحوا عالة على المجتمع، فهم لا يحترمون العادات والتقاليد المتبعة هنا، رغم أنهم يحصلون على جميع ما يحتاجون إليه".

وكانت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين قد نددت “بالنقاش الدائر حول كراهية الأجانب” في الدوائر السياسية في النمسا ووصفت خفض المساعدات بأنه مخالف للقانون الدولي والقانون الأوروبي غير أنه لم يتم رفع أي دعاوى على المستوى الدولي.

ولا تقتصر المخاوف من صعود اليمين في النمسا على قلق اللاجئين والقلق الداخلي، بل يرى الخبراء أن أصداء فوز كورتس ستتجاوز حدود النمسا، إذ قال راينهارد هاينيش، أستاذ العلوم السياسية في زالسبورغ، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، إن هذا الفوز سيجعل اليمين الشعبوي في ألمانيا، يشعر بالمزيد من القوة والتأكيد على مواقفه تجاه قضية اللاجئين، بالرغم من أن الطرف المنتقد لسياسة اللجوء والهجرة في النمسا استعمل نبرة "أكثر اعتدالاً" من حزب البديل من أجل ألمانيا، بحسب الخبير.

كما هناك بعض المخاوف من تكرار تجربة العام 2000، عندما أدى دخول حزب حرية النمسا الى حكومة المستشار المحافظ فولفغانغ شوسل إلى زلزال سياسي في أوروبا وفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي.

محي الدين حسين

 

للمزيد