قارب للمهاجرين/ رويترز/ أرشيف
قارب للمهاجرين/ رويترز/ أرشيف

ارتفع عدد المهاجرين التونسيين إلى إيطاليا على متن قوارب الموت في المدة الأخيرة. وأعربت روما عن مخاوفها من تسلل أشخاص متورطين في عمليات إجرامية أو إرهابية ضمن هؤلاء المهاجرين إلى أراضيها. وتوجد تونس في وضع اقتصادي صعب اختار معه الكثير من الشباب الهروب من أنياب البطالة ومواجهة أخطار البحر.

على غرار الدول المغاربية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط، شكلت تونس أحد مراكز انطلاق المهاجرين نحو أوروبا بنسب متفاوتة، وفقا لمجموعة من العوامل، يأتي على رأسها المراقبة المفروضة على السواحل والوضع العام في البلاد. وبلغت الهجرة انطلاقا من هذا البلد ذروتها في 2011 بسبب فراغ أمني عاشته تونس إثر الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بنعلي.

وسجل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ارتفاعا ملموسا في أعداد المهاجرين التونسيين الذين وصلوا إلى إيطاليا في الآونة الأخيرة. وبلغ عددهم 2700 منذ بداية العام، 1400 منهم هاجروا في سبتمر/ أيلول، من مجموع خمسة آلاف مهاجر تونسي حاولوا عبور المتوسط على متن قوارب الموت، فيما أوقفت السلطات أكثر من ألف منهم.

وأنقذت البحرية التونسية قبل أسابيع 78 مهاجرا تونسيا كانوا في طريقهم إلى الضفة الأخرى. وتتراوح أعمار المهاجرين عموما بين 20 و30 عاما. ويختار هؤلاء خاصة جزر قرقنة التي تبعد عن سواحل صفاقس بأكثر من 32 كلم كنقطة انطلاق نحو الضفة الأوروبية بمساعدة مهربين، الذين يستخدمون عادة قوارب صيد.

قلق إيطالي

وأبدت روما قلقلها من تزايد عدد المهاجرين القادمين من السواحل التونسية في وقت سابق، معربة عن تخوفها من وجود مجرمين وإرهابيين ضمنهم، إذ يحطون الرحال بجزرها على متن "قوارب أشباح"، وفق لقب أطلق على هذ القوارب من قبل الإعلام الإيطالي، لوصولها إلى اليابسة في جنح الظلام فيما يتسلل ركابها إلى الأراضي الإيطالية.

وإن كان المحلل السياسي التونسي نور الدين مباركي يتفهم إلى حد ما هذه التخوفات، لكنه يشير في الوقت نفسه أن هذا النوع من التخوفات نابعة من "محاولة إسقاط الحالة الليبية على تونس، فيما يوجد في تونس جيش وخفر سواحل، وليس كما يحصل في صبراتة حيث تنتشر الميليشيات والمتشددين".

ويلفت مباركي إلى أن السلطات التونسية ألقت القبض على مطلوبين كانوا يحاولون الفرار من تونس عن طريق الهجرة غير الشرعية، لكن عددهم محدود جدا، "ويعدون على رؤوس الأصابع، لأن المسألة لا يمكن اعتبارها ظاهرة".

الملف الاجتماعي..."الحلقة الأضعف" في ديمقراطية تونس الحديثة

وتزايد تدفق المهاجرين التونسيين في الشهور الأخيرة نحو أوروبا، يرجعه مباركي، إلى العطالة المنتشرة وسط الشباب، واصطدامه بآفاق اجتماعية مسدودة. وينظر للملف الاجتماعي والاقتصادي كأكبر إخفاق للحكومات المتعاقبة منذ ما عرف بثورة الياسمين في 2011، وهو "الحلقة الأضعف" في الإصلاحات التي شهدتها البلاد، "وكان له انعكاسات اجتماعية" بتصاعد عدد العاطلين عن العمل.

"هناك أزمة اقتصادية حقيقية" في تونس اليوم، يؤكد مباركي، تلمس أكثر في قرارات الدولة الأخيرة، حيث أعلنت الحكومة عن رفع الضرائب والرسوم الجمركية على المواد المستوردة بينها المنتجات الزراعية من أجل خفض عجز الميزانية إلى 4.9 بالمئة، كما تسعى لتجميد التوظيف في القطاع العام بنفس الهدف.

ورغم انتعاش الديمقراطية في البلاد الذي حملته ثورة 2011، إلا أن الملف الاقتصادي والاجتماعي يظل أكبر عائق في هذه الديمقراطية الحديثة. وأظهرت إحدى الدراسات التي نشرتها وسائل إعلام أن 65 بالمئة من التونسيين يعطون الأولوية للاقتصاد على الديمقراطية.

وإخفاق الحكومات التونسية في تدبير هذا الملف منذ 2011 حتى الآن، يفسره مباركي بأن هذه الحكومات واصلت معالجته وفق "المنوال التنموي القديم"، وظلت النتائج دائما هي نفسها. وأكبر المتضررين من هذا الوضع هي مناطق محسوبة على "الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الشرقي، ظلت بأكملها على هامش برامج التنمية".

ويتحدر المهاجرون التونسيون الذين يختارون ركوب أمواج البحر هروبا من أنياب البطالة من هذه المناطق المذكورة. ويعتقد مباركي أن رد الاعتبار إليها تنمويا يمر عبر تغيير "المنوال التنموي" الذي تسير وفقه الحكومات المتعاقبة منذ ثورة الياسمين، بالاستثمار فيها صناعيا واستغلال مواردها الطبيعية مع اندماج رأسمال تونسي أيضا ممثلا في القطاع الخاص، في دينامية اقتصادية جديدة.

 

للمزيد