Narciso Contreras, courtesy by Fondation Carmignac
Narciso Contreras, courtesy by Fondation Carmignac

يحكي مهاجرون غير نظاميين لـDW عربية قصصاً مريرة في ليبيا بعد أن تحولوا هناك إلى عبيد بسبب عدم قدرتهم على دفع الفدية. تاجرت جماعات مسلحة بأحلامهم وذاقوا أصنافاً من العذاب لم يتخيلوا أنها لا تزال تحدث لبني البشر.

عُرفت ليبيا منذ سنوات كإحدى أشهر وجهات الهجرة السرية على الطريق إلى أوروبا. هذا الأمر تعاظم مؤخراً مع الفوضى الأمنية الحاصلة بالبلاد. لكن ما بات يجري في ليبيا من انتهاكات لحقوق المهاجرين غير النظاميين، بشكل وثقته أكثر من منظمة دولية، جعل من هذا البلد "جحيماً" للآلاف من هؤلاء المهاجرين، الذين صاروا يباعون ويُشترون في أسواق النخاسة، تعبث بهم مليشيات مسلحة تستغل فقرهم ورغبتهم بالهجرة إلى إيطاليا، لتحولهم إلى "غنائم" في زمن الحرب الليبية.

من المغرب إلى غامبيا إلى مالي إلى السنغال - هذه قصص استمعت DW عربية مباشرة إلى أصحابها. واحد منهم لا يزال رهن الاعتقال وثلاثة آخرون نجحوا في الهروب. معطيات مؤلمة يحكون عنها، فرغم الاختلافات بينهم، يشتركون في حقيقة واحدة: "عوملنا أسوأ من الحيوانات في معتقلات ليبيا".

تحوّلت قسراً إلى عبد

لم يكن أرنو بوريس، وهو يخرج من بلاده الكاميرون، يرغب في الوصول إلى ليبيا، إذ كان يضع الجزائر هدفاً له لأجل الحصول على عمل يمكّنه من ضمان العيش لزوجته وابنتيه. لكنه فجأة وجد نفسه عبداً في ليبيا. القصة بدأت عندما خرج بوريس، البالغ من العمر 29 سنة، من بيته في ياوندي قبل أشهر، وهو يحمل في يده نسخة من شهادتي دبلوم في الصيانة الكهربائية والفندقة، إذ قرّر الرحيل عن بلاده بسبب البطالة التي دامت لسنوات.

يقول أرنو بوريس لـDW عربية إنه نسّق مع مهرّبين يملكون شبكة واسعة في الصحراء الكبرى. انتقل عبرها أولاً إلى نيجيريا، ثم النيجر، حيث كانت الرحلة شاقة لمساحة البلاد الشاسعة، وأخيراً وصل إلى تمنارست في جنوب الجزائر. لكن عوض أن يبقى هناك، تاجر به المهربون إلى ليبيا. هناك كانت التجربة فظيعة وفق ما يحكي:"أخذوا منا كلّ منا نملك حتى ملابسنا. ضربونا وشتمونا ووضعونا في منازل أشبه بالسجون. لم يطعمونا ما يسدّ حاجتنا، ثم اتصلوا بأسرنا يطلبون فدية حتى يطلقوا سراحنا".

ويتابع بوريس: "لم تستطع الأسرة إرسال ما يطلبون، لذلك جعلوني عبداً. لم يكن لدي اختيار إذ كانت حياتي مهددة. سعر المهاجرين يرتبط بقدراتهم الجسدية، فمن يظهر قوياً يكون ثمنه أكبر". قضى بوريس شهراً هناك، قبل أن يساعده ليبيون لم يكونوا راضين عن هذه المعاملة: "أحدهم أرسلنا بسيارته إلى مدينة قريبة، وبعد ذلك أخذت الحافلة إلى تمنارست، ثم إلى مالي"، حيث يعمل حالياً سائقاً بعدما ساعدته جمعية تعنى بالمهاجرين، دون أن يتخلى عن فكرته بالهجرة. لكنه حوّل الهدف إلى المغرب، بما أنه سمع عن تسوية أوضاع المهاجرين هناك.

لا أزال معتقلاً

في الجانب الآخر، يظهر رشيد (اسم مستعار) مقتنعاً أن الظروف في المغرب، بلاده، ليست جيدة. لذلك يحاول الآن الوصول إلى إيطاليا عبر بوابة ليبيا، لكن رحلته توقفت حالياً في مركز احتجاز المهاجرين بمدينة زوارة، شمال البلاد. استطاعت DW عربية الحديث معه داخل المركز، لكنه طلب عدم الكشف عن هويته، مخافة أن يتعرّض للأذى، كما جرى قبل أيام قليلة عندما نشر ورفاقه المغاربة في المركز مقطع فيديو يطالبون فيه الحكومة المغربية التدخل لإنقاذهم. الحكومة وعدت ولم تنفذ بعد، أما رشيد وستة من رفاقه، فقد عوقبوا بالضرب وقضاء ليلة في العراء، زيادة على أخذ هواتفهم، وفق ما صرّح به.

بعمر 34 عاماً، يرغب رشيد بالوصول إلى زوجته وابنتيه، اللواتي يتواجدن في إيطاليا. يقول إنه عمل هناك 12 عاماً، وعندما حاول تسوية وضعه القانوني، طلبت منه السلطات العودة إلى المغرب والتقدم بطلب لمّ الشمل. لكنه بقي أكثر من عام يحاول دون فائدة، مما دفعه، حسب قوله، إلى أن يُقدم على مخاطرة الهجرة السرية. فاتفق مع مهربين على الوصول إلى ليبيا، وسافر جواً إلى الجزائر، ثم انتقل إلى مدينة حاسي مسعود وبعدها عبر الحدود الليبية، قبل أن يجد نفسه محتجزاً في هذا المعتقل.

يروي رشيد تفاصيل ما جرى: "رغم المبالغ التي دفعناها والتي تصل إلى خمسة آلاف يورو، احتالت علينا مافيات داخل ليبيا، فوجدنا أنفسنا نباع بما بين 200 إلى 300 يورو. اشتراني مهرّب وأبقاني رفقة مغاربة آخرين في منزل بصبراتة تحرسه مليشيات، يبيعونك أيّ شيء بثمن باهظ وإذا احتججت عليهم يشبعونك ضرباً. رغم كل ما دفعنا، جاءنا المهرب ذات يوم وطلب أن نعطيه 300 يورو إضافي لكل واحد حتى يرسلنا إلى قوارب الهجرة، مبرراً طلبه الجديد وفق قوله بظروف الحرب، وكان له ما أراد، إذ أرسلت أسرنا في المغرب المال عبر سماسرة هجرة هناك، لكنه لم ينفذ ما وعد به".

قضى رشيد ثلاثة أشهر في هذا المنزل، قبل أن تقتحمه قوات مسلحة بعد نهاية المعارك بهزيمة (مليشيا الدباشي التي عُرفت بتجارة تهريب البشر). نُقل المهاجرون المحتجزون إلى مقر عسكري حيث التقت بهم منظمة تعمل في مجال الهجرة، وبعد ذلك نُقلوا إلى المحتجز حيث يوجدون حالياً منذ أسابيع، حسب تصريحات رشيد، الذي يقول إن بينهم أطفال مغاربة بعمر 14 سنة، وإنهم نفذوا إضرابات متتالية عن الطعام لأجل دفع السلطات المغربية إلى ترحيلهم، لكن لا شيء جرى.

عاملونا كالخراف

من السنغال إلى ليبيا ثم إلى السنغال من جديد. لا تزال الذكريات المريرة تلاحق بويا، البالغ من العمر 29 سنة، فقد قضى ثلاثة أشهر من الاعتقال في ليبيا مرّت عليه كأنها سنوات طوال، وفق تصريحاته التي استقتها المنظمة الدولية للهجرة وتنفرد DW عربية بنشرها أولاً. غادر هذا الشاب، المنحدر من منطقة كافرين وسط السنغال، بلاده عام 2013. استطاع الوصول إلى المغرب، حيث قضى هناك ثلاث سنوات، وبعد ذلك انتقل إلى الجزائر حيث عاش تسعة أشهر، ولأنه كان يرغب بالوصول إلى أوروبا، ظنّ أن ليبيا ستكون الوجهة الأسهل لركوب البحر، لكنه لم يجنِ من هناك غير الاحتجاز.

"من احتجزونا في ليبيا كانوا ينظرون إلينا كما لو أننا خراف. باعوني واشتروني مرات متعددة، وفي كل مرة كانوا يطلبون مني الفدية حتى يطلقوا سراحي. تجاوبت أسرتي مع مطالبهم أكثر من مرة وأرسلت لهم ما يريدون. لكن لم يؤدِ ذلك إلى حريتي، إذ طالما تنكّر السجانون لوعودهم"، يتذكر بويا ما جرى هناك، قبل أن يتمكن من الهرب والعودة إلى بلاده.

ويقول المهاجر السنغالي إنه كان يعمل بشكل قانوني في المغرب والجزائر وكان يرسل لأسرته الصغيرة المال بشكل دوري، لكن بعض أصدقائه ممّن تمكنوا من الوصول إلى أوروبا أقنعوه أن العيش هناك أفضل، ولذلك توجه إلى ليبيا. كان بويا يعمل في التجارة قبل هجرته، وتحديداً بمدينة كيدوغو جنوب غرب البلاد، والآن يفكر في العودة إلى تجارته من جديد بعدما تخلّى عن فكرة الهجرة: "أحمد الله أنني استطعت الهرب من ليبيا، وأنا الآن مرتاح في بلدي".

أكثر من عام في "الجحيم"

لا تختلف قصة لامين صواري، 35 سنة، من غامبيا، كثيراً عن قصص من سبقوه سوى في بعض التفاصيل، فقد أراد الوصول إلى إيطاليا انطلاقاُ من ليبيا، تاركاً خلفه زوجة وطفلاً، وحاملاً معه خبرة سنوات كعامل في أحد الفنادق. لكنه عاش عاماً وبضعة أشهر في ليبيا، كانت كـ"الجحيم" بالنسبة له، فبعد سنة قضاها يتنقل بين عدة مناطق دون عمل، نفد منه المال، فتلقفته أيادي عصابات تتاجر بالبشر، إذ اعتقلته رُفقة مهاجرين آخرين ووضعتهم في منازل محروسة بمدينة صبراتة، وطالبته بفدية تصل إلى 500 دينار ليبي (حوالي 310 يورو) حتى تحرّره.

لم تستطع أسرته في غامبيا توفير المال، كما رفض لامين أن يبيع والده ما يملك، لذلك بقي ينتظر مصيره المجهول: "الطعام كان سيئاً للغاية. كانوا يهينوننا ويضربوننا، وأحسسنا بأننا عبيد لهم، بل هددونا بالقتل إذا انقضت مهلة الفدية ولم يحصلوا عليها. في آخر ليلة من المهلة، بعد قضائنا أسبوعين عندهم، زارنا رجل منحنا طعاماً أفضل وطلب منها الهروب لأن مصيرنا سيكون مجهولاً، إذ كان من المتوقع أن يبيعوننا".

استطاع صواري ورفاقه الهرب. قضوا أياماً صعبة دون طعام أو شراب: "شربنا ماءاً تعافه حتى الحيوانات"، وفي النهاية ألقت عناصر أمنية القبض عليهم، حيث اعتقلوا لثلاثة أيام، وبعد ذلك جرى نقلهم إلى مخيمات للاجئين تديرها السلطات الليبية. وبتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، تم ترحيل صواري وفاقه إلى النيجر، وبعدها السنغال، قبل أن يعود صواري إلى بيته، حيث يقول إنه لا يزال دون عمل وإن وضعه المعيشي لم يتغير.

إسماعيل عزام

نص نشر على : Deutsche Welle

 

للمزيد