مهاجران ترعاهما جمعية السلام، في أحد بيوت مدينة بني وليد التي احتجز فيها مراقبنا وتعرض للتعذيب. صور نشرت على فيس بوك في آب/أغسطس 2017.
مهاجران ترعاهما جمعية السلام، في أحد بيوت مدينة بني وليد التي احتجز فيها مراقبنا وتعرض للتعذيب. صور نشرت على فيس بوك في آب/أغسطس 2017.

منذ قيام شبكة "سي إن إن" الأمريكية ببث فيديو يظهر سوقا للرقيق في ليبيا في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، اجتاحت موجة من السخط العالم في مواجهة عودة ظهور ممارسات مهينة تعود للعصور الوسطى. مراقبنا، وهو غيني عاد إلى كوناكري، يروي لنا ما شهده في عام 2016.

في الأيام التي تلت تقرير شبكة "سي إن إن"، تلقى محررو فرانس24 رسائل عديدة من أشخاص يدعون أنهم ضحايا لهذا الاتجار بالبشر. وقد تمكن مراقبنا الغيني من تقديم سرد مفصل ومتماسك وموثق مدعوم بشهادة الأشخاص الذين التقينا بهم على طول الطريق.

في هذا الجزء الأول، يروي مراقبنا الجحيم الذي عرفه في ليبيا. وفي الجزء الثاني من هذه الشهادة، سيروي تفاصيل لا تصدق عن رحلة عودته اليائسة.

وتقدر المنظمة الدولية للهجرة أن هناك ما بين سبعمئة ألف ومليون مهاجر في ليبيا. وتهريب المهاجرين هو ثاني أكثر نشاط مربح في البلاد، بعد تهريب النفط، ويمثل ما بين 5٪ و 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، وفقا للقناة الفرنسية فرانس2.

"صديقي تعرض للتعذيب صعقا بالكهرباء، وتوفي أمامي"

بعد الكثير من الصعوبات على الطريق من كوناكري إلى أغاديز، وصلت إلى بني وليد خلال شهر رمضان [في حزيران/يونيو 2016]. هناك، تعرضت للخطف وتم إلقائي في السجن، بعد أن باعني الخاطفون للسجانين.
 

Voir en plein écran


يمكنك متابعة طريق رحلة مراقبنا على هذه الخريطة التفاعلية. كل نقطة حمراء تمثل مرحلة من رحلة عثمان. بالنقر على نقطة، تظهر معلومات إضافية.

مراقبنا لم يحضر الصفقة التي تم بيعه بموجبها. ويعتقد أنه تم بيعه مع مجموعته بأكملها إلى من أصبحوا لاحقا سجانيه. أولئك الذين يشترون هؤلاء المهاجرين يفعلون ذلك بهدف الإفراج عنهم في وقت لاحق لأسرهم، وفي حال لم يتم ذلك يقومون بتعذيبهم:

في الطريق إلى السجن، حاول اثنان من أصدقائي الهرب. نجح الأول، وهو اليوم في ألمانيا. ولكن تم القبض على الثاني. ربطوه بعمود أمامي، وقاموا بتعذيبه بالصعق بالكهرباء والضرب [تم ذكر هذا النوع من التعذيب في العديد من الشهادات، وهو الأكثر شيوعا، ويقوم السجانون بربط الكابلات الكهربائية أو وضعها على جلد ضحاياهم وتمرير التيار فيها، ملاحظة من هيئة التحرير]. فمات معذبا أمامي. وظلت جثته بجانبنا لمدة ثلاثة أيام. ثم طلب منا الحراس وضعه على جانب الطريق.



 وفي بني وليد، تقوم جمعيتان ليبيتان على الأقل برعاية هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين الذين يتعرضون للتعذيب والاستعباد والإكراه على ممارسة الدعارة. جمعية السلام تدير "مقبرة المهاجرين" هذه، حيث تدفن كل شهر 25 إلى 30 جثة وجدت على جانب الطريق. كما وزعت وجبات الطعام في منازل المدينة.

  ويمنح أحد الشخصيات المحلية المحترمة، ويدعى حسين خير، مأوى للمهاجرين الذين فروا من السجون السرية، في فندق إيفوار الذي يديره. ويضمن سلامة ضيوفه ويشرك الفرق الإنسانية والطبية، مثل تلك التي من أطباء بلا حدود. ويشرح لكاميرا القناة الفرنسية فرانس2 أن مدراء السجون غير القانونية متجذرون بقوة في المدينة، وأن كل ما يمكنه القيام به هو تقديم استجابة إنسانية.



مهاجران ترعاهما جمعية السلام في أحد بيوت مدينة بني وليد. صور نشرت على فيس بوك في آب/أغسطس 2017. 

كان هذا السجن شبه حظيرة على أطراف المدينة. وكان يحتوي حراسا مسلحين وكاميرات مراقبة. ويمكن أن أقول أن عددنا كان حوالي 200 بداخله. لم نكن نرى الشمس، لم نكن نعرف في أي أيام الأسبوع نحن، كنا محرومين من الطعام والماء، ولم نتمكن من الاغتسال. كنت أقوم بالعمل مرغما، إذ طُلب منا نقل الحجارة أو غسل جميع السجاجيد في بيت رئيس السجن، على سبيل المثال.

تمكن أحد الأصدقاء من الاحتفاظ بهاتف صغير، استطعت بواسطته أن أحذر عائلتي. عرف أحد الحراس ذلك، فأطلق النار في الهواء وقام بصفنا في رتل، وسألنا عن هوية صاحب الهاتف. لم نجب فتعرضنا للضرب، وبعضنا تعرض للتعذيب بالكهرباء. وفي النهاية اعترف صاحب الهاتف، فتعرض للضرب.

 
"لقد جعلونا نتصل بآبائنا وعذبونا في نفس الوقت، لكي نتوسل لدفع الفدية"
 

قال الحراس إن علينا الانتظار هنا قبل التوجه إلى صبراتة [وهي بلدة ساحلية تبعد 200 كلم شمال غرب بني وليد، وتعد نقطة انطلاق نحو إيطاليا، ملاحظة من هيئة التحرير]. نادونا واحدا تلو الآخر، قائلين "لا بأس، ستتمكن من المغادرة"، لكنهم وضعونا في غرفة، اتصلوا بأهلنا وعذبونا في نفس الوقت، ليجعلونا نتوسل لدفع الفدية. لم أتعرض للتعذيب لأن والدي وافقا فورا على دفع 1500 دولار [حوالي 1200 يورو]، لكني كنت أحد الناجين القلائل.

لقد شاركت عائلتي بأكملها لجمع هذا المال، وأعمامي وعماتي ساهموا. اقترض والدي الكثير من المال من أصدقائه وجيرانه.


تلقى فريق مراقبون صورا كثيرة لإصابات بالغة وملتهبة، التقطت في الأيام الأخيرة في ملاجئ بني وليد. اخترنا عدم نشرها لأنها صادمة جدا. ووفقا لأحد الأطباء العامين، فإن الإصابات الأكثر خطورة يمكن أن تكون حاملة لمرض ياوس المعدي.
 

أصبحت أنا وباقي السجناء الذين دفعوا الفدية نتمتع ببعض "الامتيازات"، كنا بطريقة ما مساعدين للحراس، وأصبح باستطاعتنا تناول الطعام أكثر قليلا من الآخرين، وخاصة الأرز مع قليل من الملح. كنت مساعدا لحارس تشادي، كان رئيس السجن يناديه عبد الكريم.

تتم مصادرة الهواتف النقالة والهواتف الذكية للمهاجرين بشكل منهجي في ليبيا. ولم يتمكن المراقب من توثيق ما أدلى به من شهادات. في كوناكري، تمكن مراقبنا من العثور على الحساب الشخصي على فيس بوك لواحد من الحراس، يحمل الجنسية الغينية. وكان قد نشر هذه الصورة على ملفه الشخصي، وقد تم حذفها لاحقا. نرى المدعو عبد الكريم مع "مدير" السجن.

بفضل موقعي في السجن، تمكنت من الذهاب مرة واحدة إلى المدينة مع الحارس التشادي. وكنت قادرا على الاتصال بوالدي وإنشاء علاقات لتساعدني على الرحيل. كان رئيس السجن يعرف ذلك وطلب من والدي أن يدفع حتى أتمكن من المغادرة، كان عليهم دفع 2100 دولار أخرى [930 يورو]. ولكن بالطبع لم يفرج عني.


 

نص نشر على : مراقبون

 

للمزيد