picture alliance
picture alliance

حمّل تقرير أصدرته منظمات فاعلة في مجال الهجرة دول الاتحاد الأوروبي مسؤولية تبني سياسات في الهجرة، لا تخدم سوى مصالحها عبر اتفاقيات تعاون غير متوازنة مع بلدان الجنوب، إذ أشار التقرير الذي يحمل عنوان 'التعاون الأوروبي-الإفريقي في مجال الهجرة: مسار ابتزاز"، أن سياسات الاتحاد في مجال الهجرة خلّفت نتائج كارثية على صعيد حقوق المهاجرين، ومن ذلك ارتفاع الغرقى بينهم، وغضّ الطرف عن التجاوزات التي تقع ضدهم في بلدان الجنوب.

أشار التقرير الذي أصدرته منظمات لاسيماد، لوجنا تونكارانكي، وميكر أوروب، هذا الأسبوع، إلى أن التعاون الأوروبي مع بلدان الجنوب يروم هدفين أساسيين: منع المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى بلدان الاستقبال، وترحيل الذين وصلوا إلى التراب الأوروبي. ولكي يحقق الاتحاد هذين الهدفين، يستعين بعدة طرق من أبرزها تقوية المراقبة داخل البلدان المصدّرة للمهاجرين، وإجبار هذه البلدان على تبني سياسات صارمة للهجرة عبر تأكيد أن أيّ مساعدة أوروبية لن تمرّ إلّا عبر تعاون في مجال الهجرة.

وبما أن جلّ الدول المصدّرة للمهاجرين ليست لها مصلحة في استقبال من ترّحلهم الدول الأوروبية، فقد لجأ الاتحاد الأوروبي إلى تقديم مقابل لهذه البلدان لضمان تعاونها، من ذلك مقابل مادي يتجلى في أموال المساعدات، وكذا في عقد اتفاقيات دبلوماسية تسّهل إجراءات الحصول على التأشيرة الأوروبية في هذه البلدان، وِفق ما تضمنه التقرير الذي يرى أن الهدف وراء تحميل الاتحاد الأوروبي لبلدان الجنوب مسؤولية منع المهاجرين واستقبال المرّحلين، هو أن لا تتحمل بلدان الاتحاد ما يترّتب من خرق لحقوق المهاجرين.

غير أن أخطر ما يوجد في هذه السياسة، هو "ابتزاز دول الجنوب بالمساعدات الخاصة بالتنمية"، يقول التقرير، فلا "يمكن لأيّ بلد إفريقي الاستفادة منها إلّا بقبول شروط الاتحاد في مجال الهجرة، إذ تحوّلت هذه المساعدات إلى وسيلة للضغط، خاصة مع استغلال الاتحاد لقوته الاقتصادية والسياسية والأمنية في إجراء محادثات مع بلدان هشة". ويعطي التقرير مثال صندوق للدعم العاجل كان الاتحاد قد أعلن عنه قبل مدة لفائدة البلدان الإفريقية بقيمة 1.8 مليار يورو، غطاؤه مكافحة الفقر، بينما في عمقه يعدّ وسيلة ضغط، فكل "تعاون بين الجانبين يبقى واجهة لفرض اختيارات الاتحاد في مجال الهجرة".

وأعطى التقرير مثال سياسة تمويل النيجر حتى يكافح الهجرة غير النظامية، فقد أدت سياسات هذا البلد الفقير المدعومة من الاتحاد إلى خلق عراقيل في حرية الأفارقة الذين يتنقلون بين بلدان غرب إفريقيا في إطار اتفاقية "سيدياو"، زيادة على تكديس المهاجرين في مدينة أكدز التي تعدّ أكبر نقاط الهجرة، وارتفاع عدد الوفيات بينهم بسبب عدم اتخاذ المهرّبين للتدابير اللازمة أثناء محاولة تهريب هؤلاء المهاجرين خوفاً من الاعتقال.

كما أعطى التقرير مثال المغرب الحاصل على الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي لاعتبارات استراتيجية وتاريخية، إذ أشار التقرير إلى أن المغرب استفاد من عبور المهاجرين على أراضيه حتى يحقق مجموعة من مصالحه خاصة الاستفادة من الدعم الأوروبي. لكن المغرب، وعكس بعض بلدان الجنوب، استطاع صدّ بعض سياسات الاتحاد كاستقبال المهاجرين غير النظاميين الذين عبروا أراضيه في اتجاه أوروبا.

وبعد ارتفاع عدد المهاجرين الغرقى في البحر الأبيض المتوسط، حيثُ تحوّلت هذه الواجهة إلى منطقة موت حدودية، حاول الاتحاد الأوروبي التدخل إثر تصاعد الانتقادات الموجهة له في عدم حماية المهاجرين، كما يبرز التقرير. لذلك أعلن عن استراتيجية جديدة لحماية الأشخاص عبر تقوية قدرات منظمات عاملة في مجال المراقبة كـ"فرونتيكس" التي باتت تعمل كذلك في مجال الإنقاذ، لكن هذه الاستراتيجية لم تكن سوى أداة لتطبيق أهداف الاتحاد من الحدّ من الهجرة.

كما أن الاتحاد الأوروبي، كما يُضيف المصدر السابق، لم يعترف يوماً أن سبب غرق المهاجرين هو إغلاق الحدود في وجههم، بل حمّل المسؤولية لمهرّبي البشر، وقام بحملات أمنية واسعة ضدهم، بيدَ أنها لم تُنتج في النهاية سوى ارتفاع عدد المفقودين في سواحل المتوسط، حيث وصل الرقم عام 2016 إلى 5022 شخصا، بارتفاع بنسبة 33 في المئة عن عام 2015.

ويقول هشام رشيدي، أحد المساهمين في إنجاز التقرير، إن هذا الأخير هو خلاصة شهور من التقصي و تجميع المعلومات حول سياسات الهجرة، خلفياتها و أدواتها السياسية، المالية و التدبيرية. ويتابع رشيدي لمهاجر نيوز أن التقرير يسعى إلى تنوير مسؤولي الضفة الجنوبية من البحر المتوسط، وكذلك الرأي العام الجنوبي بمخاطر عدم التنسيق أمام هذا المد الهائل من التمويلات والمنظمات المجندة لخدمة أجندة أوروبا ودولها الأعضاء في ميدان مناولة تدبير الهجرة".  

"الأولوية بالنسبة للاتحاد هي حماية حدوده وليس حماية الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا. الاتحاد يسحق الحقوق الأساسية" يقول التقرير في الخاتمة، مضيفاً أنه "يجب على بلدان الجنوب أن تكون شريكة وليس مجرّد منفذة لسياسات الاتحاد، كما يجب على هذا الأخير أن يضمن حقوق المهاجرين وأن يتيح حق الدخول إلى ترابه". ويدعو التقرير إلى ضرورة التفكير بعمق في موضوع حرية تنقل الأشخاص وأن يتم إيجاد طرق أخرى لتدبير ملف الهجرة حتى لا يتم خرق حقوق المهاجرين.


 

للمزيد