مهاجر نيوز

ذهب عمران خليفة إلى بلغراد في عام 1989 للدراسة في الجامعة - وعاد في عام 2011 كلاجئ سياسي، بعد أن غرق وطنه ليبيا في العنف. فكيف تبدو حياته هناك؟

البائع: "أنا أحمل درجة الدكتوراة.. هل تعرف ذلك؟"

المشتري:"حسنا!.. أريد كيلوجراماً واحداً من البطاطس أيضاً"   

قبل بضعة أسابيع انتشرت هذه النكتة على وسائل التواصل الاجتماعي في صربيا. في هذا البلد الذي يعاني من البطالة المرتفعة، قد يكون من الأفضل لك أن تتمتع بعضوية في الحزب السياسي الحاكم بدلاً من مؤهل جامعي عالٍ. فهناك الكثير ممن حصلوا على تعليم عالٍ مثل الرجل في النكتة السابقة، يكافحون من أجل البقاء حتى لو اضطرتهم الظروف للقيام بوظائف مثل بيع البقالة في السوق.

هذه هي تقريباً قصة عمران خليفة البالغة من العمر 49 عاما، المواطن الليبي الذي جاء إلى صربيا كلاجئ. عمران يجيد اللغة الصربية بالإضافة إلى أربع لغات أخرى، ويحمل درجة الدكتوراه في علم الآثار.

يعمل عمران الآن في عدة وظائف بدوام جزئي ليس لها علاقة بمجال دراسته وتخصصه، ومع ذلك فإنه بالكاد يمكنه تلبية احتياجات أسرته. وقال لــ "مهاجر نيوز" التي التقته في بلغراد حيث يعيش مع زوجته وأبنائه في شقة مستأجرة: "الحياة في صربيا صعبة".. "تخيل أن تكون لاجئاً، دون وظيفة بدوام كامل أو منزل خاص بك."

أما كيف وصل عمران إلى هذا الموقف بعد أن كان خبيراً مرموقاً في مجاله فهي قصة غير عادية بدأت بكونه طالبا يسعى إلى الحصول على درجة الماجستير في الآثار إلى بروفيسور يحمل درجة الدكتوراة في الآثار يسعى للحصول على اللجوء السياسي مع أسرته في هذا البلد البلقاني الذي كان على مدى العامين الماضيين دولة عبور لنحو مليون مهاجر.

مركز استقبال اللاجئين في قرية  بوغوفادجا بصربيا والذي يعمل به عمران خليفة

مخاوف من العودة

ينحدر عمران من أصول أمازيغية في بلدة زوارة الساحلية الليبية. يحتفظ على هاتفه المحمول بصور خلابة لشواطئ البحر الأبيض المتوسط برمالها الصفراء الناعمة. في عام 1989، وصل إلى بلغراد لدراسة علم الآثار. في ذلك الوقت كانت كل من يوغوسلافيا الاشتراكية وليبيا أعضاء في حركة عدم الانحياز، وهو تحالف تم تشكيله في ذروة الحرب الباردة.

لكن بعد سنوات قليلة، انهارت يوغوسلافيا، وضربت الفوضى  المنطقة. وخلال الحرب الدامية في كرواتيا والبوسنة، انضم عمران إلى زملائه الطلاب في بلغراد احتجاجا على نظام سلوبودان ميلوسيفيتش. وفي الوقت نفسه، تمكن بطريقة أو بأخرى من إتمام دراسته.

تنقل عمران خلال السنوات التالية بين عدة قارات. عاد إلى ليبيا، ثم مرة أخرى إلى صربيا للحصول على درجة الماجستير، وبع ذلك عاد ثانية إلى ليبيا حيث تزوج،  واستمر الشاب الليبي في التنقل حتى عام 2011، وهو العام الذي انهار فيه نظام القذافي في ليبيا، وهو العام الذي بدأ فيه دراسة الدكتوارة كما قام بفعاليات ثقافية وسياسية حتى عام 2015 وخلال هذه الفترة تعرض للكثير من المضايقات من جانب الحكومتين الليبية والصربية.  بعد الحرب في يوغوسلافيا، رأى عمران وطنه يغرق في العنف والفوضى.

تهديدات من الجانبين

يقول عمران: "قمت ببعض الأنشطة المعارضة لنظام للقذافي". لكنه بعد أن دعم عدة مظاهرات وساعد ليبيين آخرين على الفرار إلى تونس المجاورة، كانت فكرة العودة إلى الديار محل شك كبير لديه. يتابع عمران قائلاً: "الطريقة الوحيدة المتبقية لي لإنهاء أبحاثي وليكمل أبنائي تعليمهم هي التقدم بطلب للجوء السياسي في صربيا".

عمران شخص لا يستسلم بسهولة للظروف المحيطة. ففي عام 2012، بدأ مشروعاً للحفاظ على التراث الأثري من المتطرفين في ليبيا، ونتيجة لذلك تلقى تهديدات. يقول عمران:"في أيديولوجية المتطرفين، فإن إنقاذ التراث الأثري يعني أنك ضد الإسلام، وأنك تحاول نشر المسيحية".

مركز استقبال اللاجئين الذي يعمل به عمران خليفة

عالق على طريق البلقان

بعد أن تقدم عمران بطلب اللجوء، حدث تدفق كبير من اللاجئين إلى صربيا بين عامي 2015 و 2016. مثل استيعاب هؤلاء الأشخاص في مراكز اللجوء الرسمية بالبلاد تحدياً كبيراً.

يقول فلاديمير كوسيتش، مفوض اللاجئين في صربيا: "صربيا ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي ولا نملك حق الوصول إلى صندوق اللاجئين في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن ميزانيتنا المخصصة للاجئين صغيرة جدا".

يضيف كوسيتش: " يقيم أكثر من 4،000 مهاجر، معظمهم من أفغانستان، في مراكز طالبي اللجوء في جميع أنحاء صربيا. وهناك بضع مئات آخرين غير مسجلين في السجلات الرسمية للدولة وأغلبهم يحاولون عبور الحدود للتوجه نحو ألمانيا إما بمساعدة تجار البشر أو بمفردهم

وقد أدى وجود آلاف المهاجرين على مدار الأعوام الماضية إلى ازدهار تجارة جديدة، وهي تجارة نقل وتهريب البشر. لكن على جانب آخر، نشأت منظمات غير حكومية تُعنى بمساعدة اللاجئين وتحاول توفير الاحتياجات الأساسية لهم، كما تعقد ورش عمل تثقيفية وتقدم المساعدة النفسية والمشورة القانونية لمن يحتاجها. وهم في حاجة إلى أشخاص على مستوى عالٍ من التعليم والثقافة والذين يستمتعون بالعمل مع اللاجئين كأمثال عمران خليفة.

يعمل عمران خليفة في مركز استقبال اللاجئين في قرية بوغوفادجا. وفي كل يوم، يأتي عمران إلى هذه القرية الواقعة في وسط صربيا، على بعد ساعة واحدة من بلغراد، حيث يشارك في العمل مع "المجموعة 484"وهي منظمة غير حكومية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء والآباء والأمهات من اللاجئين المقيمين في مركز بوغوفادجا.

عمران خليفة - لاجئ ليبي في صربيا

العائلة أولا

يقول عمران: "في اللحظة التي أرى فيها عائلتي بلا تعليم، ولا لغة، ولا فكرة عن المستقبل، أشعر بالأسى الشديد تجاههم، لكن على الجانب الآخر، وحينما أرى هذه العائلات هنا وهؤلاء الأطفال أدرك أنني في وضع أفضل بكثير مقارنة بهم، كما أن العمل مع هؤلاء الأطفال وذويهم يعطيني القوة لمواصلة الطريق".

استقر عمران خلال دراسته  لفترة في كندا، أنجب خلالها ابنه الأوسط والذي حصل على الإقامة واستقر للدراسة هناك. يقول عمران: "لدي الكثير من الأصدقاء هنا في صربيا، لكن الأمر مع أبنائي  مختلف، فهم لا يتكلمون الصربية وبالتالي ليست لهم قدرة على الدراسة ولا إقامة علاقات اجتماعية". ويتابع قائلا: "ابناي الأوسط والأصغر يتمتعان بالجنسية الكندية ويقيمان معي في بلغراد. لم تقبل الحكومة الكندية للدخول إلى الأراضي الكندية رغم عرض موقفي وأسرتي بالتفصيل لكنهم قبلوا دخول أولادي فقط رغم صغر سنهم"

خلال فترات الاستراحة يلقي عمران ببعض النكات التي تثير ضحك زملائه الصربيين. يقول عمان أن العقليات متشابهة إلى حد كبير في البلدين. صحيح أن عمران استطاع بنجاح كبير الاندماج في المجتمع الصربي لكنه يكافح بشدة من أجل أسرته: "الأسرة يجب أن تأتي أولًا.. أود أن أترك صربيا بأسرع ما أستطيع، لكن ليست لدي الوسيلة لفعل ذلك حتى الآن".


 

للمزيد