Rody Almahmoud | عائلة غولدشميت الألمانية تستقبل عائلة الحسن السورية في ليلة عيد الميلاد في كولونيا
Rody Almahmoud | عائلة غولدشميت الألمانية تستقبل عائلة الحسن السورية في ليلة عيد الميلاد في كولونيا

تحاول عائلات ألمانية تخفيف العبء عن اللاجئين خصوصا في فترة أعياد الميلاد فيدعونهم لتناول الطعام والحديث في أجواء تتجمع فيها الأسر والأصدقاء. DW عربية زارت منزلي عائلتين في كولونيا وسجلت اللقاء بينها وبين اللاجئين.

إلى مائدة مزينة بأضواء الشموع، ومزخرفة بأنواع من الحلوى الألمانية، جلست صباح الحسن مع ابنتها رنا وابنها كرم ووزوجة الابن، يتشاركون ليلة عيد الميلاد مع إيستر غولدشميت وزوجها، اللذين يساعدان الأسرة السورية في رحلتها للاندماج بالمجتمع الألماني، بعد سنتين من رحلة اللجوء "الشاقة"، التي قضتها على طريق البلقان.

في هذا اللقاء الدافئ في بيت العائلة الألمانية بوسط مدينة كولونيا الباردة في هذا الوقت من العام، ترتسم ابتسامات عريضة على وجه اللاجئة الخمسينية؛ لتزيد من التجاعيد التي رسمها العمر على وجهها. تقول صباح الحسن لـDW عربية: "نحن مندمجون وسعداء بالاحتفال مع هؤلاء الناس الطيبين، الذين يساعدوننا، لكننا نشتاق إلى أهلنا في الحسكة"، وتتابع: "هناك كنا نحتفل ونلتقي الأهل والأقارب. الحسكة كانت جميلة جداً، خصوصاً في عيد الميلاد".

"على المرء أن يستمتع باللحظة التي يعيشها"


وكانت صباح الحسن قد وصلت إلى ألمانيا قبل سنتين مع ابنها كرم، المقتصد في الحديث الآن، وابنتها رنا، التي لا تتوقف عن الحديث بالألمانية مع السيدة غولدشميت؛ لتحسن من قدراتها اللغوية، كما تقول.

يقول كرم الحسن، المهندس الشاب، الذي يجلس بين أمه وزوجته، التي جاءت قبل سنة عن طريق لم الشمل: "رغم أنني سعيد أنها (إيستر غولدشميت) تحتفل معنا دائماً وتتشارك معنا اللحظات الجميلة، إلا أنني أتمنى أن أكون في هذا الوقت بين الأهل والأقارب في الحسكة".

تبدي غولدشميت، الألمانية الخمسينية، تفهمها لكلام كرم وأمه، لكنها تتحدث لـDW عربية وكأنها توجه كلامها للعائلة السورية وتقول: "من الطبيعي أن يشتاق كل إنسان لعائلته وأحبابه، لكن الحزن بسبب هذا الشوق لا يفيد، فعلى المرء أن يستمتع بكل لحظة يعيشها"، وتضيف محاولةً كسر لحظات الصمت التي يختفي وراءها شوق العائلة للوطن: "كرم يتحدث الألمانية جيدا، لكنه يخجل من تحريك لسانه، بعكس أخته التي لا تكف عن الحديث"، وتبدأ بالقهقهة ليضحك الجميع وتنجح في محاولتها تلك.

تخصيص أحد أيام العيد للاجئين


تقول رنا الحسن، التي كانت معلّمة للغة الإنجليزية في سوريا: "لو لم نتعرف عليها، لكان وضعنا صعبا للغاية، فهي تخفف عنا معاناتنا، وتساعدنا في كل المجالات".

وكانت غولدشميت، المسؤولة في إحدى شركات الاتصالات، قد تطوعت لمساعدة العائلة، التي كانت تقيم في إحدى المخيمات في المدينة، وساعدتهم بإيجاد منزل، بالإضافة إلى اللقاء بهم دورياً لمساعدتهم في تسيير معاملاتهم، وتحسين لغتهم الألمانية. ومنذ ذلك الحين وهي مستمرة بذلك.

يقول أوفى غولدشميت، زوج المتطوعة الألمانية، إنها ليست المرة الأولى التي يحتفلون فيها معاً، ويضيف: "احتفلنا معاً العام الماضي أيضاً. نقوم بتقسيم أيام عيد الميلاد الثلاثة بالتساوي، يوماً لأصدقائنا هؤلاء، ويوماً لأبي وأمي، واليوم الثالث نزور فيه أبناءنا في فرانكفورت"، ويتابع: "أجد أن اللاجئين، الذين أتوا في السنتين الماضيتين يندمجون بسرعة عندما تتوافر لديهم الرغبة بالاندماج. ونحن كمتطوعين سنستمر بمساعدتهم".

التأكيد على ثقافة الترحيب


وعلى بعد بضع كيلومترات (في كولونيا) من بيت عائلة غولدشميت، توجد متطوعة ألمانية أخرى قامت بدعوة لاجئًين سوريين ليشاركوها الاحتفال بعيد الميلاد، رغم أنها لا تعرفهما.
تقول ألفيرا فيبر، التي تعمل عالمة للأحياء في جامعة بون، إنها أرادت أن تدعو لاجئين للاحتفال بعيد الميلاد كنوع من التأكيد على ثقافة الترحيب باللاجئين في المدينة، وتتابع: "من الجميل أن تتعرف على أناس من ثقافة مختلفة، وتعرف كيف يفكرون وكيف تكون حياتهم اليومية، وكيف يطبخون"، وتضيف: "تعرفت على العديد من اللاجئين من خلال مساعدتهم لدى قدومهم منذ سنتين، وأستمتع بتعريفهم بالثقافة والعادات الألمانية".

وقامت الدكتورة الثلاثينية بدعوة اللاجئين السوريين طارق السعيد وأحمد الحميد إلى العشاء، بعد أن حصلت على أرقامهما من إحدى صديقاتها المتطوعات في مبادرة لمساعدة اللاجئين في المدينة.
يعبر طارق -وهو جالس إلى الطاولة المزينة بالشموع- عن سعادته بالدعوة، ويقول: "جميل جداً أن يقوم شخص لا يعرفك بدعوتك للاحتفال، من منطلق إنساني"، ويضيف الشاب السوري، الذي يعيش في بلدة سانكت أوغوستين: "نشعر بالوحدة ونفكر بالأهل، ولذلك نبحث عن أي لقاء نفرح فيه، وأنا سعيد بأن الألمان، الذين نلتقي بهم يتقبلون ثقافتنا ويحترموننا كما نحن عليه".

"يفرحون معنا في مناسباتنا"


تشرح فيبر للاجئين السوريين ولصديقتها وصديقها الألمانيين، اللذين قامت بدعوتهما أيضاً، مكونات الأطباق التي تقدمها لهم، فهناك شوربة البورش المعروفة في روسيا، مسقط رأس والديها، وسلطة السمك السويدية، بالإضافة إلى شوربة البطاطا الألمانية، وطبق الفوندو السويسري، المعد من الجبن المذاب.
يبدي الجميع إعجابهم بالطعام، وبينما يأكلون، يتحدثون عن أغاني عيد الميلاد وعاداته في ألمانيا، ثم يتحول الحديث إلى موضوع اندماج اللاجئين في ألمانيا، وحتى مناقشة أمور سياسية ودينية.

يقول أحمد الحميد، الذي مازال أهله في مدينة إدلب السورية: "في سوريا لم أكن أحتفل بعيد الميلاد، لكن هنا أجد أنه من الجميل أن يقوم شخص لا يعرفك ومن غير دينك بفتح باب بيته لك للاحتفال معه"، ويتابع الشاب، الذي يتحدث الألمانية بشكل جيد: "نريد أن نحتفل معهم في مناسباتهم، كما يفرحون معنا، ففي عيد الفطر، يرسل لي أصدقائي الألمان مباركات العيد".

وبعد خمس ساعات متواصلة من الحديث والمناقشة، انتهى اللقاء الدافئ بوعد من فيبر بأن ترافق اللاجئَين في أحد أيام الكرنفال، الذي تشتهر به مدينة كولونيا، والذي لم يتبقى عليه سوى شهر ونصف. تقول فيبر: "عيد الميلاد بالنسبة لي ليس مناسبة دينية فحسب، بل فرصة لقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء"، وتتابع: "من يكون في مدينتنا فهو منا، بغض النظر عن البلد الذي وُلد فيه".

محي الدين حسين - كولونيا

نص نشر على : Deutsche Welle

 

للمزيد