لاجئيون يمارسون الرقابة على حرية المعتقد
لاجئيون يمارسون الرقابة على حرية المعتقد

يتعرض أحيانا بعض اللاجئين لضغوط ومضايقات من قبل لاجئين آخرين بسبب انتمائهم الديني أو الاثني، رغم أن هؤلاء يعيشون في ألمانيا بلد الانفتاح والحريات التي يضمنها الدستور للجميع دون أي تمييز. لماذا يتصرف هؤلاء اللاجئون بهذه الطريقة ويمارسون الرقابة على غيرهم؟

لم يعرف أيمن كيف مضت أيامه التسعون في مركز إيواء اللاجئين برفقة المقيمين معه في الغرفة بسلام. لم يكن الازدحام سبب انزعاجه، ولم تكن قلة النظافة أيضاً، ولاحتى عدم الخصوصية في الغرفة التي تحوي أكثر من 8 أشخاص، وإنما السبب هو المواعظ التي يضطر لسماعها يومياً من قبل شركائه في الغرفة، حيث يحاولون يومياً "هدايته" إلى الدين الصحيح بعد أن عرفوا من مكان ولادته في سوريا أنه ليس مسلما سنيا.

من أين أنت؟

"(من أين أنت من سوريا؟) سؤالٌ أصبح بمثابة تشفيرٍ لسؤالٍ آخر مبطّن: (لأي طائفةٍ تنتمي؟)، يتعرض له جميع السوريين والعرب على وجه العموم في ألمانيا، فمن خلال هذا السؤال يحدد العديد من المتحدثين طائفتك، وبالتالي كيفية التعامل معك"، يقول أيمن، ويتابع "كان جاري يفتح هاتفه ليسمع أحاديث خاصة بصوت عالٍ بينه وبين فتاة كل يوم، يغلق الهاتف ويسبها ويشتمها ويتكلم عنها بسوء، ثم يلتفت إلي ويسألني متى سأصبح مؤمناً صالحاً؟ ومتى سأغير إلى الدين الصحيح؟ كنت أتساءل حينها من منا بحاجةٍ للهداية بحق؟".

قصة أيمن ليست استثناءً إذ يمارس بعض اللاجئين خاصة في نزل اللاجئين رقابةً دينية على بعضهم، تجعلهم يقيّمون ويكفرون ويثبتون دين من يشاؤون. ويعود ذلك لعدة أسباب بحسب ما ترى الباحثة الاجتماعية روعة السمان حيث تقول لـ"مهاجر نيوز" "للأسف كثير من القادمين من المجتمعات العربية أو دول العالم الثالث يعتقدون أن لهم الحق في التبرير لأنفسهم، والاعتقاد بأنهم يملكون الحق المطلق، وأن معتقدهم أفضل من غيره، وذلك لغياب الانتماء الحقيقي بعيداً عن الطائفة أو العرق أو القبيلة، والعديدون تبرمجوا على أن عرقهم مثلاً هو العرق الأسمى وبانتمائهم لهذا العرق أو ذاك فيحصلون على صفات مميزة أو الدين بنفس الطريقة".

"لا يكفي أن تجيب أنك من سوريا أو من العراق، إذ يأتي معه مباشرة سؤال: من أين تحدياً؟ ليتم تصنيفك" هكذا يشرح علي، الشاب العشريني لـ"مهاجر نيوز" ويتابع "كان زملائي في الغرفة يستغربون لماذا لا أذهب للصلاة معهم؟ ويحاولون اقناعي بذلك، ثم بعد فترة اقترب أحدهم مني وقال لي: أنت شخصٌ جيد لكن ينقصك الدين! لم يخطر ببال أحدهم أنني قد أكون أؤمن بدينٍ آخر، فلا مجال للاختلاف هنا".

التهديد بالقتل!

لم يكن يتوقع محمود عندما سجل نفسه في سجلات الدولة الألمانية بـ"لا ديني"، أن يكون عرضةً للملاحقة من أبناء بلده في بلد الحرية ألمانيا، حيث تعرض محمود للتهديد المباشر بالقتل من قبل نزلاء مركز الإيواء بعدما اكتشفوا أنه "مرتد" بحسب تعبيرهم، ومن الواجب قتله، مما اضطره للجوء إلى الشرطة لحمايته، التي قامت بإخراجه من المركز بسرعة.

"عدم تقبل الآخر هو السببب" برأي محمود الذي يقول لـ"مهاجر نيوز" "لم أكن اتخيل بأسوء أحلامي أن أحاسب على معتقدي في أرض الحريات، ولا أفهم حتى اللحظة السبب الذي يدفع الناس للقيام بهذا. إنه خياري ومسؤول عنه. من هؤلاء ليقيموا الحد علي، مع أني أقبلهم كما هم، فهم أحرار لكن هذه الثقافة للأسف غير موجودة عند الكثيرين".

نقص الوعي هو السبب في كثير من الأحوال

وعلى عكس ما حدث مع محمود تعرض أيهم لـ"اضطهادٍ" مضاد، حيث كان يتعرض لنظرات سيئة ومريبة من قبل زميل سوري في العمل، بسبب دينه. إذ كان يحاول أن يخبره في كل لقاءٍ بينهما أن دينه سيمنعه من الاندماج في ألمانيا، ولم يتخلص من القصة ويرتاح من إزعاج زميله حتى أخبر مديره الذي وجه للآخر إنذاراً بالفصل من العمل.

برهان عقيد، مساعد الاندماج في مراكز إيواء اللاجئين بمقاطعة "شمال الراين وستفاليا" يشرح لـ"مهاجر نيوز" الإجراءات القانونية التي يتم اتخاذها في مثل هذه الحالات، ويقول "هذه التصرفات هي نوع من العنصرية، لذا تتخذ بحق مما رسيها الإجراءات القانونية المتبعة وفق القانون الألماني. لكن عادةً إذا وصلت شكوى من هذا النوع، أنا شخصياً أفضل أن أجري حوارا مع الشخص، وأعرف أسبابه ودوافعه. لأن الأسباب عادةً ما تكون بسبب قلة الوعي أكثر من الرغبة بإلحاق الأذى، ويتم حل المسألة بالكلام، وتتوقف القصة بعد الاعتذار عن الإساءة. لكن فيما لو أصبحت القصة تهديدا بالقتل، أو الاعتداء الجسدي، هنا تتدخل الشرطة وفقاً للقانون ويتم تحرير محضر وتتخذ الإجراءات القانونية العادية، من حيث حماية المعتدى عليه، ويتم في بعض الأحيان رفع دعاوى يفصل فيها القضاء".

القصة تتجاوز الدين إلى الإثنية

تلعب الصورة النمطية والأحكام المسبقة في كثير من الأحيان دوراً في تأزيم مشكلة الحكم على الآخرين، حيث هناك مواقف سلبية تجاه بعض الفئات يحملها بعض اللاجئين معهم ويحتفظون بها رغم أن حرية المعتقد والرأي والانتماء أمرٌ يحميه الدستور الألماني.

مثلا جوان القادم من كردستان العراق تعرض للكثير من "التمييز" من قبل لاجئين آخرين قبل حصوله على الإقامة وانتقاله للسكن في منزل، ويقول لمهاجر نيوز "الكل كان ينعتني بألفاظ سيئة، وصفات كريهة، ويسخرون من عربيتي، ويهاجمونني عندما أتحدث بالكردية، على اعتبار أني اشتمهم بلغةٍ لا يفهمومنها. لم تكن أيامي سهلة في مركز إيواء اللاجئين، ولم أكن أجرؤ على تقديم شكوى. بصراحة كنتُ أخاف من أن تكبر المشكلة، كان الشبان يعبثون بأغراضي، او يخبئون ملابسي كنوع من التضييق علي، وفي كثير من الأحيان كان انتمائي القومي (كردي) هو السبب".

من جهته يعتقد مساعد الاندماج، برهان عقيد "أن ثقافة الاختلاف وتقبل الآخر أمر غير مدرك من قبل بعض اللاجئين، وهذا هو الدافع الأساسي لمثل هذه التصرفات أكثر منها العنصرية بحد ذاتها. فعندما يعيش ناس غير مدركين للاختلاف يقع مثل هذا النوع من المشاكل. وهذا لا يتم حله إلا بالتوعية، وللأسف هناك تقصير بهذا الجانب الآن، لكن اليوم يتم العمل على الأولويات فهناك اشخاص لا يزالون يسكنون في أماكن غير لائقة أو يحتاجون لتعلم اللغة أو البت بوضعهم القانوني. لذا فإن العمل على هذه الأمور يعتبر أولوية قبل الالتفات لثقافة تقبل الآخر، التي هي أمر مهم جداً، لكن مؤجل، أو يتم العمل عليه ببطء وهذا يحتاج لسنوات لتجاوزه".

وبرأي العديد من اللاجئين لا يعتبر الاضطهاد الديني الممارس من قبل البعض على البعض الآخر السبب الوحيد، إذ أن الأمر يتعدى للتدخل في جوانب أخرى من حياتهم، كالرقابة الاجتماعية، والتدخل في شؤون الناس وتفاصيل عيشهم، ما يجعل ممارسة الحرية التي تضمنها ألمانيا لهم أمراً صعباً في كثيرٍ من الأحيان.  


 

للمزيد