" كانترا " مع إثنين من أولاد عائلة سولين،  حقوق الصورة:  سولين بورغوان
" كانترا " مع إثنين من أولاد عائلة سولين، حقوق الصورة: سولين بورغوان

انتحر الشاب المالي ’’كانترا’’ بعد أن بلغ من العمر 18 عاما. رمى بنفسه تحت عجلات قطار في منطقة الحوض الباريسي قبل أيام قليلة من عيد الميلاد بعد أن فقد الأمل بسبب منعه من توقيع عقد عمل نتيجة عائق إداري.

نشرت صحيفة ’’لوميدي ليبر’’ الفرنسية مقالا، تتوسطه صورة شاب، أوردت فيه خبر انتحاره. وقد بدا الشاب في الصورة كأي مراهق يعيش بسعادة، ويرتدي قميصا أبيض اللون وسروالا قصيرا أسود على أحد الشواطئ الفرنسية، محاطا بطفلي سولين بورغوان، أخصائية علم نفس الأطفال والمراهقين، التي قامت مع زوجها بتبني هذا الشاب المالي ليصبح واحدا من أفراد العائلة.

صورة الخبر كما ورد في صحيفة  لو ميدي ليبر  حول وفاة الشاب المالي كانترا

ورمى هذا الشاب اليائس بنفسه تحت عجلات قطار في منطقة باريس بعيد بلوغه 18 عاما، بعد أن تبلغ قبل ذلك بأيام قليلة من المدبرة الاجتماعية التي تتولى ملفه، أن عائقا إداريا يمنعه من توقيع عقد عمل مع مطعم أبدى استعداده لتوظيفه.

قدم ’’كانترا’’ إلى فرنسا عام 2015 وهو يبلغ من العمر 15، إلا أن الإدارة لم تعترف به كقاصر إلا في آب/ أغسطس عام 2017، بعد مرور سنتين على وصوله. وتولت شؤونه حينها دوائر المساعدة الاجتماعية (ASE) في جنوب فرنسا وأسكنته في بيت للشباب في مدينة ’’نيم’’، وكان يقضي نهايات الأسبوع والعطلات الطويلة لدى عائلة سولين بورغوان، العائلة التي احتضنته كأحد أفرادها.

وقالت سولين ربة العائلة المضيفة لموقع مهاجر نيوز "ما نشعر به اليوم هو حزن كبير جدا، إنه الحزن الذي نشعر به عندما نفقد شخصا نحبه".

كان واحدا من أفراد العائلة

تعرف ’’كانترا’’ على عائلة بورغوان في ربيع 2017 من خلال جمعية تدعى ’’مراهقون بلا حدود’’، تتولى أمور 60 شابا أجنبيا قاصرا من المعزولين في منطقة ’’غار’’ (Gard) جنوب فرنسا.

تتذكره سولين قائلة: "عندما التقيناه للمرة الأولى، قلت في نفسي لن يكون الأمر سهلا بيننا. لقد كان منغلقا جدا على نفسه، ويجد صعوبة في الإفصاح عن قصة حياته". لكن سرعان ما عادت إليه ثقته بنفسه وأصبح التواصل معه أفضل، ما شجع العائلة على دعوته إلى مشاركتها في نشاطاتها.


تتفق العائلة على وصف الشاب بالحساس والمتعاطف مع الآخرين وتقول "كان يسأل دائما عما إذا كان بإمكانه القيام بأية خدمة للمشاركة". وجمعت الشاب المالي علاقة صداقة مع الابن البكر للعائلة، البالغ من العمر 13 عاما، وكانا يلعبان كرة القدم ويتبادلان المجلات العلمية.

وتقول سولين "كان ابني مهتما جدا بما فعله ’’كانترا’’ عندما غادر بلاده، بعمر يقرب من عمره أي 13 عاما. وكان يقول لنا أنه سيكتب قصته يوما ما". وتضيف "غالبا ما كنا نبحث عن بلدته في مالي عبر قراءة الخرائط، لفهم الطريق التي سلكها عبر الجزائر وليبيا ثم البحر المتوسط فإيطاليا".

في صيف 2017، اصطحبت العائلة الفرنسية معها هذا الشاب لمرافقتها في العطلة السنوية في منطقة آلييه (Allier)، "كنا نضحك كثيرا لأن ’’كانترا’’ كان يخشى نوعا ما السباحة في النهر، بسبب اعتقاده بوجود تماسيح" كما تقول ربة العائلة.

كان سعيدا، لا يبالي بشيء بعد سنوات العذاب التي قاساها. في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، نجح كانترا في الدخول إلى مدرسة مهنية لتعلم فن الطبخ، كما حظي بمطعم قبل بتوظيفه لمدة سنتين. كان فرحه عظيما جدا، ما حدا بالعائلة الحاضنة إلى القول إن مستقبله صار فعلا في فرنسا.

خيبة الأمل

لكن قبل أيام قليلة من بلوغه سن 18 عاما، اكتشف أن مشكلة إدارية منعته من توقيع عقد العمل في المطعم الموعود. فحسبما تقول العاملة الاجتماعية التي كانت تتولى شؤونه، كان يتوجب حسب القانون، أن يكون قد درس أو عمل في فرنسا لمدة ستة أشهر قبل بلوغه سن 18 عاما، وهذا التفصيل كانت سولين تجهله تماما.

أما بالنسبة للشاب، فكان هذا الفشل بمثابة الكارثة. وتقول سولين الأخصائية في علم النفس أنه "تغير كثيرا يوم ذكرى عيد مولده الثامن عشر في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وكان بحالة من الهذيان. وكان يقول إن اللعنة حلت به". ثم ما لبث أن طرد من البيت الذي كان يقطنه بسبب بلوغه سن 18 عاما.

وفي 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، هاتفته سولين لآخر مرة، "قلت له أنه يستطيع المجيء عندنا إذا كان يعيش في العراء، إلا أنني لم أحصل على أي خبر منه بعد ذلك".

غادر كانترا منطقة "غار" (Gard)، ليتصل بعمه المقيم في إحدى المناطق الباريسية، قبل أن يضع حدا لحياته في 21 كانون الأول/ أكتوبر 2017.

قلق عمه لتأخره في العودة إلى المنزل وعدم اتصاله به، ثم ما لبث أن اكتشف وفاته بواسطة الصور التي عرضتها الشرطة عليه في أحد مكاتبها.

"لا أفهم لماذا جعلونا نعتقد بوجود أمل له حتى النهاية"  

سولين غاضبة جدا لما آلت إليه الأمور. "لو كنا نعرف أنه لا أمل له بالبقاء في فرنسا لكنا توليناه من الناحية النفسية، وطرحنا معه إمكانية عودته إلى موطنه الأصلي في مالي"، كما شرحت لمهاجر نيوز. "لا أفهم لماذا جعلونا نعتقد بوجود الأمل له حتى النهاية".

بعد هذه الحادثة، لا تبدو الأخصائية النفسية مستعدة للقيام بنفس المهمة لاحتضان قاصر معزول آخر، أقله في الوقت الحاضر. "لازلت في حال حداد بسبب ما حصل مع كانترا. غدا يجتمع كل الأهالي من عرابي القاصرين المعزولين مع جمعية ’’مراهقون بلا حدود’’. الجميع سوف يأتون برفقة القاصرين الذين يحتضنونهم، لكن كانترا لن يكون معي"، تقول سولين بتأثر ظاهر.

ولدت هذه الحادثة الأليمة صدمة للمتطوعين لرعاية القاصرين، فتداعوا للتلاقي فيما بينهم لدراسة كيفية مواكبة القاصرين الذين يتعهدونهم حتى بلوغهم سن 18 عاما.

أما سولين، فقالت إنها ترغب بالاتصال بوالدة كانترا لترسل لها  صوره مع أولادها وعائلتها في فرنسا ولتقول لها أنه لم يعش في فرنسا دائما في أجواء الحزن والمأساة، بل حصل على أوقات كان يشعر فيها بالسعادة.

 

للمزيد