اللاجئون والانتظار
اللاجئون والانتظار

يعاني كثير من اللاجئين من فترة الانتظار بين مرحلتين والتي قد تطول لعدة أشهر، ما يمكن أن يسبب للاجئ حالة من الاكتئاب والممل، لكن هناك من يتغلب على هذه المشكلة. فكيف يتعامل اللاجئون مع مشكلة الانتظار واستثمار أوقات فراغهم؟

 كثير من اللاجئين لا يستفيدون من أوقات فراغهم ومرحلة انتظارهم للانتقال من مرحلة إلى أخرى، مثل الفترة التي تسبق البت في طلب لجوئهم أو البحث عن دروة للغة والاندماج بعد ذلك أو البحث عن فرصة عمل أو تأهيل مهني مثلا بعد إنهاء دورة اللغة بنجاح. هذا الوقت الثمين غالبا ما يهدر ويذهب سدى دون الاستفادة منه، وهو ما ينعكس على حياتهم اليومية ووضعهم النفسي سلبا.

لكن الشاب السوري عبد الله خمم (23 عاما) لم يقع في فخ الانتظار والملل وشبح الاكتئاب والأفكار السلبية التي تعتريه لدى التفكير بمسقبله، إذ عرف كيف يستفيد من وقته ويستثمره في تنمية مواهبه. عبد الله الذي كان يعمل في صنع الحلويات في العاصمة السورية دمشق، تعرف في مركز استقبال اللاجئين بمدينة بون على ابن بلده مدرس الموسيقى أيهم، الذي علمه القواعد والمبادئ الأولية للموسيقى وعزف الغيتار، كما ساعده في اقتناء آلة مناسبة له. ويقول عبد الله لمهاجر ينوز "الآن لا أشعر بالملل وأنا أقضي معظم وقتي في تعلم العزف على الغيتار، حتى الحصول على مكان لي في دورة تعليم اللغة الألمانية مستوى B2". فقد أنهى عبد الله دورة الاندماج واللغة مستوى B1 بنجاح ويريد مواصلة تعلم الألمانية والبحث عن فرصة عمل. الموسيقى لم تكن وسيلة للمتعة و لملء وقت الفراغ والتخلص من الملل فقط، وإنما وسيلة مساعدة على الاندماج والتواصل مع الألمان ويقول "الغيتار كان حلقة وصل بيني وبين المجتمع الألماني".

Abd Allah

اللاجئ السوري عبد الله خمم استغل وقت فراغه وفترة الانتظار في تعلم العزف على الغيتار

الشعور بالضياع

ليس كل اللاجئين مثل عبد الله ويستفيدون من فترة الانتظار ووقت فراغهم ويستثمرونه في أمور مفيدة، فاللاجئ السوري ناجي أحمد يقول لمهاجر نيوز إنه كان يشعر "بالضياع" أثناء انتظاره البت في طلب لجوئه، ويضيف واصفا تلك الفترة "كانت فترة انتظار البث في طلب اللجوء، مرحلة عصيبة في حياتي بألمانيا".

أما اللاجئ السوري محمود، فتحدث لمهاجر نيوز عن تجربته الشخصية ومعاناته مع الفراغ والانتظار وصعوبة اندماجه في المجتمع الألماني، الذي يراه مختلفا تماما من الناحية الثقافية عن مجتمعه الذي أتى منه، لذا "يستحيل الاندماج فيه (المجتمع الألماني) دون إتقان اللغة". وينتقد محمود منظمات المجتمع المدني التي يرى أنها لا "تقوم بدورها كما بجب للمساعدة على اندماج اللاجئ واختصار الوقت، وإنها تفتقر للبرامج في هذا الإطار". وأعرب عن أسفه لعدم تمكنه من استغلال وقته بشكل مفيد خلال فترات انتظار الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

يواخيم يساعد محمد على الخروج من عزلته

وهناك من اللاجئين من وصل به الأمر إلى حالة من اليأس والضياع نتيجة الانتظار الطويل، بالرغم من اتسامه بروح والمثابرة والجد وإرادته القوية من أجل تحقيق هدفه، وتحقيق الاندماج في مجتمعه الجديد. "بدأت دورة تعلم اللغة والاندماج في أيلول/ سبتمبر 2017 بعد انتظار دام سنتين" يقول لمهاجر نيوز اللاجئ السوري محمد حسين المراطي، الذي لجأ إلى ألمانيا عام 2015

محمد لم يخف يأسه وحالته النفسية الصعبة ومعاناته بسبب فترات الانتظار الطويلة بعد كل مرحلة، سواء فيما يتعلق بالاندماج أو خلال حياته اليومية، رغم أنه لم يبق مكتوف الأيدي؛ إذ كان يراجع الجهات المعنية ويطرق كل باب في مكان إقامته من أجل التحاقه بدورة لتعليم اللغة. فبعد جهد وطول انتظار وإلحاح شديد حصل على مقعد في دورة لتعليم اللغة، ولكن فقط ساعتين كل أسبوع ولمدة شهرين، ما أصابه باليأس وفتور همته. وفي حديثه مع مهاجر نيوز أشاد محمد (أب لأربعة أطفال) بجاره الألماني يواخيم الذي ساعده على الخروج من الحالة النفسية الصعبة والتواصل معه وإخراجه من حالة العزلة التي كان يعيشها في القرية الصغيرة التي يقيم فيها بأقصى شمالي ألمانيا. وبسؤاله كيف يقضي وقت فراغه، أجاب بأنه يقضي بعض وقته في "الاعتناء بحديقة المنزل. وشاركت في مبادرة تطوعية لتنظيف شوارع المدينة وغرس الزهور في الطرقات والساحات بمشاركة وحضور وزير الاقتصاد في ولاية ساكسونيا السفلى".

الترجمة هي الحل

فترات الانتظار الطويلة وانعاكاساتها على اللاجئ وحياته اليومية والنفسية وكيفية الاستفادة منها بشكل إيجابي، بدل أن تكون معاناة إضافية تثقل كاهله، تشغل المنظمات الإنسانية التي تعمل في مجال مساعدة اللاجئين مثل جمعية "القلب الكبير" في برلين. وفي هذا السياق ترى الأخصائية الاجتماعية، غنوة الحسن، أن الحل لانتشال اللاجئين من حالات اليأس التي يمرون بها خلال فترات الانتظار، هو "مضاعفة عدد المترجمين والمتطوعين في المؤسسات التي تهتم بشؤون اللاجئين واندماجهم". وتضيف لمهاجر نيوز بأنه "مهما وفرنا للاجئ من خدمات ونشاطات وعمل تطوعي، فإنه لن يستفيد منها إلا إذا تم تقديمها له بلغته الأم". لأنه وبحسب رأيها، "يتوق اللاجئ للتواصل مع من يتقن لغته" وخاصة في الفترة الأولى من قدومه إلى ألمانيا.

وبما أن فترة انتظار الالتحاق بدورة لتعليم اللغة والاندماج تطول، فإنه يتوجب على السلطات المعنية رعاية هذه الفئة من اللاجئين "في مرحلة الانتظار" والتي تقول عنها الحسن إنها "حالة ضياع يختزلها اللاجئ في سؤال متكرر: ما هو مصيري وماذا ينتظرني في ألمانيا؟".

ف. ت /ع.ج 

 

للمزيد