مخيم للاجئين السوريين بالقرب من مدينة برالياس في منطقة البقاع اللبنانية المحاذية للحدود السورية / أرشيف
مخيم للاجئين السوريين بالقرب من مدينة برالياس في منطقة البقاع اللبنانية المحاذية للحدود السورية / أرشيف

مع مأساة اكتشاف جثث لاجئين سوريين قضوا بردا بالعاصفة الثلجية أثناء محاولتهم الدخول بشكل غير شرعي إلى لبنان، عادت مسألة المعابر غير الشرعية بين البلدين لتطرح على طاولة البحث والاستفسارات خاصة لجهة عدم قدرة الأجهزة الأمنية المعنية من تأمينها كافة. فكيف تعمل تلك المعابر وما هي العوامل التي تساهم بازدهارها؟

أعلنت السلطات اللبنانية مؤخرا عن اكتشاف مجموعة من الجثث العائدة لمواطنين سوريين، بينهم نساء وأطفال، في مناطق حدودية فاصلة بين البلدين لطالما استخدمت كممرات لتهريب البضائع وحتى الأفراد منذ عقود خلت. ونتيجة الكشف الطبي، أعلنت الجهات المعنية أن هؤلاء قضوا تجمدا من البرد، أثناء محاولتهم الدخول إلى لبنان خلسة عبر تلك الممرات هربا من الحرب الدائرة في بلادهم.

الجثث اكتشفت في مناطق متعددة ومتباعدة، الأمر الذي أعاد طرح النقاش حول تلك الممرات، بل حتى أوحى بأن حركة النزوح واللجوء من سوريا مازالت مستمرة، على الرغم من إعلان مجموعة من المنظمات الدولية عن عودة جزء كبير من السوريين من لبنان إلى بلادهم.

وتعود ظاهرة تهريب السوريين عبر المعابر غير شرعية (طرقات جبلية وعرة محاذية للحدود بين البلدين) إلى بداية الحرب في سوريا، بعدما كانت هذه المعابر تستخدم لتهريب المازوت والأغذية بالاتجاهين.

ضبط الحدود

بادرت القوى الأمنية اللبنانية إلى ضبط هذه المعابر، إلا أن ذلك اعتبر مهمة مستحيلة لطبيعة المنطقة الوعرة والحرجية.

أحد المعنيين بالملف، فضل عدم الكشف عن اسمه، قال لمهاجر نيوز إن دوريات الجيش اللبناني تمشط تلك المناطق، على الأقل المناطق المعروفة باحتوائها لمعابر غير شرعية، في محاولة لضبط الحدود وحركة الدخول والخروج من الأراضي اللبنانية. إلا أن التهريب لم يتوقف، فشبكات التهريب تعرف المنطقة بشكل جيد.

ويعتبر الدخول خلسة إلى لبنان أمرا سهلا، وفقا للمصدر الذي أضاف "إذا رفض دخول أحد المواطنين السوريين إلى لبنان عن طريق معبر المصنع مثلا، يعود أدراجه مسافة 200 إلى 400 متر داخل الأراضي السورية، ليأخذ منعطفا يقوده إلى الطرقات الجبلية الحدودية، يعبرها ويدخل من إحدى النقاط غير الشرعية إما من مدينة مجل عنجر أو الصويرة".

وتبرز أهمية تلك المعابر بالنسبة للهاربين وخطورتها بالنسبة للأجهزة الأمنية من المناطق التي انتشر فيها اللاجئون، إذ يمكنك أن تجد لاجئين في المناطق الحدودية الجنوبية التي تعتبر مناطق خطرة ومعرضة للحرب في أي لحظة.


تشديد إجراءات دخول السوريين أنعش تجارة تهريب البشر

المصدر المطلع على الملف قال لمهاجر نيوز إن تشديد الإجراءات الأمنية على خلفية العمليات الإرهابية التي شهدها لبنان أدى إلى "تصعيب دخول السوريين الأراضي اللبنانية، وهذا ما ساهم بشكل مباشر بانتعاش تجارة التهريب عبر الحدود".

وأوضح المصدر أن "الإجراءات الأمنية ساهمت بارتفاع أعداد العاملين في التهريب، يبلغ عددهم الآن أكثر من 70 يهربون يوميا بالاتجاهين أكثر من 300 شخص. ويعتمد هؤلاء على طريقين أو معبرين للتهريب، واحد من الجهة الشرقية الشمالية في خراج بلدة مجدل عنجر والآخر من الجهة الجنوبية الغربية. ويمر المهربون عبر مسالك وعرة لمسافة تزيد عن الكيلومتر الواحد في خراج بلدة الصويرة في البقاع الغربي".

التهريب مستمر

ومازال يعبر المئات عبر تلك الطرقات الترابية الوعرة من سوريا إلى لبنان بشكل شبه يومي، إلا أنهم ليسوا جميعا لاجئين "جدد" وفقا لأحد المتطوعين في جمعية محلية تعمل مع اللاجئين في بلدة الصويرة الحدودية. "كثير منهم يستعينون بتلك الطرقات ليعبروا إلى سوريا والعودة منها من دون أوراق حتى لا تشطبه الأمم المتحدة من سجلاتها الخاصة باللاجئين".

جاد، أحد مواطني مدينة مجدل العنجر اللبنانية، قال لمهاجر نيوز في اتصال هاتفي إن "شبابا من المنطقة ممن يعرفون تضاريسها بشكل جيد يعملون مع المهربين، سوريين ولبنانيين، مقابل أجر مادي، المنطقة هنا تعتبر محرومة من الكثير من الخدمات والشباب في المناطق المشابهة يسعون لتأمين مدخول بأي شكل كان".

وأضاف جاد، الخريج الجامعي منذ نحو ثلاث سنوات وهو عاطل عن العمل، "تتراوح أجور هؤلاء الشباب بين 500 وألف دولار، وذلك يعتمد على طبيعة عملية التهريب وأعداد الأشخاص المهربين إلى الأراضي اللبنانية". وشدد على أن معظم شباب المنطقة ممن يعملون مع المهربين لا يعرفون هويات الداخلين إلى الأراضي اللبنانية ولا حتى المناطق التي قدموا منها، "كل ما يهمهم هو العمولة التي سيتقاضونها عقب كل عملية".

أموال تعليم اللاجئين السوريين.. ملايين مفقودة وآمال معلقة

عبد الودود، لاجئ سوري من حماه هرب مع عائلته المؤلفة من أربعة أطفال وزوجته من المعارك هناك، قال إنه اضطر لأن يبيت أسبوعا كاملا عند النقطة الحدودية بين لبنان وسوريا بسبب منعه من الدخول إلى لبنان لعدم قدرته على تأمين أوراق مطلوبة. بعد أن يئس من محاولاته المتكررة، لجأ لأحد المهربين الذي كان يتردد عليه وعلى غيره من اللاجئين الذين يبيتون في تلك المنطقة عارضا خدماته، ودفع له مبلغ 400 دولار أمريكي ليدخله إلى لبنان. "قطعنا مسافة نحو 800 إلى 1000 متر سيرا على الأقدام في طريق جبلية وعرة بعيدة غير مراقبة من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية. مشينا نحو ساعة قبل أن يلاقينا شاب آخر نقلنا بشاحنة صغيرة الى داخل بلدة الصويرة...".

أقل من مليون... أكثر من مليون

يتعدى عمر التهريب عبر الحدود اللبنانية السورية عمر الأزمة السورية، ما يوحي بأنه لن يتوقف عند انتهائها، ولكن يطرح السؤال حول مصداقية الأرقام التي تتحدث عن أعداد السوريين في لبنان.

مفوضية شؤون اللاجئين أصدرت تقريرا مؤخرا أفاد بأن أعداد اللاجئين السوريين في لبنان أصبحت أقل من مليون، أما أرقام الدولة اللبنانية فما زالت تقرن أعدادهم بخانة المليون ونصف، فهل كل السوريين النازحين أو اللاجئين في لبنان مسجلون لدى المنظمات والجمعيات المعنية بهم؟ وهل يمكن رصد حركة اللاجئين عبر المعابر غير الشرعية لمعرفة أعداد اللاجئين الجدد الوافدين إلى لبنان؟ وكم تدر هذه المعابر على المنتفعين منها من المهربين وأشخاص آخرين؟

أسئلة كثيرة أثارتها مؤخرا صور جثث اللاجئين السوريين الذين قضوا من البرد أثناء محاولتهم اجتياز بعض تلك المعابر إلى لبنان هربا من الحرب الدائرة في بلادهم أو عائدين إلى عائلاتهم في لبنان بعد أن دخلوا سوريا لقضاء حاجات محددة وقفلوا عائدين.

 

للمزيد