نقطة توزيع طعام للمهاجرين بالقرب من مستشفى كاليه الخميس 1 شباط / فبراير 2018. الصورة: شريف بيبي
نقطة توزيع طعام للمهاجرين بالقرب من مستشفى كاليه الخميس 1 شباط / فبراير 2018. الصورة: شريف بيبي

لطالما احتلت مدينة كاليه الصفحات الأولى لأخبار الهجرة واللجوء في فرنسا مؤخرا، المدينة الساحلية الواقعة قبالة الشواطئ البريطانية شكلت حلما لآلاف اللاجئين والمهاجرين الساعين للوصول إلى المملكة المتحدة. اليوم تعود كاليه إلى واجهت الأحداث، اشتباكات بين المهاجرين أنفسهم من جهة وبينهم وبين الشرطة من جهة أخرى. عوامل كثيرة حكمت وجودهم في كاليه، من طلبات اللجوء المرفوضة إلى ازدياد النشاط الإجرامي لبعض العصابات التي تسعى لاستغلال المهاجرين لصالحها. ما الذي يحصل في كاليه؟

عادت مدينة كاليه لتحتل واجهة الأحداث مرة أخرى بعد المواجهات التي اندلعت مؤخرا بين المهاجرين أنفسهم وبينهم وبين الشرطة. ووفقا للمعلومات الواردة من كاليه، فإن الاشتباكات التي وقعت بين المهاجرين تخللها إطلاق نار ووقوع جرحى بعضهم في حالة خطرة. السبب الرئيسي لتلك المواجهات كان توزيع طعام الغداء، حيث اشتبكت مجموعة من المهاجرين الأفغان مع آخرين إريتريين، فقام أحد الأفغان بإطلاق النار باتجاه الإريتريين ما أدى إلى وقوع الإصابات.

ووقعت مشاجرة بعد ظهر الخميس 1 شباط / فبراير بين نحو 100 مهاجر إريتري وحوالي 30 أفغاني في مكان قريب من مستشفى المدينة حيث يجري توزيع وجبات طعام، وفقا للسلطات المحلية. وقالت مصادر في الشرطة أنه يبدو أن إطلاق نار من قبل أفغاني أدى إلى هذه المواجهة، ما يؤكد فرضية وجود مافيات وعصابات تهريب إلى بريطانيا في المكان.

فرنسا: عودة اللاجئين إلى كاليه؟

ما الذي أدى بالأمور لأن تصل إلى هذا المستوى؟ وما هو واقع ووضع اللاجئين والمهاجرين في تلك المدينة الواقعة على الساحل الشمالي لفرنسا؟

حياة تحت المطر وهراوات الشرطة

يعيش في كاليه حوالي 800 مهاجر، وفقا لأرقام المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة.


الداخل إلى المدينة تستقبله مساحات خضراء شاسعة مشرفة على بقعة حضرية مترامية حتى مياه المحيط. الانطباع الأول عن المدينة مرتبط مباشرة ببردها، ليس المناخي فقط ولكن الإنساني أيضا. ففي خلال الأسبوع، بالكاد ترى أناسا يمشون في الشارع، أغلب المحلات مقفلة، لافتات "للبيع" تملؤ واجهات المباني، كل ما في المدينة يوحي بماض مزدهر بفعل أعمال الاستيراد والتصدير التي كانت تتم عبر الميناء، ولكنه تلاشى بفعل تقادم الزمن.

جماعات متفرقة تجدها على نواصي الطرقات والمفارق الرئيسية المؤدية إلى الطرق السريعة التي تأخذك باتجاه الميناء أو النفق المؤدي لبريطانيا. تجدهم يتحمسون عند رؤية شاحنة كبيرة، يتفحصونها لمعرفة إمكانية الصعود إليها لعبور النفق. لا تسلم حتى السيارات العادية من نظراتهم، يتحينون أي فرصة للعبور إلى "الجنة الإنكليزية".

يبيتون في الغابات المحيطة في كاليه أو على نواصي طرقات المدينة وتحت جسورها. أغلب أوقاتهم يقضونها في العراء تحت الشتاء، الظروف المناخية في المنطقة قاسية، مطر معظم الوقت، ثيابهم مبللة دائما، خيمهم غالبا ما تغرق بالأمطار، كل ما يحيط بهم يوحي بالبؤس.

التوتر في المدينة ظاهر، كل يوم تقريبا هناك مواجهات بين المهاجرين والشرطة.

فرنسا: تقرير يتهم الشرطة بالمبالغة باستخدام الغاز المسيل للدموع ضد المهاجرين

"يأتون (الشرطة) في ساعات الصباح الأولى أو في الليل، يرشونا بالغاز المسيل للدموع"، يقول سعد وهو مهاجر مصري مقيم في مخيم "لا فيروتيير" المحاذي للمدينة لمهاجر نيوز، "فجر اليوم هاجمونا، أخذوا خيامنا وأكياس النوم خاصتنا، لم نعد نملك شيئا سوى الملابس التي نلبسها الآن، أخذوا كل شيء".

منظمات إنسانية تسعى لتحسين أوضاع المهاجرين في كاليه

إريتريون وصوماليون وأفغان وسودانيون وآخرون كثر، جنسيات متنوعة تجدها بين هؤلاء الذين افترشوا الطرق بانتظار فرصة العبور إلى بريطانيا. لا يقومون بشيء خلال النهار سوى الترقب، معظمهم يقصد مراكز أقامتها الجمعيات الإنسانية خلال النهار للحصول على قسط من الدفء وربما لمبادلة أطراف الحديث مع مهاجرين آخرين أو متطوعين.

مركز النجدة الكاثوليكية الاجتماعي الذي افتتح مؤخرا، أحد تلك المراكز في كاليه، مساحة ضخمة مسورة بسياج ضخم وباب حديدي يفضي إلى ساحة المركز. يهدف المركز إلى تأمين مكان لاستقبال المهاجرين خلال الفترة النهارية. أنشطة متنوعة تحصل داخل المركز. هناك قاعة مخصصة لعرض الأفلام السينمائية، طاولتا بايبي فوت، مشغل خياطة صغير، زاوية مخصصة لتعليم الطباعة على الأقمشة، ورشة تدرب اللاجئين والمتطوعين على كيفية إطلاق "راديو" عبر الإنترنت...


أثناء دخولك للمركز تستقبلك نظرات المهاجرين واللاجئين بداية، نظرات استفهامية حول هويتك ومبررات دخولك إلى المركز. أحد المتطوعين في النجدة قال لمهاجر نيوز أن هذا طبيعي، "فبعد الوقت الطويل الذي أمضاه هؤلاء بانتظار حل لوضعهم، باتوا يشكون بأي كان إلى أن يثبت لهم العكس".

شارلوت، متطوعة مع جمعية "شباب لخدمة اللاجئين"، قالت لمهاجر نيوز إن "المهاجرين لا يقومون بشيء بتاتا خلال النهار وهذا يؤثر مباشرة على نفسيتهم، فضلا عن إحساسهم بالعجز واليأس عقب المواجهات الدائمة مع الشرطة. قد يكون أسوأ أعداء المهاجرين هنا هي العصابات الإجرامية والمافيا التي تحاول تجنيدهم".

قال العديد من سكان المنطقة لمهاجر نيوز وحتى المتطوعين في العمل الإنساني هناك أنهم يلاحظون عودة لنشاط المافيات والعصابات، خاصة الأفغانية. وقد سجلت مسبقا مواجهات دامية بين مجموعات من المهاجرين وصفها أحد المتطوعين مع النجدة الكاثوليكية بالمنظمة والتي تحمل بصمات العصابات.

فرنسا والاتحاد الأوروبي في قفص الاتهام.. جرائم ضد المهاجرين وانتهاكات لحقوقهم

لا تخفي شارلوت قلقها من قيام جهات متعددة باستغلال أوضاع هؤلاء اللاجئين وتجنيدهم للقيام بأنشطة غير قانونية، "مؤخرا بدأنا نسمع عن عودة المافيا الأفغانية إلى شوارع كاليه. كان هناك من قبل أنشطة إجرامية لبعض الأفغان، لا نعلم من أين جاؤوا أو ما إذا كانوا مواطنين فرنسيين أو إنكليز أو مهاجرين حتى. قاموا بمجموعة من الممارسات أثرت مباشرة على المهاجرين الأفغان وطريقة النظر إليهم". كانت المتطوعة تشير إلى أن عددا كبيرا من ملفات اللجوء الخاصة بمهاجرين أفغان تمت عرقلتها أو رفضها نتيجة الممارسات الإجرامية للمافيا الأفغانية.

وتنشط معظم العصابات الإجرامية في كاليه في أنشطة متنوعة لا تبدأ بالإتجار بالمخدرات والممنوعات ولا تنتهي بطبيعة الحال بتهريب البشر عبر الحدود.

 

للمزيد