الصورة عن حساب محمد الخالدي على فيس بوك
الصورة عن حساب محمد الخالدي على فيس بوك

احتلت المأكولات الشامية الشهيرة موائد عدد من المناسبات والفعاليات الفنية والثقافية والاجتماعية في العاصمة الفرنسية باريس، حيث تذوقت نخبة عوالم الأزياء والموضة والثقافة والسياسة منتجات المطبخ السوري، التي شكلت إضافة فاتنة على عالم يسعى إلى إبراز أوجه الإبداع والفن. كانت تلك الإبداعات الشامية من عمل محمد الخالدي، طباخ سوري كان في ما مضى مشهورا وناجحا في بلاده، قبل أن تجبره الحرب في سوريا على المغادرة مع عائلته بحثا عن الأمان والمستقبل الأفضل لأولاده.

عندما التقيت محمد الخالدي في أحد مقاهي شارع الشانزيليزيه الباريسي، وجدت أمامي رجلا متوسط القامة، صلب البنية، ذو نظرة ثاقبة تكشف عن خبرة كبيرة في التعامل مع الناس، واثق من نفسه، للوهلة الأولى لم أستطع الربط بين هذا الشخص أمامي وكل تلك الشهرة والإنجازات التي رافقت اسمه، سواء في سورا أم في فرنسا.

كان ذلك الشاب الدمشقي ذو الـ36 عاما يملك مطعما في أحد أحياء العاصمة السورية، إضافة إلى مجموعة من المشاريع الصغيرة المرتبطة بعالم المطاعم والخدمات نالت العديد من الجوائز المرتبطة بجودة المنتجات وحسن تطبيق الفكرة. كما كان يظهر على برامج طبخ على عدد من المحطات التلفزيونية، في سوريا وفي دبي، حتى أنه عام 2011 اشترى منزلا جديدا وكان يسعى لتوسيع أعماله مع ازدياد شهرته.


إلا أن كل ذلك تبدد وانقلبت حياة الطباخ الشاب رأسا على عقب مع اندلاع الأحداث في سوريا.


يقول محمد "كنا نسمع قصصا خطيرة ومرعبة... كنا نرى أشخاصا قتلى في الشوارع وأناس يغادرون منازلهم"، تدهور الأوضاع، وخوفه على عائلته دفعه إلى مغادرة دمشق عام 2012.


"كنا نعتقد أن الأزمة ستستمر لبضعة أيام، أشهر ربما، لكننا سنعود في النهاية"


يقول محمد "خلال شهر رمضان 2012، خرجنا من دمشق إلى بيت أهل زوجتي في منطقة البقاع في لبنان، فهي لبنانية الجنسية". جمعت العائلة الدمشقية حاجياتها الخاصة، إضافة إلى مبلغ 400 دولار أمريكي (هذا ما استطاع محمد سحبه من حسابه المصرفي في ذلك الوقت) وغادرت إلى لبنان. يضيف "أخذنا معنا حقيبة واحدة، فيها بعض الحاجيات الشخصية والثياب، والمجوهرات التي كنت اشتريتها لزوجتي... كنا نعتقد أن غيابنا لن يستمر سوى لأيام، لأشهر في أسوأ الحالات، كان ابني الأصغر، آدم، لم يتعد عمره الثلاثة أشهر".


بعد مرور 6 أشهر، قرر محمد أن يسافر إلى مصر ليجرب حظه هناك على أمل أن تنضم له عائلته لاحقا. إلا أن الرياح لم تسر بما تشتهيه سفن الطباخ الشاب، فبعد سلسلة من الانتكاسات المهنية، قرر محمد وزوجته أن يسافروا إلى أوروبا ويبدأوا حياة جديدة هناك.


"لم أكن أبحث سوى عن سلامة وأمن أطفالي"


اتصل محمد بأحد المهربين، ودفع له مبلغا من المال، انطلقت رحلتهم المصيرية من سواحل الإسكندرية، شاطئ ميامي، باتجاه الشواطئ الإيطالية. بعد رحلة في البحر استمرت 12 يوما، على متن قارب تهريب متهالك يحمل عددا أكبر من طاقته. في اليوم الـ12، لاقتهم دورية من خفر السواحل الإيطالي، حيث تم إنقاذهم.


 

يتذكر محمد تلك الرحلة بتفاصيلها، رعب الناس والخوف على الأولاد وهاجس السلامة والأمان، كلها أفكار ترد في سرده لأحداث الرحلة. "لم أكن أبحث سوى عن سلامة وأمن أطفالي" يقول محمد. "طبعا كأطفال لديهم الكثير من الأسئلة والمطالب، آدم كان يطلب مني طوال الطريق تفاحة، على المركب لا يوجد تفاح، كنت أبكي في كل مرة كنت أحس فيها بالعجز عن تلبية احتياجات أطفالي، لم يكن هناك سوى زوجتي، سندي الرئيسي، التي كانت تواسيني وتدعمني".


عندما يتكلم عن لحظة وصوله إلى إيطاليا، يبدو على محمد الامتنان للاستقبال الدافئ الذي تلقوه هناك، "كنا نبدو كالمشردين، كثيرون كانوا ينتظروننا على الشاطئ ليقدموا لنا يد المساعدة. رجل عجوز أعطانا كيسا من الطعام، في الكيس وجدت تفاحة أعطيتها مباشرة لآدم".


بعد رحلة طويلة من بلد أوروبي لآخر، وصلت العائلة السورية في النهاية إلى فرنسا حيث منحت حق اللجوء عام 2015.


في فرنسا، تم إسكانهم في مركز استقبال في مدينة سافيني سور أورج، على حدود باريس. في المركز، كان محمد يعطي دروسا في الطبخ لمجموعة من العاملين هناك، من ضمنهم عاملة اجتماعية تدعى كارول، "اتفقنا أن أعلمها الطبخ بالمقابل هي تعلمني الفرنسية".



العمل إلى جانب الطباخ الفرنسي الشهير ستيفان جيغو


أخبرته كارول عن منظمة تدعى "الطباخون المهاجرون"، وهي مبادرة أطلقها الفرنسيان لويس جاكو وسيباستيان برونيي، في محاولة منهما لتغيير النظرة النمطية لدى الباريسيين تجاه المهاجرين من خلال فنون الطبخ.


عام 2016، ومن خلال تلك المبادرة، وصل صيت محمد إلى منظمي مهرجان "طعام المهاجرين"، حيث شارك إلى جانب الطباخ الفرنسي الشهير ستيفان جيغو، وقام الاثنان بتقديم أطباق مزجت بين المطبخ التقليدي السوري والفرنسي.


لاحقا، شارك محمد خلال مناسبات عامة عدة لمؤسسات ومنظمات مرموقة كمتحف قصر طوكيو في باريس، حتى أنه قام بتحضير خلال أحد عروض الأزياء والموضة التي تنظمها شركة "كينزو" العالمية. كما قام بتحضير المأكولات الشامية الشهيرة خلال إحدى المناسبات التي نظمتها عمدة مدينة باريس آن هيدالغو لدعم المهاجرين.


"أكثر ما يرضيني هو رد الفعل الأولي من الناس تجاه الطعام الذي أقدمه، اللحظة التي يقولون فيها ممممممم".


"عودتي إلى سوريا حتمية وكنها الآن مستحيلة"


أولاده، آدم (6 سنوات) وزياد (10 سنوات) وعمر (13 سنة) يتحدثون الفرنسية بطلاقة. زوجته ضحى تأمل بالعودة إلى التعليم. أمه، التي لم يرها منذ سنوات، استطاعت الانضمام إليهم قبل بضعة أشهر.


يقول محمد "أريد أن أتعلم وأعرف عن فرنسا، أريد أن أشارك ثقافتي ومواهبي لأعيش بوئام وتناغم مع الناس الذين استقبلونا". ويضيف "لطالما كانت باريس حلمي. إنها مدينة الخدمات، المطبخ، عاصمة الضيافة، الأناقة، الأزياء".


إلا أن حلم العودة مازال يرافق محمد، "سوريا هي أمي، زوجتي، حبي الأول، لا أستطيع أن أصف لك ما تمثله سوريا بالنسبة لي... أوروبا لم تعوضني عن سوريا... عودتي حتمية ولكن الآن هي مستحيلة".


شريف بيبي