سواحل الأندلس التي تصل إليها قوارب المهاجرين من الجزائر. الصورة: FlickrCC
سواحل الأندلس التي تصل إليها قوارب المهاجرين من الجزائر. الصورة: FlickrCC

مثل آلاف الشباب الجزائريين، أراد رفيق وفؤاد الفرار من بلادهما عن طريق البحر من أجل حياة أفضل في أوروبا. وفي أحد أيام شهر تموز/يوليو من العام الماضي، صعدا على متن قارب صغير من بلدة مستغانم الساحلية. لكن لم ينج من رحلة العبور هذه سوى فؤاد.

غادر بلال الجزائر لمواصلة دراسته في روسيا منذ سنوات عدة. وبعد أن أنهى اختصاصه الجامعي، استقر في مدينة نانت الفرنسية. ورغم أنه تمكن أخيرا من الوصول إلى فرنسا، لكن الأمور كانت أكثر تعقيدا بالنسبة لأخويه الاثنين. في صيف العام الماضي، انطلق رفيق (31 عاما) وفؤاد (25 عاما) بعد أن سئموا الحياة في الجزائر، وركبوا قاربا باتجاه إسبانيا. بلال يروي لمهاجرنيوز شهادته:


في 8 تموز/يوليو 2021، صعد أخي الأكبر رفيق والأصغر فؤاد على متن قارب صغير في مستغانم [بلدة ساحلية في شمال غرب الجزائر] مع 17 شخصا آخرين. كانت الساعة الرابعة مساء. أبحروا في المياه لمدة ساعة آملين بالوصول إلى سواحل الأندلس. لكن محرك القارب تعطل، وبدأت المياه تتسرب إلى المركب والأمواج تعلو. أصيبت امرأة وطفلاها بالذعر. كانوا خائفين جدا من الغرق، فأعطاهم رفيق سترة النجاة.

للبقاء خارج المياه، تشبث شقيقي رفيق وفؤاد بعبوتي محروقات. لكن كان من الصعب للغاية التمسك بالعلبة، مع التيارات المائية… ومن ثم بدأ مزيج الوقود مع مياه البحر المالحة يؤذيهم بشدة. وفي لحظة، لم يتمكنوا من رؤية بعضهما.

رأى فؤاد قوارب أخرى في الأفق، فنادى طالبا النجدة لكن لم يتوقف أي منها باستثناء سفينة تجارية. انتشله الطاقم على سطح السفينة، لكنه استمر في إخبارهم بعدم الإبحار بعيدا لأنه كان يعتقد أن أخيه لم يكن بعيدا. بحثوا عنه لفترة طويلة لكنهم لم يجدوه.

خريطة توضيحية لمسار رحلات الهجرة من الجزائر إلى إسبانيا
خريطة توضيحية لمسار رحلات الهجرة من الجزائر إلى إسبانيا


لا يتذكر فؤاد تماما كم من الوقت استمر كل هذا. كل ما أعرفه هو أنه وصل إلى اليابسة في صباح اليوم التالي لمغادرتهم الساعة 10 صباحا.

في عام 2021، وصل حوالي 10 آلاف جزائري إلى الساحل الإسباني عن طريق البحر، بزيادة 20% عن العام السابق. القوارب الصغيرة التي يركبونها ليست مناسبة لهذا النوع من العبور. ونتيجة لذلك، فإن الحوادث تحدث باستمرار في المنطقة. في نهاية حزيران/يونيو، أكدت السلطات الإسبانية وفاة ثلاثة مهاجرين جزائريين، أثناء محاولتهم العبور إلى لجزر البليار من الجزائر، بعدما أبحروا على غير هدى لمدة ثمانية أيام.

للمزيد>>> وفاة 19 شخصا وفقدان خمسة آخرين قبالة السواحل الجزائرية

أعادت السفينة فؤاد أخيرا إلى الجزائر، واقتادته السلطات إلى مركز الشرطة في مستغانم. اتصل بي عنصر أعرفه ليخبرني بما حدث وبأن أخي رفيق مفقود. وكان عليّ إعلان ذلك لجميع أفراد الأسرة. لم أستطع الوصول إلى الجميع. كان الأمر صعبا للغاية، لم يكن من السهل العثور على الكلمات. ولأكون إلى جانب والدي، عدت على الفور إلى الجزائر.

"جرح كبير في قلوبنا"

رغم اختفاء رفيق، لم يتخل فؤاد عن فكرة الهجرة إلى أوروبا. لقد صُدم للغاية مما حدث له، لكنه قال إنه لا يوجد شيء يمكن القيام به في المدينة. هناك، قام بأعمال سباكة، وأحيانا أخرى في مخبز.

عليك حقا أن تعيش في الجزائر لكي تدرك الحياة اليومية في البلد. العمل نادر جدا، وحتى لو تمكنت من ذلك، فإن الأمر يستغرق 10 سنوات لشراء سيارة مثلا، والأجور منخفضة للغاية. لا يمكنك أن تفتح فمك لتنتقد وإلا فسوف تذهب مباشرة إلى السجن. إذا كان لديك المال، يمكنك البقاء على قيد الحياة، وإذا لم يكن لديك، فأنت ميت. كل شيء متوفر في هذا البلد، ولكن كل ما يفعله هو دفع شبابه في البحر.

في مقابلة سابقة مع مهاجرنيوز، قال نجيب سيدي موسى الدكتور في العلوم السياسية، "بالنسبة للأشخاص الذين ليس لديهم عمل، من الصعب جدا النجاة في الجزائر. ولكن حتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم عمل، فالحياة صعبة. في الجزائر لا يُحترم حق العمل كثيرا، والعامل مثل الطبيب، من الصعب أن يشعر بالتقدير. والتفكير بالمستقبل يكاد يكون مستحيلا".

توسلت إليه ألا يحاول العبور مرة أخرى. قلت له: لا ترحل، سأجد حلا. أخبرته أيضا أن أوروبا ليست جنة. وأن لدينا بالفعل جرحا كبيرا في قلوبنا. كفانا ألما. لكن لم يكن هناك شيء لفعله.

كان عازما على قرار المغادرة، قلت لنفسي لا بد من القيام بذلك في أفضل الظروف الممكنة. في كلتا الحالتين لن يستسلم. ذهبت لرؤية مهرب، ووافقت على دفع المزيد حتى يكون القارب أفضل. بلغت تكلفة الرحلة خمسة آلاف يورو.

حاول فؤاد العبور ثلاث مرات. في كل مرة، كان يعترضه خفر السواحل الجزائري في البحر. لكن في المحاولة الرابعة، وصل القارب إلى المياه الإسبانية، لكنه تعطل على بعد أميال قليلة من الشاطئ. نزل ركاب القارب الـ13 بهدف إكمال طريقهم إلى الشاطئ سباحة. كل هذا لم أكن أعرفه حتى اليوم التالي. أوقفت هاتفي، لم أرغب في معرفة ذلك. في ذلك اليوم، كانت والدتي حزينة للغاية لدرجة أنها دخلت المستشفى.

"لا أستطيع أن أبين له أنني حزين"

أخيرا، وصل فؤاد إلى فرنسا نهاية العام الماضي. كنت قد دفعت له تذاكر الحافلة من إسبانيا إلى فرنسا. اليوم، يعيش في نانت بالقرب مني. أراه كثيرا. وللتأكد من أنه بخير، أتحقق من وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به لأنه لا يتحدث كثيرا. إنه فتى خجول. عندما أشعر أن الأمور لا تسير على ما يرام، آخذه لتناول الغداء في مكان ما.

للمزيد>>> لماذا يفضل جزائريون الغرق في المتوسط على البقاء في بلدهم؟

أنا أبدو جيدا. لا أستطيع أن أبين له أنني حزين. شخص ما يجب أن يقاوم كل هذا. عمله يجعله يفكر في شيء آخر، فهو عامل توصيل طلبات في أوبر إيتس (Uber Eats). أحيانا أقوم بتدريبه قليلا على الألياف البصرية، هذه هي وظيفتي. إنه سعيد بحياته هنا، حتى لو لم يكن لديه أوراق. لقد ترك كل مشاكله في المنزل.

منذ عام 2009، تعاقب المادة 175 من قانون العقوبات على "جريمة الخروج غير القانوني" من الأراضي الجزائرية. وينص القانون على عقوبة بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 20 و60 ألف دينار للجزائريين والأجانب المقيمين الذين يحاولون مغادرة البلاد بدون جواز سفر أو تأشيرة.

مر عام تقريبا وما زلنا لم نسمع من رفيق. ذات مرة، رأينا أن حساب الفيسبوك الخاص به كان نشطا. لكننا لم نتلق أي رد على رسائلنا. أحيانا أعتقد أنه في السجن في إسبانيا. لقد سمعت شائعات حول هذا الموضوع. لكن لا أعرف. من الصعب للغاية أن أعتقد أنه على قيد الحياة يوما، وفي اليوم الآخر أنه فقد حياته. عندما أشعر أنني لست على مايرام، أحاول عدم التفكير في الأمر".