اللاجئ السوداني عبد الكريم السلام أخيراً. هو ابن بلدةٍ صغيرة اسمها "قشميط" تابعة لمنطقة "أنجكوتي" في السودان. سار عام 2003 على دروب الهجرة القسرية هرباً مما يصفه بـ "جحيم دارفور".
اللاجئ السوداني عبد الكريم السلام أخيراً. هو ابن بلدةٍ صغيرة اسمها "قشميط" تابعة لمنطقة "أنجكوتي" في السودان. سار عام 2003 على دروب الهجرة القسرية هرباً مما يصفه بـ "جحيم دارفور".

في الظاهر، ليس مُشرّداً تحت أحد جسور بيروت. لا يقضي يومياته في مخيم لجوء. لا يبدو ضعيفاً أو واهناً. يكافح؟ نعم. يُقاوم مآسي الحياة؟ صحيح... أين الخبر إذاً؟ في التفاصيل كل القصة.

"عبد الكريم"، لاجيء سوداني دفعت به ظروف الحياة إلى حيث اعتقدَ أن السماء ستؤمن له السلام أخيراً. هو ابن بلدةٍ صغيرة اسمها "قشميط" تابعة لمنطقة "أنجكوتي" في السودان. سار عام 2003 على دروب الهجرة القسرية هرباً مما يصفه بـ "جحيم دارفور". عائلته سقطت كاملة في قبضة "الجنجاويد". نُكّلَ بها كما بغيرها في إبادة جماعية يحكي التاريخُ الحديث أبشعَ فصولها. "عبد الكريم" عايش كل تلك المآسي ونجا وحيداً مع أقسى الذكريات وأصعبها على شاب بالكاد فتح عيونه على الحياة وتحدياتها.

المغامرة الأولى

من سبق وسمع بـ "قشميط" و "أنجيكوتي"، تكوّنت لديه صورة أولى. هنا ماضي إبادة لا يُمّحى. على مقربة من قشميط قرى عدة: جروكو، برنقا، كيجو، مهموم وديرو. عامذاك، أحرقت القرى هذه، دُمرت على من فيها. وثّق العالم الإبادةَ الجماعية المُسجلة على أرض دارفور، وبعدُ تحكي الوثائقيات قصص العذابات والموت.

لم يخطر ببال الشاب السوداني أن رحلة رعي الأغنام ذات "يوم أسود" ستنتهي به بالضرب بالسياط والعصي، ولا بالسَحِلِ أرضاً والربط بالحبال. لم يكن بباله -كما يروي لـ "مهاجر نيوز"- أنه لن يرى أسرته بعد اليوم أبداً. قتلت ميليشيا "الجنجاويد" عائلته. والده وأخوه وأخته. أهل أبيه وأمه بين مئات آلاف الضحايا.... ونال هو حصته من العذاب.

"بأعجوبة" نجا عبد الكريم من المجازر. "من مُعسكرات الإيواء أتيت إلى الخرطوم. هنا عملتُ في السوق وكسبتُ بعضَ المال، كما استطعت الاستحصال على هوية لي"، يقول. كانت تلك هي الخطوة الأولى الضرورية بنظره للخلاص من "جهنم السودان"، وقتذاك.

...أولى المحطات خارج السودان، كانت سوريا بما أتيح له من فرص للتهريب، وثانيها لبنان. على المسار الطويل هذا استوقفه رجال الأمن أكثر من مرة، وثمة من سأله: "أنت صغير إلى أين تذهب؟"، فكان جوابه: "أذهب في زيارة". رحلة لجوء أبقت اللاجئ السوداني هذا وحيداً يواجه بما أمكن، بما تيسّر، كما يروي لنا.

المغامرة الثانية... متواصلة

أخيراً وصل "عبد الكريم" إلى بيروت، إلى حيث اعتقد أن الحياة ستُقدّم له من الفرص ما يبقيه آمناً. بدأ العمل في غير مجال، القاسم المشترك بين كل الفرص المتاحة هو المشقّة والإرهاق. تراكمت المتاعب الجسدية بحكم طبيعة الأشغال والمهام الجسدية في النظافة ونقل الأثاث والبضاعة، لتترك عند اللاجىء السوداني إعاقة حركية، وآلاماً ازدادت يوماً بعد آخر، ولكن: "لا خيار لديّ. العمل مع الألم... أو الموت بلا لقمة خبز". خياره العمل، والعمل المتواصل.

...تضاعفت أوجاع "عبد الكريم"، حتى فقد تماماً طعم النوم والراحة ولو ليلاً، فاستدعت نقله إلى الطوارىء. "في المستشفى قال لي الطبيب إنني بحاجة لعملية جراحية كبيرة. ووجه لي الملامة على تأخري في إجرائها، وعلى استمراري في العمل".


لم يكن لدى الطبيب أدنى فكرة عن سبب تأجيل "عبد الكريم" عمليتَه الجراحية. من يعايش يومياته لحظة بلحظة ويوماً بيوم وبالكاد يؤمن قوته، تغدو صحتُه "ترفاً". يتحدث لنا الشاب السوداني والدمعة في عيونه. "إن اشتغلت تعيش يومك وتشتري خبز، وإذا لم تفعل، فعليك النوم جائعاً (...)".

عبد الكريم لاجئ سوداني في لبنان ..يكافح لحياة أفضل رغم سوء الأوضاع
عبد الكريم لاجئ سوداني في لبنان ..يكافح لحياة أفضل رغم سوء الأوضاع


مع تزايد الآلام، وإطاحتها بـ "عبد الكريم" في الفراش قسراً، لم يكن ثمة بديل من تأمين المال ولو بالاستدانة. بعد جهود مضنية، قام بها رفقةَ أصدقائه من السودانيين في لبنان، تمكّن من تأمين المبلغ المطلوب "في بلاد تكلفة الحياة فيها صعبة على أبنائها فكيف على اللاجئين إليها".

أجرى "عبد الكريم" عمليته الجراحية، مستديناً المال، فتراجع الألم، ولكن "ما كان سابقاً من عمل شاق يُفترض الآن أنه انتهى" بحكم صارمٍ من الطبيب. "لا مجال للمخاطرة بعد اليوم"، قال لي الطبيب، يحكي الشاب اللاجىء.

أسير في بلاد أسيرة

قبل العملية الجراحية الدقيقة في الظهر وأسفل البطن، ليس كما بعدها. المعادلة اختلفت. قصة المثابرة تبدّلت فصولها. لا مجال لرفع أوزان ثقيلة، ولا العمل لساعات طوال كما في السابق... فغدا بذلك "عبد الكريم" أشبه بأسير في بلاد لا يستطيع مغادرتها، ووطن لا يستطيع العودة إليه ولا يريد أساساً بفعل ما عايشه فيه. "أنا أسير في بلاد أسيرة بأزماتها، وأتت كورونا لتُكمل فصول القصة بما هو أكثر مأساوية".

يتعلم وطموحه كبير

بعد قضائه نحو سبع سنوات في لبنان، مهمة جديدة سعى الشاب السوداني الى إنجازها. يتطلع الى الهجرة "إلى أي مكان فيه أمن وحياة كريمة. في لبنان المعيشة صعبة جداً جداً. أموت كل يوم مرات ومرات"، يقول.

مهمة الهجرة قد لا تقل صعوبة ومرارة عما سبق من محطات في حياة "عبد الكريم"؛ سعى الشاب العشريني بدايةً مع المنظمات الدولية للهجرة فرفض طلبه. "الأولوية للسوريين تزامناً مع الأزمة السورية المتواصلة"، قالوا له. حاول ثانية، ومجدداً رفض طلبه، وهو اليوم يحاول ثالثة، علّه يتمكن من مغادرة لبنان. "لأجل كل ذلك، أنا أطالب المنظمات الدولية بقبول طلبي. أنا مظلوم، مظلوم كثيراً -يقول- خسرت عائلتي في الإبادة الجماعية والحريق".

شعور الظلم والحسرة لم يثنِ اللاجىء السوداني المكافح عن التعلم والسعي لكسب الوقت بدل السقوط ضحية الأيام وسوداويتها. تجده يمسك كتاباً وقلماً ويتعلم اللغة الإنجليزية، "لعلني أستطيع الهجرة أخيراً إلى أميركا". لا يفقد الأمل، يبقى مصراً على الكفاح، وهنا الفارق. "كثر ممن أعرفهم فقدوا الأمل أنا متمسك به وسأبقى... فلا أعرف إلى أين ستقودني الحياة، علي الاستعداد لكل الاحتمالات".