مقهى شيشة في قلب بوخارست، رمز لنجاح المهاجرين
مقهى شيشة في قلب بوخارست، رمز لنجاح المهاجرين

ليست كل قصص اللجوء سوداوية ومثيرة للحزن، ففي بوخارست التقى موفد مهاجر نيوز بمهاجرين يحملون جنسية رومانيا، ومهاجرين بصفة لاجئ لكنهم باتوا أثرياء، ولاجئين تخطوا الصعاب ولا يريدون فراق رومانيا.

بوخارست- الساعة الواحدة ظهرا وموعد اللقاء بارك رسمت ملامحه ألوان خريف بارد  ورُفعت على مدخله لافتة تعلن "يمنع دخول الكلاب". هنا التقى موفد مهاجر نيوز بمازن رفاعي، وهو مهاجر سوري، تجاوز مرحلة اللجوء وبات ناشطا وصحفياً يرعى شؤون اللاجئين ويساعدهم، بل كتب عنهم كتابا أسماه "وداعا يا وطن" وكأنه بهذا العنوان يعلن لنفسه قطيعة مع سوريا التي ولد فيها وغادرها قبل 19 عاما كما كشف في حواره لموقع مهاجر نيوز ولكن استدرك في وصف أوضاع اللاجئين بالقول "إنّ رومانيا طالما كانت بلد ترانزيت للاجئين والمهاجرين، فهي لم تكن قط جاذبة لهم لأسباب منها اقتصادية ومنها علم اللاجئ أنه لن يجد ما سيجده من عناية وادماج في المجتمع ومساعدات ومصادر عمل مربحة يجدها عادة في السويد وألمانيا تحديدا".

وفي تفسيره لوجود أكثر من 4 آلاف طالب لجوء وحماية ومهاجر موجودين في هذا البلد أشار مازن الى صعوبة الوصول الى رومانيا، لكنه علل تكاثر اللاجئين النسبي فيها الآن ببناء اليونان حاجزا قويا بينها وبين تركيا ما دفع بطالبي اللجوء الى سلوك سبيل البحر الأسود ليصلوا الى رومانيا منطلقين من شمال شرق تركيا عبر البحر الاسود إلى غالاكس شمال غرب رومانيا ومنها يعبرون الى هنغاريا، فيما يمر الخط الثاني عبر أوكرانيا بفيزا نظامية الى هذا البلد، ومنها يدخلون شمال رومانيا ويسيرون في مسار محاذٍ للحدود ليصلوا رومانيا فالنمسا.

مازن رفاعي، كاتب وصحفي وناشط في الدفاع عن حقوق اللاجئن

من مقيم دائم الى لاجئ بسبب سقوط الجواز!

رومانيا بهذا ليست بلد لجوء، ولا تغري المهاجرين وطالبي اللجوء بالبقاء فيها، وهذا سبب العدد القليل من اللاجئين فيها رغم سهولة وصولهم اليها، وبيّن مازن رفاعي أصناف اللاجئين في هذا البلد بالقول" هم أما قد جاءوا الى هنا للم الشمل مع أسرهم المقيمة في هذا البلد، أو أنهم مقيمون هنا منذ زمن طويل ولم يستطيعوا تجديد جوازات سفرهم الأصلية فاضطروا الى طلب اللجوء للحصول على إقامة، والنوع الثالث هو ممن تسللوا عبر رومانيا فألقي القبض عليهم، واضطروا بحكم الواقع أن يصبحوا لاجئين".

السوري محمد عزام الناجح في عمله بمقهاه الكبير الذي يتوسط بوخارست وتنتشر على رفوفه الاركيلات وسماورات الشاي التي تذكّر الزائر بالمقاهي الشرقية يمكن اعتباره نموذجاً للتوفيق، لكنه في نفس الوقت نموذجٌ للمهاجر حائر الهوية، فهو قد أقام في رومانيا منذ أكثر من 20 سنة وفتح فيها مقاهٍ ومطاعم ومحلات هذا المقهى أحدها، لكن منذ قيام الحرب في سوريا، لم يستطع تجديد جواز سفره، فاضطر إلى طلب اللجوء وحاز جواز سفر لاجئين وبات يشغّل لاجئين في محلاته وأشار إلى ذلك بالقول" أشغّل عندي 8 لاجئين في مختلف المحلات، وأعطيهم الأجر القانوني وأساعدهم على الحياة هنا، لكني لا أستطيع بالطبع أن أشغّل من لا يتقن أي صنعة، يجب أن يكون طباخا، أو عامل مقهي أو قصاباً أو خبازاً لأتمكن من تشغيله عندي أو عند غيري".

محمد عزام، من مقيم للعمل الى لاجيء بسبب الجواز السوري

أحب رومانيا بعد أن عمل فيها وأتقن لغتها ولا يريد مغادرتها.

وتمكن موفد مهاجر نيوز، أن يزور مطعما لصنع الفطائر يملكه محمد عزام، والتقى هناك باللاجئ السوري مصطفى منّان جلو وهو كردي من عفرين يبلغ من العمر 35 عاماً، ويعمل خبازاً للفطائر في هذا المكان. مضت على وجود مصطفى في رومانيا 4 أعوام وعن كيفية وصوله الى هنا يقول مصطفى" أبي كان مقيماً في رومانيا، وقد استخرج لي فيزا سياحية لزيارة هذا البلد، وبعد وصولي الى هذا المكان وتفاقم الحرب في سوريا، طلبت اللجوء هنا، ثم عملت مع أبي حتى توفي فبقيت وحدي، والحمد لله أني أمتلك بيدي حرفة صناعة المعجنات التي كانت مهنتي في سوريا، وهي التي ساعدتني في الحصول على عمل هنا" ودرس مصطفى في سوريا حتى الصف التاسع.

ويبدو أنّ العمل والمورد الوفير هو ليس السبب الوحيد الذي يدفع الناس الى الهجرة، بل إنّ بعضهم يرون في المناخ والحياة الاجتماعية السائدة، وطريقة التعامل مع الوافدين سببا يغري بالبقاء أو الرحيل، وهو ما حصل مع مصطفى منان والى ذلك أشار" ذهبت الى السويد وبقيت فيها فترة وحصلت على عمل جيد وفر لي موردا أكبر من موردي هنا، لكنّ الحياة في هذا البلد لم ترق لي ، فيما الحياة في رومانيا قريبة الى حياتنا في سوريا، ولا أشعر بالغربة في هذا البلد، وقد تعلمت لغة البلد دون دراسة بل من خلال العلاقات والصداقات والبرامج التلفزيونية".

"الاقامة الدائمة مرتبطة بالحصول على عمل ولا علاقة لها بإتقان اللغة"

وتحدد أصحاب الأعمال قوانين العمل، فلا يمنحون للعامل لديهم أكثر من 300 يورو شهرياً، لكن مصطفى يحصل على 1000 يورو في الشهر من مصادر عمل مختلفة، وهو مبلغ يكفيه مع والدته، دون أن يطلب أي مساعدات من الدولة. وأشاد مصطفى بصفات شعب رومانيا كاشفاً " أنّهم شعب صديق للغرباء، وليست لديهم نزعات عنصرية، وهذا هو الذي مكنني من البقاء هنا 4 سنوات، وأنا أسعى للحصول على الجنسية الرومانية".

مصطفى منان، لاجيء سوري مستقر في بوخارست ناجح في عمله ولا يشعر بغربة

ولدى سؤاله عن كيفية حصول المهاجر أو اللاجئ على جنسية هذا البلد قال مصطفى" بعد أن تمضي 4 سنوات، وأنت عامل ولديك دخل تحصل على إقامة دائمة لمدة 5 أعوام والحصول على اقامة دائمة لا يشترط فيه أتقان اللغة، بعدها يحق لك طلب الحصول على الجنسية، وهناك شروط منها معرفة التاريخ والجغرافية لهذا البلد، واتقان اللغة والنجاح في امتحانها، ثم تمنح لك الجنسية".

تعلم لغة البلد الذي يستقر فيه طالب اللجوء مسألة متفاوتة من شخص الى آخر ومن بلد الى آخر، وهكذا يجد المرء مهاجرين أمضوا سنوات طويلة في بلد المهجر ولم يتقنوا لغته، ما يعيق اندماجهم ويقلل فرص حصولهم على عمل، فيما يتمكن البعض الآخر من اتقان اللغة خلال أشهر ليتمكن من التعامل والعمل والعيش بشكل لائق، ومن هؤلاء مصطفى منان الذي كشف أنه قد أتقن اللغة خلال الأشهر الستة الأولى له في رومانيا.

و يتجه مصطفى منان الى الاستقرار في هذا البلد، وقد خطب فتاة من مدينة عفرين بسوريا، وهي مقيمة في تركيا ويسعى الى جلبها الى رومانيا عن طريق مبدأ لمّ الشمل أو عن طريق الأمم المتحدة.

ملهم الملائكة- بوخارست/ رومانيا

tter.�%��