على طريق الهجرة... حركات تضامنية مع المهاجرين في منطقة الألب الفرنسية
شاهدوا الحلقات

على طريق الهجرة... حركات تضامنية مع المهاجرين في منطقة الألب الفرنسية

شريف بيبي
من قبل في 06/08/2018
من لم يسمع بمنطقة جبال الألب وجمال طبيعتها الأخاذة. قرى وبلدات تنتشر على سفوح السلسلة الجبلية الشهيرة بطرازها المعماري المميز. كل ما يحيط بالمنطقة يوحي بالهدوء والسلام، إلا أن الممرات الجبلية بين الألب الفرنسية وشقيقتها الإيطالية تخفي تفاصيل سوداء من فصول أزمة تدفق المهاجرين على أوروبا. كيف وصل المهاجرون إلى تلك المنطقة وما هي المساعدة التي يتلقونها هناك؟
تأسس مركز "ريفيوج سوليدير" أو ملجأ التضامن مع اللاجئين  في بريانسون عام 2016. مهاجر نيوز
"ريفيوج سوليدير".. واحة تضامن مع المهاجرين في منطقة الألب الفرنسية
تأسس مركز "ريفيوج سوليدير" أو ملجأ التضامن مع اللاجئين في بريانسون عام 2016. مهاجر نيوز

لا تخفي مدينة بريانسون الفرنسية الحدودية مع إيطاليا جمال الطبيعة الخلابة المحيطة بها. هذه المدينة الواقعة على سفوح جبال الألب والمحاطة بالغابات الشاسعة تعتبر مقصدا رئيسيا لممارسي رياضة التزلج شتاء وتسلق الجبال صيفا.

تقع المدينة على شبكة ممرات جبلية معقدة تفصلها عن إيطاليا، لطالما استخدمت كنقاط وصل بين القرى الحدودية على الجهتين، إلا أنها اكتسبت شهرة كبيرة خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة في تسعينات القرن الماضي، حين تحولت إلى معبر للاجئين الهاربين من الحرب.

مع اندلاع أزمة تدفق المهاجرين إلى أوروبا، عادت تلك الممرات، خاصة ممري كول دو ليشيل ومون جينيفر، لتشكل مقصدا للمهاجرين. من تورينو الإيطالية، يتوجه المهاجرون إلى قرية باردونيتشيا، ثم يتسلقون ممر كول دو ليشيل قبل أن يصلوا إلى قرية نيفاشيه الحدودية مع فرنسا ومنها إلى بريانسون.

حركة التضامن مع المهاجرين في المنطقة كانت كبيرة، سكان نظموا أنفسهم لمساعدة المهاجرين الذين يعبرون الممرات، خاصة خلال فصل الشتاء مع انخفاض درجات الحرارة وتراكم الثلوج بشكل كبير.


مركز تضامن "تطوعي"

في المدينة الجبلية التي لا يزيد عدد سكانها عن 12 ألفا، يسعى عدد من الجمعيات لمساعدة المهاجرين القادمين إليها من إيطاليا. من تلك الجمعيات مركز أسسه مواطنون متطوعون، في مبادرة هدفت لإظهار تضامنهم مع المهاجرين.

تأسس مركز "ريفيوج سوليدير" أو ملجأ التضامن مع اللاجئين عام 2016 في بريانسون.

وصلنا إلى المركز، كنا نبحث عن أحد المتطوعين هناك، بونوا دوكوس. دخلنا من باب المركز لنجد أنفسنا في قاعة استقبال كبيرة نسبيا. حول الطاولة التي تتوسط الغرفة تتحلق مجموعة من المتطوعين والمهاجرين، أصوات أحاديثهم تتداخل، منهم من يضحك ومنهم من يتفحص أوراقا، لم يسألنا أحد من نحن أو لم نحن هنا، كانوا ينظرون إلينا يبتسمون وثم يتابعون ما يقومون به.

ندخل إلى المطبخ، ما زلنا نبحث عن بونوا، مهاجرون ومتطوعون فرنسيون يعدون طعام العشاء.

جمال، مهاجر من الكاميرون، كان منهمكا بتقطيع الخضار "هكذا أشعر بأني مفيد"، بهذه الجملة ابتدأ وأنهى حديثه معنا، فأمامه الكثير من العمل والوقت ضيق جدا.

في الساحة الخلفية مجموعة من المهاجرين الواصلين حديثا، تبدو عليهم ملامح التعب من الرحلة الطويلة التي خاضوها.

نعود إلى الداخل، متطوعون إضافة إلى مهاجرين يتنقلون من غرفة لأخرى، حاملين الطعام والأوراق والثياب المتسخة، الجميع يعرف ما عليه القيام به، خلية نحل دائمة العمل.

يتواجد في المركز اليوم نحو 60 مهاجرا، في وقت تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 15 شخصا.

مالين، شابة فرنسية متطوعة في المركز، قالت لمهاجر نيوز "العدد قد يزيد عن هذا بكثير، بعض المهاجرين يبيت هنا ولكن الكثيرين يأتون للحصول على الطعام وثم يعودون إلى مراكز أخرى".

إحدى الرسومات على جدران المركز الخارجية والتي تعبر عن إصرار المهاجرين على تحصيل حياة أفضل. مهاجر نيوز
"أريد أن أعيش بحرية وكرامة"
إحدى الرسومات على جدران المركز الخارجية والتي تعبر عن إصرار المهاجرين على تحصيل حياة أفضل. مهاجر نيوز

جورج، مهاجر من نيجيريا يبلغ من العمر 24 عاما، كان يقف بمحاذاة شباك غرفة الاستقبال، قال لمهاجر نيوز " أمضيت سنتين في إيطاليا، الأوضاع في المخيمات ومراكز اللجوء هناك سيئة للغاية. رفض طلب اللجوء الخاص بي هناك مرتين. بالمقارنة مع إيطاليا، الوضع هنا جيد جدا، ولكن لا أشعر بأن لدي فرص كثيرة للمستقبل، اللجوء هنا أيضا صعب جدا".

في هذه الأثناء، كان صوت رولاند، وهو مهاجر من غانا، يصدح في أرجاء المركز بأغنية على وزن موسيقى الريغي. "أريد أن أعيش" يقول رولاند لمهاجر نيوز، "لقد عبرت الصحراء ورأيت كثيرون يموتون خلال الرحلة. نجوت من السجون الليبية وهناك أيضا شهدت على موت الكثيرين. نجوت من رحلة المتوسط وبعدها إيطاليا ورحلة الممرات الجبلية الصعبة بين إيطاليا وفرنسا، ومع ذلك أشعر أن رحلتي لم تنته".

ويختم المهاجر الشاب "أريد أن أغني، أريد أن أصبح مشهورا، وأريد أن أعيش بحرية وكرامة".

"في ليبيا رائحة الموت في كل مكان"

نخرج من المركز إلى باحة مفروشة بالحصى. مهاجرون ومتطوعون يجلسون في أرجاء الباحة. في الوسط خمسة مهاجرين أفارقة يلعبون الورق. اقتربنا منهم وبدأنا الحديث مع أحدهم.

اسمي فالنتاين، وأنا قادم من الكاميرون. يسترسل الشاب المهاجر في سرد قصة رحلته حتى وصوله إلى إيطاليا ثم بريانسون في فرنسا. "أمضيت في إيطاليا مدة طويلة، قبل ذلك كنت في ليبيا. رفض لجوئي في إيطاليا، لم يكن أمامي أي خيار سوى متابعة الرحلة بحثا عن مكان أفضل".

تملأ الندوب وجه وأيدي المهاجر الشاب، "هذه الندوب التي ترونها علي لم تولد معي" يتحدث فالنتاين وقد بدأت علامات التوتر تظهر على وجهه، "هذه الندوب هي صورة عن ما عشته في ليبيا، هي ثمن عبوري ذلك الجحيم. في ليبيا يمكنك أن تشتم رائحة الموت في الهواء".

تكاد قصص المهاجرين في المركز كلها تتقاطع في التفاصيل، وجميعها تروي صعوبة الحياة في إيطاليا وجحيم المرور في ليبيا.

خدمات أساسية

إضافة إلى توفير المأوى والطعام، يسعى المتطوعون في المركز إلى إعلام المهاجرين بحقوقهم الأساسية، فأينما نظرت إلى جدران قاعة الاستقبال أو المطبخ ترى لوائح وقوائم بأرقام هواتف وتعليمات وبنود من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بالفرنسية والإنكليزية والعربية ولغات أخرى. هذا ويتولى متطوعون العمل على إيضاح كافة الحقوق والواجبات الرئيسية على الأراضي الفرنسية للمهاجرين.


ويعتبر المركز المساحة الوحيدة من نوعها في المدينة التي لا تتلقى مساعدات من الدولة.

ماريان، إحدى المتطوعات في المركز، قالت لمهاجر نيوز إن المركز "يعمل بفضل المتطوعين والتبرعات، إلا أن الحفاظ على استمراريته بات أصعب لشح الموارد وقلة أعداد المتطوعين القادمين للمساعدة".

وأضافت المتطوعة الشابة القادمة من باريس "منذ إغلاق طريق رويا، بات المهاجرون يستخدمون طريق بريانسون أكثر".

وتعتبر بريانسون ممرا بالنسبة للمهاجرين أو محطة خلال رحلتهم نحو برشلونة أو باريس.

رسالة من أحد المهاجرين الكاميرونيين يعبر فيها عن شكره لحسن الرعاية والاستقبال اللذان لاقاهما في المركز. مهاجر نيوز
"جريمة التضامن"
رسالة من أحد المهاجرين الكاميرونيين يعبر فيها عن شكره لحسن الرعاية والاستقبال اللذان لاقاهما في المركز. مهاجر نيوز

في اليوم التالي عدنا إلى المركز لنجد بونوا دوكوس، أحد أشهر المتطوعين العاملين مع المهاجرين هناك.

دوكوس، دليل رحلات جبلية ونجار، تصدر اسمه مؤخرا الصحف المحلية بعد أن أنقذ امرأة نيجيرية حامل وعائلتها، كانوا تائهين في الطرق الجبلية الثلجية بين فرنسا وإيطاليا.

نقل بونوا المرأة الحامل إلى المستشفى في بريانسون، حيث احتجزت الشرطة الزوج والولدين وأعادتهم إلى إيطاليا، وأدخلت هي إلى المستشفى.

تلقى بونوا مذكرة استدعاء من الشرطة بتهمة نقل أشخاص بطريقة غير شرعية إلى داخل الأراضي الفرنسية، تهمة ستجلب عليه، إذا ما أدين بها، عقوبة قد تصل إلى السجن حتى 5 سنوات وغرامة مالية تقدر بـ30 ألف يورو.

ووفقا للنجار المتطوع لمساعدة المهاجرين، "قامت السلطات بصياغة قانون مضاد للهجرة غير الشرعية والمهربين، وهي الآن تستخدمه ضد الناشطين والمتضامنين... الناشطون هنا يقولون إنهم متهمون بارتكاب ‘جريمة التضامن‘".

وحول جدوى التضامن يقول بونوا " لا حدود لدي للتضامن مع من هم بحاجة وخاصة المهاجرين. أنا مواطن وأعتبر أن التضامن والأخوة جزء من واجبي". ويذكر أن العشرات من الناشطين والمتضامنين تم استدعاؤهم خلال الأشهر القليلة الماضية إلا أنه لم يصدر أي حكم بحق أحد.


معظم المجتمع المحلي مساهم في عملية دعم المهاجرين. هناك أكثر من 50 متطوعا في المركز، وأطباء من المستشفى المحلية يقومون بزيارات يومية للمركز لمعاينة المهاجرين. كما أن المحلات والمطاعم أيضا تساهم من خلال التبرع بالمواد العينية والغذائية لصالح المهاجرين. هناك عائلات أيضا عرضت استضافة بعض المهاجرين لديها، وهناك متطوعون يجوبون الطرقات الجبلية بحثا عن مهاجرين تائهين.

"تهديد واستفزاز وعنف"

ولا ينكر بونوا أن السلطات تعتمد إخافة الناشطين لإجبارهم على عدم تكرار ما يقومون به تجاه المهاجرين. "سياسة السلطات استفزازية وتهديدية، هددوني بأنه لو تمت محاكمتي بتهمة إدخال المهاجرين، سيحركون دعوى أخرى ضدي فحواها أنني أعقت عمل السلطات أثناء تركيب هوائيات ضخمة وأعمدة كهرباء كبيرة كانت ستضر بالمنطقة والبيئة المحيطة بها".

وترصد الجمعيات والمنظمات في المنطقة عمليات عبور المهاجرين للمنطقة الجبلية الحدودية بين إيطاليا وفرنسا، وتنتقد بشكل دائم الانتهاكات التي يرتكبها عناصر الشرطة الفرنسية بحق المهاجرين. فهم غالبا ما يوقفوهم على الحدود، على الرغم من واجبهم لمنح المهاجرين الحماية، وخاصة القاصرين منهم.

أحد المهاجرين القادمين من نيجيريا يصف عنف الشرطة الفرنسية مع المهاجرين على الحدود. "وصلت هنا يوم الجمعة الماضي. كنت قد حاولت العبور يوم الخميس ولكن اكتشفت الشرطة الفرنسية مكاني وطاردوني على الطرقات الجبلية الوعرة، وتسببوا بوقوعي وإصابتي في قدمي الاثنين. في النهاية تمكنوا من إعادتي إلى باردونيتشيا". ويكمل المهاجر بنوع من الإصرار "إلا أنني في اليوم التالي، وعلى الرغم من إصابتي، أعدت الكرة ونجحت بالوصول إلى هذا المركز".

وكانت أحداث عنف الشرطة ضد المهاجرين قد تسببت بأزمة سياسية بين فرنسا وإيطاليا، حين قامت دورية من الشرطة الفرنسية بعبور الحدود مع إيطاليا لملاحقة أحد المهاجرين في آذار/مارس الماضي، حينها اقتحم عناصر الدورية مركزا لإيواء المهاجرين تابع لإحدى المنظمات غير الحكومية على الرغم من مناشدة المتطوعين في المركز لهم بعدم القيام بذلك.

وحسب تقرير لمنظمة "إنترسوس" غير الحكومية، فإن تصرفات الشرطة الفرنسية على الحدود مع إيطاليا إضافة إلى زيادة عدد الدوريات الحدودية، صعبت على المهاجرين عبور تلك المنطقة.

ووفقا للتقرير، فإن إعادة المهاجرين عبر الحدود إلى إيطاليا دون تمييز لعمر أو جنس أو حالة هؤلاء المهاجرين، ليست ممارسة محصورة بالشرطة الفرنسية، فقد تم رصد ممارسات مماثلة من قبل الشرطة النمساوية والسويسرية، كل هذا في وقت كان يجد بالشرطة أن تقدم المساعدة والحماية لهؤلاء المهاجرين.

لمشاهدة الحلقات الأخرى :
الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
نص: شريف بيبي
رئيسة التحرير: أمارة مخول
انفوغرافيك: فرانس ميديا موند