مهاجر نيوز

مهاجر نيوز

قصة مؤثرة لمهاجر مالي مر بجحيم الغيتوهات الليبية

من عبور الصحراء إلى الغيتوهات

شارلوت بواتيو
من قبل في 12/12/2017
تحول عيسى إلى "عبد" في ليبيا كما هو شأن الكثير من المهاجرين في ذلك البلد. ويوجد اليوم في فرنسا بعد نجاته من الجحيم، لكنه منهار جسديا ومعنويا. ولهذا قرر أن يفضح شبكات الاتجار في البشر، ويشرح لمهاجر نيوز كيف تشتغل إحدى هذه الشبكات.
رويترز
"الخطر يأتي من النيجر"
رويترز

معظم عباراته تسمع بصعوبة. لقد كانت تقطع من حين لآخر بنحيب وهو يتلفظ بها مع تنهدات تعكس ما يعانيه حتى اليوم من ألم جسدي شديد. وإن كان عمره لا يتجاوز 16 عاما، إلا أن جسده يحمل الكثير من آثار العنف.

يتنقل بنظره بين آثار العنف على جسده المتهالك وهو جالس على سرير بمستشفى "بيتيي سالبيتريير" في باريس، "هنا تم حرقي بالسجائر"، يفسر عيسى مشيرا إلى ندب على ساعده. "هنا عذبوني بالصعق الكهربائي"، يضيف أيضا وهو يشير إلى كتفه، "هنا تم ضربي بأنابيب مطاطية على الرجلين. ركبتي تضررت كثيرا. وأجد صعوبة في الجلوس أرضا.

تدمع عينا عيسى "قليلا"، لكن الدموع تأبى الانهمار.

لا يتحدث عيسى فقط عن عذاباته مع الألم، وإنما كذلك عن "الشبكة"، "الأشخاص السيئين". "لقد أردت الحديث إليكم لأنه حان الوقت للغضب". عيسى يريد اليوم "فضح" مستعبدي المهاجرين الذين باعوه من أجل بضعة مئات من الدولارات. ويحذر من يحلمون بالفردوس الأوروبي أنه "بمجرد ما تقررون الذهاب، تكونون تعرضتم للبيع". و"الخطر لا يأتي فقط من ليبيا وإنما من النيجر أيضا".


تعد النيجر ممرا ضروريا للمهاجرين المتحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء، الذين يريدون عبور الصحراء في اتجاه أوروبا. في أغاديز، آخر مدينة في النيجر قبل عبور الحدود، والتي تعتبر أحد معاقل تجار البشر في المنطقة، يوهم المهربون المهاجرين بأنهم سينقلونهم حتى سواحل المتوسط لعبور البحر.

لكن في حقيقة الأمر يقومون بنقلهم إلى ليبيا لدى مهربين باعوهم إليهم سلفا. "عندما تكونون في أغاديز، يأتي مهربون للبحث عنكم في شاحنات صغيرة لاجتياز الصحراء، إلا أن ما لا تعلمونه هو ما الذي يمكن أن يحصل لكم، وعندما تكتشفون الورطة، يكون الوقت متأخرا"، يقول عيسى.

لم يكن يعلم أي شيء عن استعباد المهاجرين. ففي 2016 "موضوع المهاجرين العبيد كان مجرد إشاعات منتشرة لكن كان من الصعب التأكد منها". عندما سافر "من أجل حياة أفضل في أوروبا"، كان يحذر من المهربين وليس مستعبدي البشر. "عندما نسمع هذه الإشاعات، لا نصدق كثيرا. كيف تريدون أن نشك؟ بيع البشر كان يبدو مسألة سخيفة جدا".

سافر عيسى وحيدا، "من باماكو، ذهبت إلى أرليت في النيجر". على طريق الهجرة التقى بمهاجرين غينيين تعرضا بدورهما للبيع كالعبيد، "أخبراني أنهما يعرفان شخصا للهجرة إلى أوروبا. لكن من الضروري الذهاب إلى أغاديز، باعتبار أنه الطريق الأقصر للتوجه إلى ليبيا. لا هما ولا أنا التزمنا الحذر".

التقوا في أغاديز بالمهرب الذي كان مستعدا لأن يعبر بهم صحراء تينيري، "كنا خائفين. كنا نعرف أن سائقي الشاحنات الصغيرة يمكن لهم أن يتركونا في عمق الصحراء تحت حرارة جهنمية".

لكن أي منهم لم يكن يعلم أنه مجرد سلعة بصدد تسليمها لأصحابها.

رويترز
"أفارقة ببشرة سوداء اللون يبيعونك إلى الليبيين"
رويترز

يتذكر عيسى الكثير من تفاصيل رحلته الشاقة مع الهجرة. يستحضر حتى الكلمات التي وردت ضمن العبارات التي تبادلها مع المهربين... "قلت مع نفسي أنه يجب أن أتذكر كل شيء، لأنه يجب أن أحكي يوما كل ما رأيت. نعرف كيف تمر رحلات المهاجرين عادة، لأننا نتبادل المعلومات، ونحذر بعضنا البعض من الأخطار..."، لكن لم يخطر بباله أنه سيكون يوما سلعة في أسواق النخاسة.

اكتشف عيسى أن تهريب البشر منظم. المهربون الذين يرصدون المهاجرين انطلاقا من النيجر يطلق عليهم لقب "كوكسور"، وهم وسطاء يعملون لحساب مستعبدي البشر، أي زعماء شبكات وكلهم ليبيون بلون بشرة فاتح عموما. "المهاجرون الأفارقة يثقون أكثر في المهربين السود. ويكونون حذرين بشكل أقل"، يشير عيسى. "الليبيون يلجأون إلى هؤلاء الوسطاء حتى نقع في فخهم فيما بعد، إنهم "وسطاء من ساحل العاج، الكاميرون، غينيا...إنهم أشقاؤنا".


رويترز
"تدعو الله حتى لا يتم نقلك إلى غيتوهات بني وليد أو مصراتة"
رويترز

عندما وصل عيسى إلى القطرون، المدينة الأولى في الصحراء الليبية، لم يشك في أن "مالكه" كان يوجد في انتظاره. "ارتحنا في منزل عقب رحلة دامت 20 ساعة. وكان يجب أن نتوجه في وقت لاحق إلى صبراتة حتى نعبر بعدها إلى المتوسط. فجأة دخل ليبي إلى المنزل. "‘كوكسور‘، أو الوسيط، اختارنا ضمن مجموعة للتوجه إلى سبها".

تبعد سبها عن طرابلس أكثر من 600 كلم، وهي معروفة باحتوائها على مراكز للاتجار في البشر. "ساد التوتر وسط المهاجرين، وبدأوا يحتجون على أنهم دفعوا المال للذهاب للبحر للعبور نحو أوروبا. لكن مسلحين انهالوا علينا بالضرب حتى نلتزم الصمت. وفي اليوم الموالي لهذا الحادث، تم نقلنا على متن شاحنة إلى غيتو".

"الغيتوهات" هي عبارة عن سجون في المدينة وسط السكان، حيث يتكدس المئات من المهاجرين. انطلاقا من هذه الأماكن تفرض الأعمال الشاقة عليهم، ويتم بيعهم وتقديمهم كعبيد. وهنا أيضا تعرض المهاجرون للتعذيب.

حسب الكثير من الشهادات، ليبيا تحتوي على عشرات الغيتوهات ذات السمعة السيئة بمستويات مختلفة. "يجب أن تشكر الله أنك تباع في غيتو في سبها أو الزاوية. وليس في غيتوهات بني وليد أو مصراتة"، يبوح عيسى.


بالنسبة لساكي، وهو مهاجر كاميروني أكبر سنا من عيسى، غيتو القطرون الذي يطلق عليه "في إي بي غيتو"، هو الأكثر خطرا على المهاجرين. "هناك لا يمكن لك أن تحصل على مساعدة. يوجد الغيتو في وسط المدينة، ورغم ذلك لا يمكن لأي شخص أن يقدم لك يد المساعدة"، يتابع هذا المهاجر الشاب الذي يوجد في الوقت الحالي في الجزائر. وعيسى وساكي لا يعرفان بعضهما البعض، لكن كلاهما مرا بغيتو سبها واستعرضا نفس المعلومات ونفس التفاصيل.

تناقص وزن عيسى بشكل كبير خلال 29 يوما من الاحتجاز في سبها حتى وصل إلى 45 كلغ. يحرم المحتجزون في الغيتو من الكلام، الأكل، الماء والأدوية. "يجب أن تكون في صحة جيدة. المهاجرون الذين يصلون إلى مركز الاحتجاز مرضى يموتون بعد أقل من أسبوع..." عيسى يذكر أنه صادف شخصا في المركز، يحمل ملابس ملطخة الدماء، "كان وصل للتو، طالب بالأدوية. كان يتغوط الدم. لكن لم يعالجونه. بعد أيام قليلة رأيت جثته في كيس بلاستيكي، تعرفت عليه لأنه ظل يحمل نفس السروال".

في مراكز الاحتجاز، كل شيء يتم التفاوض بشأنه مع "غيتو بوص" أو زعماء الغيتو، هم أيضا عبيد يتم اختيارهم لاضطهاد المهاجرين الآخرين. ويفسر ساكي أن زعماء الغيتو كثر: البعض منهم يسير المراحيض، آخرون دورهم الوحيد هو الضرب، "يقومون بهذه الأفعال لتفادي التعرض للضرب، ونيل الامتيازات من العربي".

ويقصد بـ"العربي" سيد المكان، المدعو علي، "وهو الرجل الذي يسير كل شيء إلا أننا لا نراه أبدا، يحكى الكثير حوله، زعماء الغيتوهات قالوا لنا إن شقيقه كان أحد الحراس الشخصيين للقذافي"، يقول ساكي. "كان يعرج أثناء المشي"، يتذكر بدوره عيسى. "لم يكن يضربنا ولم يكن يتحدث إلينا، كان يعطي الأوامر لزعماء الغيتو. لم يكن الليبيون يضربون المهاجرين إلا في حالات قليلة. من الأفضل أن تتعرض للضرب من قبل أفارقة. إن تعرضت للضرب من قبل ليبيين سيقتلونك".

رويترز
الهروب...لكن إلى أين؟
رويترز

أثار عيسى عطف أحد زعماء الغيتو الملقب بـ"أوبان" نظرا لتأثر صحته بظروف الاحتجاز. لقد أصبح هزيل الجسم ومهددا بالتعرض للكثير من الأخطار. "كان طيبا معي"، يذكر عيسى علاقته مع "أوبان". "كان يمدني بالقليل من الطعام. ويضربني أقل من الآخرين. وعندما كنا نخرج في الصباح للمشاركة في الأعمال المفروضة علينا، لم أكن أخشى من التعرض للخطف وللبيع مرة ثانية. كان هذا يحدث في بعض المرات. قد تتعرض للخطف من قبل مهرب آخر، فيبيعك في مكان أبعد من الذي كنت تتواجد فيه. أنا كنت محميا من قبل أوبان".

لكن حارسين، الأول من التوغو والثاني من بينين كانا قاسيين مع المهاجرين. "كان دورهما هو التعذيب، يقومان بتقييدك وضربك على اليدين والرجلين وعلى العضلة الخلفية للفخذ". لا يثير الصراخ انتباه أي من الجيران في العمارات المجاورة. "في بعض الأحيان، عندما ترفع رأسك وأنت تتعرض للضرب، تشاهد جيران يطلون عليك من شرفة منزلهم"، يقول عيسى. من جانبه يذكر الكاميروني ساكي أنه "حتى لا يرى الجيران أي شيء، كانوا ينتظرون قدوم الليل كي ينقلون الجثث إلى الصحراء للتخلص منها".

عيسى يتيم الأبوين، وصغر سنه وهزالة جسده لا يمكناه من العمل حتى يدفع ثمن خروجه من السجن. لكن يجب أن يعمل في كل الأحوال. الغيتوهات تعرض اليد العاملة للمهاجرين للاستغلال. "إن كنت قوي البنية، يتم أخذك للعمل في الحقول، يمكن أن تشتغل في سرقة الحديد، فهو يعادل الذهب في ليبيا. أنا كنت هزيل الجسد، عملت في البناء، كان عمل يتطلب جهدا جسديا أقل".

تسلك الغيتوهات نظاما إداريا مضبوطا عكس ما يمكن أن يتخيله المرء. لكل "عبد"، أي مهاجر، ورقته الخاصة: اسمه، عمره، وجنسيته. وكل ذلك مكتوب في سجل. الخرجات، الوفيات..."في بعض الأحيان، تحصل مراقبة داخل مركز الاحتجاز لجميع المهاجرين بالمناداة عليهم بأسمائهم الواحد تلو الآخر. عندما يحضر العربي يكون الأمر مخيفا"، يعود عيسى بذاكرته إلى الوراء. "يتم تجميع كل المهاجرين في قاعة واحدة، وينادى علينا بأسمائنا، المهاجر تلو الآخر. يتحققون من ثمنك على السجل. إن كانت أسرتك منحتهم المال، ولو القليل منه، لا تتعرض لأي شيء. وإن لم تدفع، يضربونك أمام الجميع. العربي ليس له قوة جسدية تسمح له بذلك. لكن في بعض الأحيان يعرض المهاجرين للصعق الكهربائي على ألسنتهم".

في يناير/كانون الثاني، نجح عيسى في استغلال لحظة شرود حراس السجن للفرار. "كنت بصدد العمل خارج الغيتو. وجدت نفسي وحيدا خلال دقيقة، انتهزتها للهروب. جريت مطولا". زعماء الغيتوهات، أو ما يطلق عليهم "غيتو بوص" لم يلاحقوه. لربما لكون اليد العاملة من المهاجرين المستعبدين متوفرة، فرار أحدهم لا يستحق الملاحقة. التجأ عيسى لحي آخر في سبها لدى وسيط آخر "كوكسير" يثق فيه، اسمه الحسن.

"لم يبلغ عني، احتفظ بي، كان يلزمني ستة أشهر حتى أستعيد قوتي"، يقول عيسى. والاحتفاظ به من قبل هذا الوسيط كان بهدف العمل فيما بعد، حتى يدفع له باقي ثمن رحلته نحو أوروبا.

لماذا لم يفر عيسى من سبها؟ سؤال يثير استغرابه. "الفرار؟ إلى أين؟ إن خرجت أي شخص آخر يمكن أن يحتجزك ويعيد بيعك"، يذكر عيسى. "حريتك تكسبها بتقربك من أحد الوسطاء. يجب أن تجد مهرب فعال. حياتك رهينة بشبكة معارفك من الوسطاء وفعاليتها في حمايتك. لقد كنت سلعة الحسن قبل وصولي إلى صبراتة. كان أفضل بالنسبة لي، لأن سلعته لا تمس".

أرسل عيسى إلى صبراتة، ونجح بعد أسابيع في عبور المتوسط قبل أن يعترضه حرس السواحل الإيطالية. يوجد اليوم في فرنسا، حيث يرغب في تقديم طلب اللجوء.


*استعملت أسماء مستعارة حفاظا على حياة المهاجرين

الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
نص: شارلوت بواتيو
مديرتا التحرير: أمارة مخول، ماري فالا
اقتباس: بوعلام غبشي