يجبر المهاجرون في ليبيا على قيادة القوارب بينما ينتظرهم السجن في إيطاليا
يجبر المهاجرون في ليبيا على قيادة القوارب بينما ينتظرهم السجن في إيطاليا

تصل عقوبة جريمة "الإتجار بالبشر" في إيطاليا إلى السجن 15 عاما وغرامات مالية عالية، لكن عادةً ما يتم القبض على المهاجرين وحبسهم، رغم أنهم يؤكدون على أنهم أجبروا على عبور البحر المتوسط من قبل العصابات الليبية التي تفلت من العقاب.

"وضعوا البندقية على رأسي وسألوني: (هل تريد المتابعة؟ نعم أم لا؟)، ماذا يمكنني أن أفعل؟ إذا قلت لا، سيطلقون النار عليّ ويرمونني في البحر. كانت حياتي ستنتهي هناك، وضعوا البندقية هنا، فاضطررت للمغادرة"، هذا ما قاله المهاجر السنغالي، عبده فاي، وهو يشير إلى موضع البندقية على رأسه، وأصابعه على شكل مسدس.

منذ أبريل/ نيسان 2015 وحتى بداية أغسطس/ آب، كان فاي يقضي فترة السجن ثم الإقامة الجبرية في جزيرة صقلية الإيطالية، بتهمة كونه "سكافيستا"، وهو الاسم الذي يطلق على من يتاجر بالبشر، أفاد فاي بذلك في فيديو نشر على موقع ""Spiegel Online" بالتعاون مع مركز الصحافيين الأوروبي (EJC) ، ويقول باللغة الإيطالية الصقلية، إنه مثل جميع المهاجرين الآخرين، أجبر على ركوب البحر من أجل الوصول إلى الشواطئ الإيطالية، ويضيف "هذا ليس عدلاً، في اليوم الأول في إيطاليا، تم إلقاء القبض عليّ بينما بقي الآخرون أحرارا".

22

القصة عند العصابات الليبية المسلحة

هذه القصص تتكرر كثيرا ويحاول أحد القضاة في باليرمو أن يدعم أصحاب هذه الأقوال، ويقول القاضي جيجي عمر موديكا في مقابلة مع راديو راديكال في كانون الأول/ ديسمبر 2016: "غالباً ما أجبرت العصابات المسلحة الليبية هؤلاء المهاجرين على العبور بالقوارب"، هذه الأقول ربما ساهمت قليلاً في تغيير نظرة بعض الناس لهذه الجريمة والنظر إلى الظروف التي أدت إليها، ويقول موديكا إن هؤلاء الرجال هم في العادة ضحايا، لكن إذا مات الناس في البحر تتضاعف عقوبتهم المحتملة لأنهم متهمون بعمليات قتل متعددة.

وفقا لـ"شبيغل أونلاين"، حكم على فاي نفسه بالسجن 3 سنوات و4 أشهر وغرامة 800 ألف يورو، حيث حكم القضاء الإيطالي بمبلغ 15 ألف يورو لكل شخص يتم تهريبه من قبل أولئك المتهمين بالإتجار بالبشر. لن يتمكن فاي من سداد البملغ أبدا، ومنذ آب/ أغسطس 2017، تم نقله بطلب محاميه إلى منظمة، تيرا فيفا/ Terra Viva، بالقرب من كاتانيا، حيث قضى بقية عقوبته. وبعد إنهائه فترة العقوبة تلقى فاي إخطاراً بترحيله في آب/ أغسطس من هذا العام.

33

الإقامة الجبرية

يتم إدارة منظمة Terra Viva من قبل غوسيبيه ماسينا، الذي يصف عمله كنوع من الاتصال الديني، ويقول "فاي ليس سكافيستا الوحيد الذي يعيش هنا"، حيث يقضي هؤلاء بقية محكوميتهم في أعمال  بناء الجدران، والزراعة وبيع الخضروات في نهاية الأسبوع، ويلتحق السجناء والمقيمون لدى المنظمة بدورات تعليم الإيطالية، كما يتعلمون الطهي والعيش جنباً إلى جنب مع الآخرين الذين تم تهميشهم من قبل المجتمع، إما بسبب الإعاقة أو بسبب الجرائم المرتكبة.

في عام 2016 ، تم تهريب 2,5 مليون مهاجر على الأقل في جميع أنحاء العالم، وفقاً لدراسة أجراها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في يونيو/ حزيران 2018. ويقدر التقرير أن التهريب يدر دخلاً يصل إلى 7 مليارات دولار أمريكي؛ وهو مبلغ يعادل ما أنفقته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعة على المساعدات الإنسانية العالمية عام 2016.

يقول جان لوك ليماهيو، مدير تحليل السياسات والشؤون العامة في مكتب الأمم المتحدة "تتورط في هذه الجريمة الفئات الفقيرة الأكثر ضعفاً، ومكافحتها تتطلب عملاً عالمياً". لكن السؤال هل يعتبر سجن قائدي هذه القوارب من المهاجرين خطوة على طريق حل المشكلة؟

44

ضحايا أم جناة؟

القاضي موديكا يشرح أن "هؤلاء الأشخاص هم عادة ضحايا النظام القانوني، ويصعب إثبات صحة الإفادات، من المؤكد أن كل حالة تختلف عن الأخرى، لكن كيف يمكن للقاضي أن يحصل على شهادات موثوقة من ليبيا وهي منطقة لا تزال في حالة حرب؟"، ويعترف موديكا ان بعض المهاجرين يقبلون أن يقوموا بقيادة القوارب في البحر مقابل العبور بشكل مجاني، لكن في كثير من الأوقات يقومون بذلك، كما يقول فاي، تحت تهديد السلاح.

عندما أُلقي القبض على فاي، ذكرت الصحف المحلية في صقلية أنه أُلقي القبض عليه بسبب إفادات الشهود الآخرين من المهاجرين الذين كانوا على متن القوارب المطاطية، كذلك بسبب وجود صور التقطت للقوارب تدل على أنه كان يقود القارب، لكن فاي يؤكد أنه لم يسبق له ان قاد قاربا قبل تلك المرة، ويقول "الليبيون أجبروني على فعل ذلك، لقد أنقذت حياتي، وأنقذت حياة الآخرين أيضا، لكنني الآن أقبع في السجن والآخرون أحرار، هذا خطأ".

كارلو باريني هو ضابط شرطة في صقلية شارك في العديد من عمليات إنقاذ قوارب المهاجرين على مدى سنوات. أوضح لـ"Spiegel Online" أن تحقيقات الشرطة تستند إلى الصور الأولية لكيفية توزيع المهاجرين في القارب. ثم يقومون بالتحقق من بلدانهم الأصلية، ثم يقومون بالتحقق من الأشخاص الذين قد يكون لديهم هاتف SAT أو جهاز تحديد المواقع GPS، وأخيراً يطلبون من المهاجرين الآخرين محاولة التعرف على هوية المهربين والذين قاموا بقيادة السفينة.

أبطال أم متعاونون مع المهربين؟

يوافق باريني على أن "القصص التي يرويها المهاجرين تتطابق وتتشارك تفاصيلها بأن المهربين الليبيين يرافقون القوارب إلى حدود المياه الإقليمية، ثم يتركونهم لإنهاء الرحلة بمفردهم في المياه الدولية، ويعودون على متن زورق ثان إلى الشواطئ الليبية"، ويذهب الضابط باريني إلى أبعد من ذلك ويقول "لا يبدو أن معظم هؤلاء الأفراد الذين قاموا بقيادة القوارب كانوا جزءا من منظمات التهريب، في الواقع معظمهم فعلوا ذلك من أجل البقاء على قيد الحياة والحفاظ على سلامتهم، حتى أنه لا يبدو أنهم يتلقون مقابلا ماديا، لقد فعلوا ذلك لتجنب الغرق، ويمكن القول إن ما قاموا به عمل "بطولي" حيث تمكنوا من التغلب على الصعوبات التي واجهتهم".

55

بينما يشير القاضي موديكا إلى أن "المادة 54 من قانون العقوبات الإيطالي تنص على أنه "لا يمكن معاقبة شخص أجبر على فعل شيء لإنقاذ نفسه أو إنقاذ الآخرين"، طبعاً هناك صعوبة عند جمع الأدلة للتأكد من أن القصص التي يرويها المهاجرون حقيقية أم أنهم أجبروا على قولها كذلك".

وتشير دراسة مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن بعض المهاجرين الذين تم تهريبهم بنجاح أصبحوا مهرّبين بأنفسهم، وخلصت الدراسة إلى أنه لمكافحة الجريمة، يتعين على البلدان أن تأخذ في الاعتبار العوامل التي ساهمت في هذا خلق الوضع، وتقول الدراسة "إنهم بحاجة إلى خلق المزيد من فرص الهجرة العادية، وبالتالي تقليل الفرص المتاحة للمهربين للربح من الأشخاص الذين لا يرون أي خيار آخر".

سياسة جديدة

منذ تولي الحكومة الجديدة السلطة في روما في حزيران/ يونيو 2018، تغيرت السياسة تجاه المهاجرين، إذ بدأت إيطاليا بإغلاق موانئها أمام سفن المنظمات غير الحكومية مثل أكواريوس/ Acquarius  التي تنقذ المهاجرين على الرغم من أن خفر السواحل الإيطالي مستمر في إنقاذ المهاجرين. 

في بث مباشر على فيسبوك في حزيران/ يونيو 2018 ، قال وزير الداخلية الإيطالي ونائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني الذي ينتمي لحزب رابطة الشمال اليميني الشعبوي المناهض للهجرة واللاجئين، "إذا كنت ترغب في قطع أعمال تهريب الأشخاص غير الشرعيين ووقف المهربين المثيرين للاشمئزاز، الذين لن أعرّفهم حتى كبشر، فعليك أن تسقطهم بالقوة. لأن هؤلاء يعرضون حياة الأفارقة والإيطاليين للخطر في هذه العملية"، كما انتقد سالفيني المنظمات غير الحكومية العاملة في البحر المتوسط واتهمها بلعرقلة عمل خفر السواحل الإيطالي والليبي، وقال "على الدولة أن تأخذ زمام المبادرة كدولة، وأن تستعيد الحدود هيبتها" وكرر تأكيده على أن سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية تساعد بشكل أساسي المهربين، وتعمل كسيارات أجرة، وإن إيطاليا لن تكون بعد الآن "مخيما للاجئين" بحكم الأمر الواقع.

66

لم تُفرج السلطات الإيطالية بعد عن بيانات ملموسة حول من يقف وراء آلاف الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​على قوارب مطاطيةـ لكن على ما يبدو أنه على الرغم من الحديث عن تشديد الرقابة وقطع طرق التهريب، فإن العقل المدبر الذي يقوم بإرسال الناس إلى البحر يستغل "يأسهم" كما يصفه القاضي موديكا، ويدفعهم للتشبث بقارب مطاطي على أمل الوصول إلى أوروبا، هؤلاء لا يزالون طلقاء، بينما يوضع أشخاص مثل فاي بالسجن في جزيرة صقلية، والقوارب لا تزال تخرج من الشواطئ الليبية.

 إيما واليس/ راما الجرمقاني

 

للمزيد