مركز تقييم المهاجرين القاصرين في باريس/مهاجرنيوز
مركز تقييم المهاجرين القاصرين في باريس/مهاجرنيوز

يتولى الصليب الأحمر في باريس مهمة التحقق من أعمار المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم من أجل تأمين الحماية المناسبة لهم وبالتالي الاستفادة من النظام الفرنسي لحماية الأطفال. مهاجرنيوز زار مبنى "ديمي" (جهاز تقييم المهاجرين القاصرين) في العاصمة الفرنسية، لمعرفة سير الإجراءات وتفاصيل المقابلة التي يجريها المهاجر أثناء التقييم.

عند حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحا يصل ألفا، وهو مهاجر غيني، إلى مبنى "ديمي" (جهاز تقييم المهاجرين القاصرين*) في العاصمة الفرنسية، ويقف في صف الانتظار ريثما يفتح المركز أبوابه عند الساعة التاسعة.

يصطف حوالي 25 شابا تحت المطر أمام المبنى بانتظار موعد الافتتاح إلى أن بدأ أحد الموظفين بإدخال من لديهم موعد مسبق أولا، ليأتي بعدها دور باقي الأشخاص الذين يأتون إلى هذا المركز لإثبات أنهم قاصرين من أجل الاستفادة من الحماية المخصصة للأطفال.

يدخل ألفا وبضعة مهاجرين آخرين إلى قاعة الانتظار إلى أن يحين موعد مقابلته، ويوضح لمهاجرنيوز قائلا "أتيت للمرة الأولى إلى هذا المركز منذ حوالي أسبوعين لأنه لم يكن لدي مكان للنوم، ولا أعلم أين أذهب، ليس لدي أحد هنا. وبعد أن طرح علي أحد موظفي الصليب الأحمر بضعة أسئلة شخصية، تمكنت من الحصول على مكان للنوم، وحاليا أنام في فندق مخصص لطالبي اللجوء ريثما أنتهي من الإجراءات الإدارية".

أما بالنسبة للمهاجر سيف (اسم مستعار)، فهو وصل إلى باريس منذ بضعة أيام وينام في الشارع إلى أن علم عن طريق أحد الجمعيات بوجود مركز مخصص للمهاجرين القاصرين. وفور دخوله إلى المبنى، تبدأ مقابلته الأولى التي لم تتجاوز مدتها 10 دقائق، وتطرح عليه الموظفة أسئلة لمعرفة اسمه وعمره وبلده الأم. فيجيب على الأسئلة ويقول لها "أنا متعب جدا. أنام في الشارع حاليا". تطلب منه الانتظار لإعطائه عنوان المركز الذي يستطيع الذهاب إليه.

كيفية سير الإجراءات

وتشرح مديرة مركز "ديمي" في باريس ستيفاني لورو لمهاجرنيوز كيفية سير إجراءات التعامل مع المهاجرين القاصرين في باريس، حيث يتوجب على كل مهاجر قاصر غير مصحوب بذويه أن يتوجه إلى مبنى الصليب الأحمر في باريس، حيث "يتم إجراء مقابلة أولية معه تتراوح مدتها بين 30-40 دقيقة نطرح من خلالها أسئلة تتعلق بالحالة المدنية للشخص كالاسم وبلد الأصل واللغة وتاريخ الولادة، ونقوم بتسجيل هذه المعلومات".

وتشير المديرة إلى أن المركز يستقبل يوميا نحو 50 مهاجرا، يتم وضعهم في مراكز إيواء مباشرة بالتنسيق مع منظمة "فرنسا أرض اللجوء" وغيرها من الجمعيات، ريثما تنتهي إجراءات التحقق من عمر المهاجر. ويتم أيضا خلال المقابلة الأولى "شرح الخطوات التي سيمر بها المهاجر ونقوم بإعلامه بجميع الحقوق التي يتمتع بها، وبعدها نقوم بتقييم وضع الشخص ومن الممكن أن نحدد له موعد مقابلة ثان للتحقق بشكل أوسع من ملفه وتحديد عمره، وقد تدوم هذه المقابلة لمدة ساعة ونصف أو أكثر"، بحسب لورو.

وبعد الانتهاء من المقابلة في مبنى "ديمي"، يرسل جهاز التقييم الملف إلى هيئة المساعدة الاجتماعية المخصصة للأطفال (أي إس أي) التي تتخذ القرار النهائي، وبالتالي تصبح هي الجهة المسؤولة عن القاصر.

أسئلة وشكوك

إلى جانب قاعة الانتظار، كان المهاجر السنغالي فوسينو من غرفة الممرضة التي أعطته مرهم لمعالجة الأمراض الجلدية.

وبعد انتهائه من الاستشارة الطبية، يبدأ فوسينو مقابلته الثانية في مركز التقييم مع فاطمة المسؤولة عن دراسة ملفه. وتبدأ المقابلة بأسئلة عامة حول وضعه الحالي. وتسأله "هل تعلم لماذا نقوم بهذه المقابلة". لا يبدو الشاب السنغالي واثقا مما يجري، ولا يعلم الإجراءات التي سيمر بها رغم أنها المرة الثانية له في هذا المركز بعد أن أجرى مقابلته الأولى منذ نحو أسبوعين، إلا أن المسؤولة تشرح له الخطوات التي ستقوم بها والجدوى من هذه المقابلة.

تتابع فاطمة طرح أسئلتها على المهاجر للتحقق من المعلومات التي وردت في ملفه، وتسأله حول حياته في بلده الأم وأسئلة شخصية تتعلق بعائلته والسبب الذي جعله يترك بلده.

يعطي فوسينو أجوبة مقتضبة ويتكلم بصوت خافت بينما تجلس فاطمة خلف شاشة حاسوبها وتقوم بإدخال المعلومات التي يرويها، ويشير إلى أنه ترك بلاده لأنه لم يتمكن الذهاب إلى المدرسة وهو يريد متابعة تعليمه في فرنسا، "ومن ثم الحصول على عمل. لا يهم ما هو العمل أريد فقط مهنة جيدة"، يقول فوسينو الذي يبدو عليه التوتر بشكل واضح.

وفي القسم الأخير من المقابلة، تسأله فاطمة حول وثيقة الولادة التي وضعها في ملفه. ولا تبدو الموظفة المسؤولة عن تقييم حالات القاصرين والعاملة في هذا المجال منذ نحو 5 سنوات، واثقة حيال مصداقية هذه الوثيقة حيث يبدو جزءا من المعلومات التي قدمها الشاب الصغير متضاربة وغير دقيقة، وتحاول إقناع الشاب بأن يعطيها معلومات أدق. وقبل أن تنهي حديثها معه تقول له "أعتقد أن هذه الوثيقة ستثير الشكوك حول مصداقية عمرك. وعليك أن تعلم أن القاضي سيدرس ملفك وهو الذي سيقرر إن كنت بحاجة لمقابلة إضافية، ومن الممكن أيضا أن يصدر القاضي قرارا بأن تخضع لفحص طبي للعظام لتقدير عمرك بشكل أدق".

وبعد حوالي 45 دقيقة، تنتهي فاطمة من المقابلة وتقوم بإضافة تعليقها الخاص إلى جانب الأجوبة التي جمعتها خلال المقابلة، ومن ثم ترسل التقرير المكتوب مع باقي الوثائق إلى الهيئة المسؤولة عن حماية الطفل في فرنسا حيث يتم اتخاذ القرار النهائي.

في حال لم يتم الاعتراف بالمهاجر على أنه قاصر، يتم إعطاءه رسالة رسمية تحتوي على إشعار برفض الاعتراف به كقاصر، ومن الممكن أن ينقض القرار أمام المحكمة ضمن الإجراءات اللازمة. وبموجب القوانين الأوروبية والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، يكون القاصر طفلا قبل أن يكون مهاجرا. وعليه، يحق له الاستفادة من النظام الفرنسي لحماية الأطفال.

صعوبات وانتقادات

وتشير مديرة المركز لورو: "نواجه صعوبات خلال عملنا في المركز، فالمكان هنا صغير ونأمل بالحصول على مساحة أكبر لنتمكن من استقبال عدد أكبر من المهاجرين. وأعتقد أنه لو كان يوجد مراكز إيواء تستوعب عددا أكبر من المهاجرين الشباب لكان الوضع أفضل بكثير، فالشباب بين عمر 18 و25 هم أيضا بحاجة للمساعدة وإيجاد سكن".

ويضم فريق العمل في مبنى الصليب الأحمر، موظفين مختصين بتقييم ودراسة ملف المهاجر إضافة إلى ممرضة ومرشد نفسي ومساعدين اجتماعيين. ويتحدث في هذا المركز بـ15 لغة مختلفة بينها العربية والإنكليزية والفارسية ولغات دول أفريقيا.

إلا أن جهاز تقييم القاصرين كان عرضة لانتقادات الكثير من المنظمات لا سيما "هيومان رايتس ووتش" و"أطباء بلا حدود" وغيرهم من الجمعيات التي قدرت وجود نحو 200 قاصر في الشارع دون معرفة حقوقهم والإجراءات اللازم اتباعها، كما انتقدت المنظمات مقابلات التقييم ووصفتها بأنها غير دقيقة.

وتنفي لورو هذه الاتهامات وتقول: "تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض القاصرين الذين لا يريدون المجيء إلى هنا، لأن باريس مجرد محطة مؤقتة بالنسبة لهم ويريدون إكمال طريقهم".


*بإمكانك الذهاب إلى مبنى "ديمي" على العنوان التالي: 5 شارع دو مولين جولي (5 rue du Moulin Joly, 75011 Paris). ويفتح المركز أيام الاثنين والثلاثاء والخميس والجمعة من الساعة 9 صباحا حتى 5 مساء، ومن الأفضل الذهاب في الفترة الصباحية في حال لم يكن لديك موعد مسبق.


 

للمزيد