مهاجر أفريقي في أغاديز في النيجر. مهدي شبيل
مهاجر أفريقي في أغاديز في النيجر. مهدي شبيل

مع تفاقم أزمة الهجرة، قرر الاتحاد الأوروبي اعتماد مقاربة تقوم على مكافحة الهجرة في المناطق التي تنطلق منها، فوقع اتفاقيات مع دول لطالما اعتبرت مناطق عبور للمهاجرين للوصول إلى أوروبا، ومنها النيجر والسودان. تقارير كثيرة شككت بدور الدولتين في محاربة الهجرة غير الشرعية وطالبت بتوضيح مصير الأموال التي تلقتها من الأوروبيين، في ظل توارد معلومات عن قيام السودان بتمويل وتجهيز ميليشيا الجنجويد بتلك الأموال.

منذ عدة سنوات، تعاون الاتحاد الأوروبي مع العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك النيجر والسودان، في محاولة لوقف تدفق المهاجرين الوافدين إلى أوروبا.

وباتت الأراضي السودانية وأراضي النيجر ممرات إجبارية ورئيسية لعشرات الآلاف من المهاجرين الذين يحلمون بالوصول لأراضي القارة العجوز. فللمهاجرين القادمين من غرب أفريقيا ودول جنوب الصحراء، النيجر هي ممرهم الرئيسي للوصول إلى البحر المتوسط، أما القادمون من منطقة القرن الأفريقي (الصومال وإريتريا)، فيمرون عبر السودان.

عام 2016 ، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية مع نيامي بهدف مكافحة الإتجار بالبشر في منطقة الساحل. لكن بروكسل كانت تأمل من هذا الاتفاق إحباط أحلام آلاف المهاجرين الأفارقة ومنعهم من مواصلة رحلتهم باتجاه أوروبا. وكان الاتحاد الأوروبي قد وقع عام 2014 والسودان، اتفاقا لتحسين مراقبة الحدود وضبط تدفقات الهجرة في المنطقة. وكمحصلة عامة، تلقى كل من البلدين ما مجموعه 200 مليون يورو كمساعدات من الاتحاد الأوروبي

لكن، ماذا لو كانت هذه السياسة التي يتبعها الاتحاد عديمة الجدوى؟ وماذا لو أتت بنتائج عكسية؟

يشكك تقرير صادر عن مؤسسة أبحاث هولندية، نشر مطلع الشهر الحالي، في مدى فعالية هذه الاتفاقيات العابرة للحدود. واتهم مؤلفوه الاتحاد الأوروبي باتباع سياسة خطيرة، المستفيد الرئيسي منها مهربو البشر والسلطات الفاسدة.

السودان يكلف ميليشيا الجنجويد بمراقبة الحدود

وحول السودان، يعبر التقرير عن استيائه من تكليف سلطات الخرطوم مراقبة الحدود "قوات الدعم السريعالتي تضم في صفوفها ميليشيا الجنجويد، وهي مجموعة شبه عسكرية متورطة في جرائم حرب أثناء نزاع دارفور.

وكان الرئيس عمر البشير قد أوكل مهمة مراقبة حركة الهجرة عبر الحدود إلى الجنجويد، لضمان دعمهم وولائهم.

ويقول التقرير إنه بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، "تم تجهيزهم وتمويلهم (الجنجويد) بشكل أفضل، ونشرهم ليس فقط في دارفور، بل في جميع أنحاء السودان".

وقالت كلوتيلد وارين، المشاركة في إعداد وإنتاج التقرير في مقابلة مع راديو فرنسا الدولي، إن تفويض أمن الحدود لمليشيا مرتبطة بانتهاكات خطيرة "له عواقب وخيمة".

الجنجويد باتوا مهربين

المهاجرون الذين يعبرون البلاد باتجاه ليبيا محاصرون. "ميليشيا الجنجويد تفرض الضرائب على المهاجرين، إنها تقوم بلعبة مزدوجة"، تواصل كلوتيلد وارين "المسلحون يعرفون المنطقة الحدودية بين السودان وتشاد والنيجر بشكل جيد... هم أنفسهم مهربون، يستخدمون سيارات الجيش السوداني لتهريب المهاجرين. إنها عملية منظمة للغاية والجيش السوداني يلعب دورا فيها أيضا".

أحد أعضاء "قوات الدعم السريع"، وفي إطار التحقيق معه في نيوزيلندا، أقر بالدور النشط للميليشيات في تهريب المهاجرين، ويقول "من حين لآخر، نقوم باعتراض قوافل المهاجرين وننقلهم إلى الخرطوم لنظهر للسلطات أننا نقوم بعملنا... لا يفترض بنا أن نأخذ أموالا من المهاجرين، أو أن نسمح لهم بالهرب أو بأخذهم إلى ليبيا... لكن الحقيقة مختلفة تماما...".

هيومن رايتس ووتش بدورها أعربت خلال عدد من تقاريرها عن قلقها من عدم استخدام السلطات السودانية للتمويل الممنوح لها من الاتحاد الأوروبي لصالح ضبط حدودها مع دول الجوار وتحسين شروط وظروف اللاجئين على أراضيها. وتحدثت المنظمة عن الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون الإريتريون والإثيوبيون ممن يتم ضبطهم أثناء محاولتهم التسلل عبر الحدود للتوجه إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا. وتؤكد المنظمة الحقوقية أن ما من مؤسسة أو منظمة دولية أو أممية قادرة على مواكبة أوضاع هؤلاء اللاجئين، سواء أثناء اعتقالهم في السودان أم عند إعادتهم إلى بلدانهم.

في اتصال مع أحد المسؤولين في منظمة دولية معروفة تعمل في السودان (طلب عدم نشر اسمه)، قال لمهاجر نيوز إن الأموال التي وصلت إلى الحكومة السودانية لضبط الحدود، جزء منها كان مخصصا للمساعدات الإنسانية للاجئين، إلا أن الحكومة استخدمت الأموال لتمويل نشاطاتها العسكرية في المنطقة ودعم مجموعات موالية لها.

وهذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها أحد الموظفين عدم نشر اسمه أو اسم منظمته في السودان خوفا من التضييق على حركتهم وحتى إنهاء مهمتهم هناك.

الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي زعزع الاستقرار في النيجر

وكان للمساعدات الأوروبية أثر سلبي في النيجر أيضا، طال على حد سواء الأمن والضمان الاجتماعي. فقبل الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، كانت النيجر تغض النظر عن أنشطة المهربين. وتوضح كلوتيلد وارين "في هذا الجزء من العالم، كونك مهربا هو أمر طبيعي تمام"، بل وحتى قانوني. كان المهربون يؤمنون الممرات والطرق في الصحراء للقوافل والسيارات المحملة بالمهاجرين الذين وصلوا إلى ليبيا برفقة الجنود".

منذ اتفاق الاتحاد الأوروبي والنيجر، حظرت الحكومة أنشطة المهربين. وبهذه الخطوة، رفعت نيامي من نسبة خطر الاختطاف والعنف الذي قد يتعرض له المهاجرون.

وتشدد وارين عل أنه حتى وإن لم يعد هناك قوافل ومهربين، "إلا أن الطرق لا تزال موجودة... ويتم الخلط بينها وبين تلك التي يستخدمها تجار المخدرات على سبيل المثال".

وأكد المسؤول في المنظمة الدولية أن مسألة ضبط الحدود السودانية مع الدول المجاورة مسألة في غاية التعقيد والحساسية، فقبل الاتفاقيات التي وقعها السودان مع أوروبا، كانت تلك الحدود مفتوحة وسكان المنطقة يتنقلون فيها بكل حرية، أما الآن وبعد أن أرسلت الحكومة السودانية ميليشيا الجنجويد إلى تلك المناطق، تغيرا لوضع، "بالنسبة لي، الأوروبيون يتحملون جزءا من المسؤولية في هذا الاتجاه".

وأضاف "الوضع الجديد أدى إلى انتعاش عمليات تهريب البشر والبضائع، وهو مرتبط بمصالح عشائرية في المنطقة وميليشيوية، وحتى ضباط كبار في الجيش السوداني مستفيدين منه".

 

للمزيد