إيطاليون يعبرون جبال الألب للدخول إلى فرنسا في 1946/ متحف التاريخ والهجرة باريس
إيطاليون يعبرون جبال الألب للدخول إلى فرنسا في 1946/ متحف التاريخ والهجرة باريس

شددت إيطاليا سياستها تجاه الهجرة مع وصول اليمين المتطرف إلى الحكم. ومنعت الحكومة الحالية السفن الإنسانية من الرسو في موانئ البلاد. وهذا رغم أن إيطاليا كانت إلى عهد قريب بلد مصدر للمهاجرين، حيث فر الكثير من مواطنيها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بدايات القرن الماضي، أومن الحكم الفاشي قبيل تسلم موسوليني مقاليد الحكم.

 انتقل اليمين المتشدد في إيطاليا من مرحلة الوعود، التي قدمها في الحملة الانتخابية إلى مرحلة التطبيق مع وصوله إلى الحكم. والهدف الأول من ذلك الهجرة والمهاجرين، حيث شددت روما الخناق عليهم، ورفضت استقبال السفن الإنسانية العاملة في البحر لإنقاذهم في موانئها.

وكان حزب عصبة الشمال، بقيادة ماتيو سالفيني، رفع شعارات مناهضة للهجرة والمهاجرين بينها "لا للغزو"، "الإيطاليون أولا"، ويحاول اليوم مع وجوده في الحكم ترجمة شعاراته على أرض الواقع، إذ يؤكد على عزمه الإسراع في ترحيل المهاجرين وبأعداد كبيرة.

فرنسا الوجهة الثالثة

وإلى عهد قريب، كانت إيطاليا أرضا مصدرة للمهاجرين. ففي بداية القرن الماضي وحتى الحرب العالمية الأولى، غادر 10 ملايين إيطالي بلادهم نحو ثلاث وجهات: الولايات المتحدة، الأرجنتين وفرنسا التي كانت يعوزها اليد العاملة.

أطفال إيطاليون في مرسيليا في 1903/ متحف التاريخ والهجرة باريس

ووصل إلى فرنسا 420 ألف مهاجر إيطالي، ما نسبته 36% من الأجانب في هذا البلد، وأكثر من واحد بالمئة من مجموع السكان الفرنسيين. وكانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة من أهم الأسباب التي دفعت مئات الآلاف من الإيطاليين للهجرة. ففي 1913 فقط، غادر 870 ألف إيطالي بلادهم.

انتهاء الحرب العالمية الأولى لم يغير شيء، بل تضاعفت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بعودة الجنود من الجبهات. ارتفاع مهول في أعداد البطالين، فقر فظيع، انهيار للبنى التحتية، غلاء المعيشة، والليرة فقدت الكثير من قيمتها، فيما كانت صناديق الدولة فارغة ولم يكن بإمكانها في أي لحظة التدخل للحد من عجزها الاقتصادي.

الفرار من النظام الفاشي

وفي ظل هذه الظروف، قدم بنيتو موسيليني نفسه كحل لهذه الأزمة. وخلال بضعة أشهر، وضع النظام الفاشي يده على البلاد وبدأ في تسليط القمع على السكان. ومع ازدياد شراسة القمع، ظهرت موجة جديدة من الهجرة، لا سيما من قبل الشيوعيين.

ولم يفر فقط المعارضون السياسيون من القمع، بل مئات الآلاف من الإيطاليين الراغبين في تحسين أوضاعهم الاجتماعية. وانتقلوا إلى البلد الجار فرنسا للعمل في قطاع المناجم والتعدين، الذي كان في أزهى فتراته وقتها. ووصل عددهم على الأراضي الفرنسي إلى أكثر من 800 ألف في 1931.

مهاجرون إيطاليون في لويزيانا في الولايات المتحدة في 1939/  Library of Congress

لم تخل الحياة المشتركة بين الفرنسيين والجالية الإيطالية من التوترات. وكان التعايش بينهما في مرحلة من المراحل صعبا، حيث اتهم الفرنسيون وقتها الإيطاليين بسرقة عملهم والقبول بأجور زهيدة. وهذا التوتر ليس بالجديد، ففي 1839، ارتكب فرنسيون مجزرة بحق مهاجرين إيطاليين، بعد أن اتهموهم بالعمل مقابل أجور منخفضة.

معاداة المهاجرين الإيطاليين

عانى الإيطاليون لوقت طويل من المعادة التي كانت تمارس ضدهم كمهاجرين في فرنسا، وكانت تطلق عليهم الكثير من الأوصاف العدائية. كما أن الأطفال كانوا عرضة لهذا العداء في المدارس.

ويذكر فرانسوا كافانا، وهو فرنسي من أصول إيطالية، الممارسات العنصرية التي كانت تصدر من قبل عدد من الفرنسيين تجاه الجالية الإيطالية وقتها. "كانوا ينادوننا ريثال (تسمية سلبية للإيطاليين باللغة الفرنسية) عندما كان عمري عشر سنوات. كنا المجموعة الوحيدة من الأجانب في فرنسا. أتذكر العنصرية في الشوارع، المدارس، المحلات التجارية...كانوا يقولون لي عد لبلادك"، يقول هذا الرسام الكاريكاتوري، ومؤسس المجلة الساخرة "أرا-كيري".

وابتداء من 1950، بدأت صورة الجالية الإيطالية في فرنسا تتحسن. وأصبحت هذه الجالية مقبولة في المجتمع الفرنسي رغم استمرار وجود بعض الأحكام المسبقة ضدها.

إيطاليا: بلد جديد للهجرة

ابتداء من 1960 انقلبت الآية، وتحولت إيطاليا إلى بلد مستقبل للمهاجرين. وعاد الكثير من الإيطاليين إلى بلادهم من أمريكا الجنوبية بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربة المنطقة خاصة في 1970. وتوافد العديد من الإيطاليين على بلادهم من تشيلي والأرجنتين. وهذا في الوقت الذي كانت تشهد فيه إيطاليا "معجزة اقتصادية".

مهاجرون إيطاليون في فرنسا في 1920/ متحف التاريخ والهجرة

هذا الوضع فتح صفحة جديدة في قضية الهجرة بإيطاليا، إذ التجأ البلد إلى اليد العاملة الأجنبية لسد النقص في عدد من القطاعات بينها الفلاحة والخدمات والبناء... وبدءا من 1980، شرعت مجموعة من المناطق الإيطالية في استقبال مهاجرين، حتى ولو كانوا في وضعية غير قانونية، للعمل بأجور زهيدة في عدد من المهن الصعبة.

وكان هؤلاء المهاجرون بدورهم هدفا لأعمال عدائية وعنصرية، ولم يجدوا مساعدة كبيرة لغياب منظمات مدنية  تحمل على عاتقها الدفاع عنهم. "عكس ما عرفته فرنسا منذ 1920 من خلال منظمة ليكرا، أي العصبة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية. وفي 1980، تاريخ ظهور منظمة إس أو إس راسيزم أو النجدة ضد العنصرية"، تكتب الصحافية الفرنسية ستيافني ترويار على موقع فرانس24.

ومنذ وصول عصبة الشمال المتشددة إلى الحكم في إيطاليا، بزعامة رئيسها ماتيو سالفيني المتحالف مع الشعبويين، انتشرت الاعتداءات العنصرية ضد المهاجرين. ويتهم سالفيني بأنه وراء نشر الكراهية ضد هذه الفئة.

 

للمزيد