مشهد عام لجانب من مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. مهاجر نيوز
مشهد عام لجانب من مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. مهاجر نيوز

برزت مؤخرا قضية الهجرة من لبنان بقوة، خاصة بعد أن أعلنت قبرص عن ارتفاع أعداد الوافدين إليها من هذا البلد الصغير، إضافة إلى القوارب التي تم اكتشافها أو اعتراضها خاصة قبالة السواحل الشمالية. إلا أن البحر ليس الوسيلة الوحيدة للمتعطشين للوصول إلى أوروبا، مهاجر نيوز تواصل مع أشخاص مقبلين على الهجرة غير الشرعية ولكن بشكل شرعي، ولكن كيف يكون ذلك؟

عندما نتحدث عن موضوع الهجرة من لبنان، أول ما يتبادر إلى ذهننا اللاجئون السوريون الهاربون من جحيم الحرب في بلادهم. ولكن إذا ما ألقينا نظرة بسيطة إلى أعداد المهاجرين، خاصة من لبنان، وجنسياتهم، نكتشف أنه إلى جانب السوريين هناك أيضا لاجئون فلسطينيون من لبنان، إضافة إلى لبنانيين، وجميعهم هاربون من جحيم البطالة والأزمة الاقتصادية.

بالعودة إلى اللاجئين الفلسطينيين، كثر الحديث مؤخرا عنهم، خاصة بعد أزمة المنظمة الأممية المعنية بالاهتمام بشؤونهم "أونروا" التي تسبب بها قطع المساعدات من قبل الولايات المتحدة. الأزمة الأخيرة سلطت الضوء على المعاناة والحاجة التي يحيى بها معظم هؤلاء اللاجئين، ومدى تأثرهم بكافة الظروف حولهم في الدول التي يقيمون فيها.

الهجرة هي الحل

هادي*، لاجئ فلسطيني من لبنان، قرر الهجرة مع زوجته وولديه بعد أن سدت في وجهه آفاق العيش.

كان لدى هادي معمل صغير للمفروشات الرخيصة التي تجد زبائنها في الأسواق الشعبية. بالنسبة له كانت الحياة "مستورة، وما ننتجه كاف ليعيلنا ويؤمن مصاريفنا كافة". إلا أن المنافسة الشديدة التي تعرض لها معمله نتيجة العمالة السورية التي تضخمت إثر الحرب في سوريا، جعل من معمل هادي عبئا عليه أكثر من وسيلة لتأمين القوت اليومي.


إضافة إلى الوضع الاقتصادي، كان مستقبل الأولاد والحياة الكريمة هما ما يستوقفا هادي خلال حديثه ويؤكد عليه، "هنا (في لبنان) أنا ممنوع من العمل وأتعرض للمضايقات بشكل يومي فقط لأني فلسطيني. ولست أنا وحدي بل أولادي أيضا، ففي أيار/مايو الماضي، تلقيت رسالة من مدرسة الأولاد (الخاصة) تفيد بعدم السماح لهم بالتسجيل للعام القادم بقرار من وزارة التربية، لأنهم فلسطينيون...".

الهجرة لهادي كانت الحل الأمثل، ولأنه أبى إلا أن يهاجر عبر وسيلة آمنة. بعد السؤال والاستفسار، استدل اللاجئ الشاب على أحد المهربين في العاصمة اللبنانية، لم يشاركنا هادي تفاصيل وصوله للمهرب خوفا من أن يتم التعرف على هويته، مكتفيا بالقول "دلوني عليه أصدقاء".

الرحلة الطويلة

"لم يجبنا عن أي استفسار" يقول هادي عن المهرب، "كل ما أفادنا به هو البلدان والمطارات التي سنمر بها". وحسب اللاجئ المهاجر، فإن الرحلة ستنطلق من مطار بيروت عبر إحدى الخطوط الجوية إلى أفريقيا، ثم إلى البرازيل فالأوروغواي حيث سيمكث وعائلته عدة أيام، على أن تكون المحطات السابقة "ترانزيت". لاحقا سيتجه من الأوروغواي مرة أخرى إلى البرازيل ليطير منها إلى إسبانيا.

"حين نصل إلى إسبانيا سنطلب اللجوء في المطار مباشرة".

"ممنوع السؤال عن أي شيء، موعد الرحلة أو اسم الخطوط الجوية أو مكان المبيت في الأوروغواي. قال لي المهرب إن كل هذه التفاصيل ستكون معي قبل السفر". ووفقا لهادي، كافة التأشيرات المطلوبة له ولعائلته شرعية، حسب تأكيد المهرب الذي لم يفده بأي معلومات أخرى.

عمل مربح!

وهذا ليس وضع هادي وحده، فكافة الأشخاص الذين التقاهم لدى المهرب لديهم نفس المعطيات. "يبدو أن لدى هذا المهرب الكثير من الزبائن"، يقول هادي، ويضيف "أنا وأتحدث إليه، استرقت النظر إلى دفتر يومياته، وجدته مليئا بالأسماء والأرقام، كل هؤلاء هم مهاجرون محتملون".

وحول المبلغ الذي تقاضاه المهرب قال هادي إنه دفع "32 ألف دولار، ثمانية آلاف عن كل فرد من العائلة، واستطعت تدبر المبلغ بعد أن بعت منزلي بكافة الأثاث بمبلغ بالكاد وصل لنصف ثمنه الحقيقي".

أقارب هادي سافروا مع نفس المهرب بداية العام، "حينها قال لأحد أقاربي أنه سيتصل بهم قبل السفر بـ24 ساعة. اتصل بهم قبل 6 ساعات، وطلب من قريبي أن يجلب عائلته ويلقاه في أحد العناوين. وبالفعل، زودهم بكافة التعليمات حينها وأمن توصيلهم إلى المطار".

ما يلفت الانتباه هو أن الرحلة كلها تعتمد على وثائق السفر الأصلية لهادي وعائلته، وكافة التأشيرات شرعية، فلم كل هذا العناء؟

"يبدو أنه الآن لدي فرصة حقيقية"

محمود*، شاب لبناني من منطقة طرابلس اللبنانية، مهاجر مع المهرب نفسه، ات نختلف ظروفه كثيرا عن ظروف هادي، يقول لمهاجر نيوز "تخرجت من الجامعة قبل 5 سنوات، لم أجد فرصة عمل واحدة من حينها، والأوضاع في البلد إلى أسوأ..."، يشكو محمود من التدهور الدائم في الوضع الاقتصادي العام في لبنان، "سعيت للهجرة بشكل شرعي عشرات المرات، تعبت من الرفض المتكرر، يبدو أنه الآن لدي فرصة حقيقية".

ويشدد محمود على ضرورة أن تتوافر شروط الأمان بالرحلة، فهو يرفض السفر عبر القوارب لخطورتها، "لا أحد يعلم مصيره لحظة ركوبه في إحدى القوارب، جميعكم شاهدتم ما حصل الأسبوع الماضي للمساكين قبالة سواحل طرابلس".

سائحين لا مهاجرين

عماد شري، الناشط في مجال العمل مع اللاجئين في لبنان، قال إنه "ربما يعود الأمر لصعوبة الحصول على تأشيرة بالنسبة لأشخاص مثل هادي، فبالتالي يلجؤون، الذين بدورهم يلجؤون لعلاقاتهم من أجل إصدار تأشيرات شرعية".

أما لماذا خط الرحلة معقد لهذه الدرجة فيرجح شري "ربما للأمر علاقة بتمويه خط سير هؤلاء المهاجرين، كي يظهروا بمظهر السائحين لا المهاجرين المحتملين".

ويشدد الناشط على أنه "يتضح من خلال خط الرحلة أن المهرب لا يعمل وحيدا، وأن المحطات التي سيمر بها المهاجرون منسقة ومعروفة. كما أن أعداد المجموعات المسافرة (12 شخصا في كل دفعة) تظهر مدى حرص هذا المهرب على نجاح عملياته".

وحتى تاريخ إعداد هذه السطور، مازال هادي ومحمود بانتظار المكالمة الهاتفية "السحرية"، وفقا لتعبير محمود، التي ستفتح لهما أبوابا جديدة لحياة آمنة وكريمة.

 

للمزيد