تونس العاصمة/مهاجرنيوز
تونس العاصمة/مهاجرنيوز

اختار الآلاف من الشباب التونسي ركوب أمواج البحر للوصول إلى أوروبا، رغم المخاطر الكثيرة التي يمكن أن تواجههم، في موجة جديدة "للحرقة". والتهم البحر المئات ممن انتهت رحلتهم بعرض المتوسط. فمن هم هؤلاء الشباب الذين يعرضون أنفسهم للخطر للوصول "للفردوس الأوروبي"؟ وما هي الأسباب الحقيقية التي تدفعهم لذلك؟ ريبورتاج:

"لو توفرت لي الفرصة للانتقال إلى أوروبا لما ترددت لحظة واحدة"، كان هذا رد سائق سيارة أجرة في الثلاثينات من العمر في تونس العاصمة، حول رأيه في اختيار الآلاف من الشباب التونسي عبور البحر، رغم كل المخاطر، للتوجه للضفة الأخرى. وينظر إلى هذه المسألة كظاهرة جديدة في البلاد مست حتى الكفاءات، رغم التقدم السياسي الذي عرفته الجمهورية. 

ووصل إلى إيطاليا منذ بداية العام حتى آب/أغسطس 3811 مهاجرا مقارنة مع 1721 خلال نفس الفترة من السنة الماضية. وهذا التدفق كان في البداية تجاه جزيرة لامبيدوزا قبل أن يتحول إلى صقلية، "بحكم أن المهاجرين الذين يصلون اليوم إلى الجزيرة الأولى، يرحلون"، كما يشرح رمضان بن عمر المكلف بالإعلام لدى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. 

ويعتبر بن عمر أن هجرة التونسيين بكثافة إلى الضفة الأخرى، "شكل جديد من الاحتجاج" على الأوضاع الاجتماعية في البلاد. وتكلف الرحلة هؤلاء المهاجرين بين ألف حتى ثلاثة آلاف يورو. وفي الكثير من الأحيان، "هو مشروع عائلي، تساهم فيه كل الأسرة"، يضيف بن عمر. و95 بالمئة من المهاجرين الذين يصلون إلى الضفة الأخرى هم من الشباب التونسي، الذين لا تتجاوز أعمارهم الأربعين عاما.


من هم هؤلاء التونسيون الذين يختارون "الحرقة" للوصول لأوروبا؟

غالبية التونسيين، الذين يختارون ركوب أمواج البحر رغم الكثير من الأخطار، "من الشباب الذين لم يكملوا دراستهم"، يضيف بن عمر، مفسرا لمهاجر نيوز هذه الظاهرة، قبل أن يضيف: "لكن اليوم نجد الكثير منهم من حملة الشهادات. كما أن 7 بالمئة منهم من القاصرين، وانطلق معظم المهاجرين من سواحل صفاقس وجرجيس". 

وأخذت الظاهرة أبعادا مقلقة، إذ يحاول الكثير من التونسيين أن يجدوا تفسيرا لها، لأنها كثيفة، ولم تقتصر على الشباب من الرجال فقط، بل شملت النساء والأطفال أيضا. "يمكن أن تجد أطفالا لا يتعدى عمرهم 14 عاما على قارب ضمن مهاجرين"، يقول الصياد صلاح الدين في حديث لمهاجر نيوز بجرجيس جنوبي تونس، والذي سبق له أن التقى بمراكب للمهاجرين وسط البحر، وقدم لهم المساعدة. وكانت آخر عملية إنقاذ شارك فيها تعود إلى تشرين الأول/أكتوبر 2017، حيث التقى مركبه مع قاربين للمهاجرين، الأول كان يحمل 10 أشخاص والثاني 14 فردا.

لا يخفي صلاح الدين أن الصيادين يجدون أنفسهم في موقف صعب عندما يعثرون على مهاجرين تونسيين في عرض البحر. "كلهم يفضلون مواصلة الطريق إلى إيطاليا. هدفهم الأول"، يقول صلاح الدين، ويحاول الصيادون إقناعهم بالعودة إلى السواحل التونسية، لكن المهمة ليست دائما بالسهلة. "قضينا ثلاث ساعات لإقناع مهاجرين كانوا على متن قارب ليقبلوا بالعودة"، يلفت هذا الصياد.


وبحسب صلاح الدين، الصيادون لا يمكن لهم أن يفرضوا على مهاجرين، خاصة من التونسيين، العودة إلى السواحل. "فمنطقة جرجيس صغيرة، والناس تعرف بعضها البعض، ويمكن أن يسببوا لك متاعب إن دخلت معهم في مواجهة"، لكن يؤكد في الوقت نفسه أنه "لا يمكن أن يترك مهاجرين في عرض البحر، إن كان وضعهم في خطر". ولا يخفي أنه التقى أثناء عمله بمراكب مهاجرين في طريقها نحو الضفة الأخرى خاصة عند الفجر.

والهجرة السرية مست قطاع الصيد بشكل كبير في المنطقة. "القطاع يعاني من نقص في اليد العاملة. لقد فقدنا 30 بالمئة من الشباب الصيادين، الذين فضلوا عبور البحر"، يشير صلاح الدين، مشتكيا من الأوضاع الصعبة التي يمر منها القطاع، بسبب "تقليص مساحات الصيد، لحساب دول مجاورة إثر اتفاقيات أبرمها النظام السابق".

ولم يعد الشباب الراغب في الهجرة في حاجة لخدمات مهربين، حسب تصريحات استقاها مهاجر نيوز من الناشطين في مجال الهجرة في تونس العاصمة أو الصيادين في المنطقة الساحلية بجرجيس. "يساهم كل منهم بقدر من المال في شراء قارب مزود بمحركين، يصل ثمنه إلى 13 ألف دينار، أي ما يعادل حوالي 4 ملايين يورو، ويركبه أكثر من 13 شخصا"، يكشف الصياد صلاح الدين الطريقة المعتمدة من قبل الشباب "الحراقة".

"المقاربة الأمنية" في مواجهة الهجرة السرية

بالنسبة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، هذه الموجة من الهجرة كانت منتظرة، والمنظمة سبق أن دقت ناقوس الخطر. "في 2016 نبهنا في دارسة إلى أن تونس مقبلة على موجة جديدة من الهجرة التي بلغت ذروتها في 2017، بعد الموجة الأولى في 2011 مع الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بنعلي"، يفيد بن عمر.

أمام هذه الموجة الجديدة من هجرة الشباب التونسي نحو "الفردوس" الأوروبي، "اختارت الحكومة المقاربة الأمنية من خلال تعزيز المراقبة على السواحل. لكن كلما تم تشديد المراقبة بنقطة من النقاط، يتحول المهاجرين لنقطة أخرى"، بحسب بن عمر، مشددا على ضرورة "بعث رسائل أمل للشباب من قبل السياسيين" في ظل وضع اجتماعي صعب، يشجع الكثير منهم على خوض مغامرة "الحرقة" أي الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت.

والتهم البحر المئات من المهاجرين التونسيين منذ 2015، وتشكلت على خلفية ذلك جمعيات لأسر المفقودين في رحلات الهجرة السرية، تطالب بكشف مصير أبنائها. ويبدو أن السلطات التونسية تجد صعوبة في إقناع نظيرتها الإيطالية بالتعاون في الموضوع. ويعتبر بن رمضان أن "الحكومة تنسق مع إيطاليا في الترحيل، وحراسة السواحل، لكنها لا تحب التنسيق معها في قضية المفقودين"، قبل أن يضيف: "قد يكون الطرف الإيطالي يرفض التعاون، لكن من المفروض على الحكومة كشف ذلك بشكل رسمي".

 

للمزيد