أحمد، اسم مستعار لطالب لجوء سوري يعيش في مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر: أرشيف شخصي
أحمد، اسم مستعار لطالب لجوء سوري يعيش في مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر: أرشيف شخصي

أحمد اسم مستعار لشاب سوري بدأ رحلته إلى أوروبا عندما بلغ سن الرشد مطلع العام 2018، لكن سلسلة من المصاعب توالت عليه ليجد نفسه في مخيم ثيرموبيلس وسط غابات اليونان، لا يستطيع أن يكمل رحلته باتجاه ألمانيا حيث يعيش أخوه الأوسط، ولا يمكنه أن يعود أدراجه إلى تركيا. شهادة:

هل ستفترسنا وحوش الغابة؟ أم سنقع في قبضة رجال الأمن؟! هذا كل ما كان يدور في ذهني أثناء عبور الغابات بين تركيا واليونان ليلا! عندما خضت هذه الرحلة المخيفة مطلع العام، كنت برفقة نحو خمسين مهاجرا، ومن بينهم أعز صديق إلي، وكنت حينها قد دخلت سن الرشد حديثا.

عندما كنا نمشي بحذر بين الأشجار الكثيفة كنت أظن أن هذا أسوأ ما سيصادفني خلال رحلة اللجوء إلى أوروبا، لكن الآن وبعد مضي نحو عشرة أشهر من الضياع في اليونان، أدركت أن واقع الحياة في مخيم إيواء اللاجئين، أسوأ بكثير من ساعات الخوف العابرة لدى تجاوز الحدود. وكل ما آمله الآن هو العودة إلى تركيا من حيث جئت.

مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر أرشيف شخصي لأحمد طالب اللجوء السوري

حاليا أعيش في مخيم ثيرموبيلس في اليونان مع أخي وزوجته وأبنائه الخمسة، في غرفة لا تتجاوز مساحتها 16 مترا مربعا. رغم أن عمري لم يتجاوز الثمانية عشر عاما لكنني خضت الكثير من التجارب خلال رحلة اللجوء من ضواحي دمشق حتى وصولي إلى هذا المخيم القريب من مدينة لميا اليونانية. 

غرفة من مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر: أرشيف شخصي من طالب اللجوء السوري أحمد

حبيس ميخم ثيرموبيلس في اليونان

خمسة أشهر مضت الآن في هذا المخيم الذي يضم نحو 500 لاجئ ومهاجر معظمهم من سوريا والعراق. أشعر أنني أثقل على أسرة أخي، لذلك أحاول البقاء طول النهار خارج الغرفة كي أترك لزوجته وأبنائه خصوصيتهم. لقد مللت من هذا الوضع ولا أرى أي بارقة أمل داخل مخيم نعامل فيه مثل حيوانات في زريبة.

صور من مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر: أرشيف شخصي طالب اللجوء أحمد

مؤخرا انتشر مرض جلدي في المخيم، وبعد التمحيص توصل الكادر الطبي إلى أن انتشار المرض يعود إلى الغسالات المشتركة التي يستخدمها جميع النزلاء. أما حاويات القمامة فقد لا يتم إفراغها إلا مرة واحدة في الأسبوع ما يتسبب بانتشار رائحة كريهة ويزيد من البعوض الذي تسبب بطفح جلدي لابن أخي الصغير.

مخيم ثيرموبيلس في اليونان | مصدر: أرشيف شخصي لطالب لجوء سوري

الحل الوحيد بالنسبة إلي هو العودة إلى تركيا، لأنني تعلمت اللغة التركية، ولن أواجه صعوبة في إيجاد فرصة عمل. أما اليونان فهو بلد يعاني من مشكلات اقتصادية جمة ومن بطالة بين الشباب. لقد طلبت مع آخرين أن يتم توظيفنا بدلا من عمال النظافة والصيانة داخل المخيم لكنهم رفضوا لأن فرص العمل محدودة في البلاد. 

منظمة الهجرة الدولية* لا تقبل أن تعيدني إلى تركيا، وأشعر أنني حبيس مخيم ثيرموبيلس، إذ لا يمكنني المغادرة بمفردي لأنني أنفقت كل ما كنت أملك من المال، ولم يعد بحوزتي ما يكفي لدفع نفقات العودة.

الخوف من الخدمة العسكرية في سوريا

نشأت في حيّ "نهر عيشة" في العاصمة دمشق، ودرست هناك حتى نلت الشهادة الإعدادية، وعندما أصبح عمري ستة عشر عاما، كان لا بد أن أغادر كي لا يتم سحبي إلى الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش السوري. لذا توجهت إلى محافظة إدلب الخاضعة حاليا لسيطرة فصائل من المعارضة السورية المسلحة. في إدلب كنت أكسب المال من خلال العمل في مجال البناء أو في قطاف الزيتون وأتقاضى أجرة يومية بين 500 إلى 1000 ليرة سورية، أي ما يعادل 1.5 دولارا إلى 3 دولارات.

السوري بدون "كيملك" يكون عرضة لابتزاز المهربين

رغم أنني كنت سعيدا في حارم، لكن القصف الذي استهدف تلك المنطقة في العام 2016 دفعني إلى التفكير بالمغادرة باتجاه تركيا. وقد ساعدني المال الذي جنيته من عملي في الوصول إلى إسطنبول في رحلة استمرت نحو شهرين، ووصلت تكلفتها إلى نحو 1200 دولار تقريبا دفعتها إلى المهربين وسائقي سيارات الأجرة. فعندما لا يحمل السوري وثيقة إقامة في تركيا "كيملك"، يكون عرضة للابتزاز.

من تركيا إلى اليونان رحلة مخاطر وإهانات

بقيت في إسطنبول نحو عام ونيف، كنت أعمل في ورشة للخياطة، براتب 300 دولار شهريا، مبلغ يكفي للعيش بشكل مقبول في تلك المدينة الكبيرة. لكن أصدقائي كانوا يخرجون إلى أوروبا الواحد تلو الآخر، وعندما قرر أقرب أصدقائي المغادرة قلت له إنني سأرافقه!

لعبور الحدود لا بد من اجتياز نهر إيفروس..؟ رحلة قصيرة لكنها محفوفة بالمخاطر والإهانات إن وقع المرء بين أيدي قوات الأمن اليونانية. وقد باءت محاولة التهريب الأولى بالفشل، لأن عناصر الأمن اليوناني اكتشفوا أمر مجموعتنا، وأجبروا الشباب منا على خلع ثيابهم، ورموا أجهزتنا الهاتفية في النهر، ثم أمرونا بالعودة شبه عراة إلى تركيا.

في المحاولة الثانية، كنت ضمن مجموعة من نحو خمسين شخصا. مشينا نحو ثلاث ساعات بين غابات موحشة لا نعرف ما ينتظرنا. ولحسن الحظ تجاوزنا الغابة بنجاح، وعندما وصلنا إلى نهر إيفروس ساعدنا مهرب في العبور إلى الضفة اليونانية بواسطة زورق مطاطي لقاء 250 يورو لكل شخص. عندما وطأت أرض اليونان كنت آمل بالحصول على مستقبل أفضل، لكن إلى الآن يبدو أن الأسوأ هو ما كان ينتظرني! المشكلات توالت تبعا، فقد زُجّ رفيق رحلتي في السجن بسبب قضية مرتبطة بالتهريب، وسرق مني أحد المهربين 2000 يورو، دون أن يساعدني بالوصول إلى ألمانيا. ولم يعد أمامي إلا أن أسجل بصمات أصابعي في اليونان لأنني لا أملك المال للعودة إلى الخلف أو للتقدم إلى الأمام.

------------------------------------------------------------------------------

 *ملاحظة: المنظمة الدولية للهجرة تقول إن عمليات الإعادة الطوعية للمهاجرين (AVRR) تشمل فقط الإعادة إلى "البلد الأصلي"، شريطة توافر عاملي "الأمن والكرامة" وهذا أمر لا ينطبق على سوريا في الوقت الراهن بسبب ظروف الحرب.

 

للمزيد