سمين وسط الأسرة الفرنسية التي تحتضنه/ بوعلام غبشي
سمين وسط الأسرة الفرنسية التي تحتضنه/ بوعلام غبشي

سومين، شاب كاميروني وصل إلى فرنسا في تشرين الثاني/أكتوبر الأخير قادما إليها من إسبانيا، بعد أن قضى فترة "صعبة" في المغرب، حسب قوله. وتستضيفه اليوم أسرة فرنسية في مدينة بيون الباسكية جنوب غرب فرنسا، وفرت له سقفا ودفئا عائليا، يشعر فيه "بالسعادة". ريبورتاج:

الساعة تشير إلى الثامنة مساء. أزقة بيون الباسكية الضيقة في جنوب غرب فرنسا خالية من المارة. الطقس ممطر وبارد لا يسمح بالبقاء في الخارج أو بالتجول. طقس دعا الكثير من الأسر في المدينة، منذ بداية فصل الشتاء، لفتح أبوابها للمهاجرين الذين كانوا يقضون أيامهم في الشوارع عند وصولهم إلى المنطقة.

أسرة بيير وستيفاني من بين هذه العائلات التي وفرت حضنا دافئا لسومين، وهو مهاجر كاميروني قاصر بالغ من العمر 16 عاما. "كان من المنطقي استقباله بدل تركه في الشارع"، تقول ابنتهما ذات الـ15 ربيعا، قبل أن تضيف "اليوم لي شقيق ولطالما حلمت بذلك".

غادر سومين بيت عائلته قبل حوالي سنتين، حينها كان عمره لا يتعدى 14 عاما. "أنا جد سعيد هنا، ووجدت عائلة كريمة احتضنتني بالكثير من العطف"، يعبر سومين لمهاجر نيوز عن شعوره بين أحضان هذه الأسرة. وقضى هذا الشاب يوما كاملا في الشارع في بيون، قبل أن تصاحبه ستيفاني بمعية ثلاثة مهاجرين آخرين إلى بيتها.

حضن عائلي دافئ

"اليوم الأول كان فقط من أجل الاستحمام والحصول على القليل من الراحة، ليقيم معنا منذ أكثر من شهر ونصف"، تتحدث ستيفاني عن الارتباط الذي بدأ يكبر بين هذا الشاب الكاميروني والعائلة الباسكية. وتضيف مستدركة "نحن نبقى عائلة تأويه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعويض أسرته. وصراحة لا نريد ذلك".

 فهذه الأم لأربع بنات والموظفة في سلك التعليم، بدت وكأنها تقاوم شيئا ما بداخلها قد يربطها أكثر بهذا القاصر وتخشى على نفسها من مغادرته يوما للبيت ويترك فراقه بداخلها جرحا غائرا. "لا أدري ما تحمله الأيام المقبلة، لكن في نفس الوقت سومين يعرف أن له أم وأخت ينتظرانه في الكاميرون"، تبرر ستيفاني اختيارها، في الوقت الحالي على الأقل، أن تظل هذه المسافة قائمة بين أسرتها وضيفها.

 لكن إثارة إمكانية مغادرته للبيت يوما ما أمام كل العائلة، سؤال يربك الجميع، حيث تبدو الحيرة والقلق على الوجوه. "بالنسبة لنا، الأساسي هو أن يكون حرا وسعيدا. وهذا كان مبدئا أساسيا بالنسبة لنا، نعمل به حتى مع بناتنا، كل من تمكن من بناء مستقبله لا نعارض مغادرته للبيت"، يوضح بيير أكثر رؤية أسرته لمستقبل سومين.

للمزيد: بيون الفرنسية..البوابة الجديدة للمهاجرين القادمين من المغرب

وبالنسبة لسومين، لا يمكنه أن يقرر اليوم توقيت مغادرته لمنزل هذه الأسرة. "لا أدري ما يخفي لي المستقبل، ولا يمكن أن أقرر اليوم بخصوص ذلك"، يؤكد الشاب الكاميروني، ويواصل في نفس السياق "خائف باستمرار في كل مرة أخرج فيها إلى الشارع من التعرض للاعتقال من قبل الشرطة، وأشعر هنا في المنزل بالأمن".

ورغم هذا القلق الدائم كلما وجد نفسه في الخارج، إلا أن هذا الوضع لا يمنعه من أن يعيش حياة شبه طبيعية كباقي أقرانه. فالعائلة الفرنسية التي تستضيفه سجلته في إعدادية خاصة بالمدينة، قبلت بضمه إلى صفوف تلامذتها بالمجان، وأثبت أنه متحمس على التعلم وأنه شاب طموح.

"كان يريد تعلم مهنة البناء في البداية، وعندما اكتشفنا فيه أنه شاب يتعلم بسرعة ويتمتع بقوة الملاحظة وله طموح، سجلناه بالمدرسة الإعدادية لمواصلة دراسته، وهو اليوم يتابع تعليمه بجد. إنه شاب يحب العمل"، يقول بيير مادحا مميزات سومين في المثابرة.

الاندماج في البيت والمجتمع

ويشعر اليوم، رغم الفترة القصيرة التي قضاها مع هذه العائلة بأنه فرد منها. "فهو يساهم قدر المستطاع في الأشغال المنزلية، ولا يمكن له أن يمر على شيء ما بالبيت غير مرتب، دون أن يتوقف عنده"، يلفت بيير مبتسما، قبل أن تضيف زوجته ساخرة: " فقط لم يحضر لنا بعد أطباقا كاميرونية".

ولا يخفي سومين أنه تعلم الكثير من هذه الأسرة، التي يشعر "بالسعادة وببالغ التأثر" في كنفها، لما وفرت له من دفء عائلي وعطف. "تعلمت منها الكثير من الأشياء بينها اللباقة وحسن التعامل، ويساعدني كل أفراد الأسرة على الاندماج في المجتمع الفرنسي"، يقول بالكثير من الامتنان.

واكتسب معارف جديدة حول تاريخ مدينة بيون، وهو يحاول اليوم تعلم اللغة الباسكية، علما أنه يتحدث إضافة إلى الفرنسية اللغتين الإسبانية والإنكليزية، ويتطلع للاستقرار وبناء مستقبل جديد في فرنسا، "لأجل مساعدة أمي وشقيقتي في الكاميرون"، يقول سومين، ويتمنى أن يجدد اللقاء معهما يوما.

ويجتهد بشكل متواصل لتأكيد مساعيه في الاندماج بهذه الأسرة، إذ اقترح بمناسبة الاحتفالات بأعياد رأس السنة أن ينشط حفل عيد الميلاد الذي ينظم في جو عائلي كل 25 من الشهر الجاري. "سومين يحب الغناء، واقترح علينا أن ينشط الحفل، ويقدم خلاله مجموعه من الأغاني من أدائه، بحضور الكثير من أفراد العائلة"، يقول بيير مبتسما.

 

للمزيد