مخيم سان دوني للمهاجرين في جادة ويلسون/ مهاجرنيوز
مخيم سان دوني للمهاجرين في جادة ويلسون/ مهاجرنيوز

تشهد ضاحية سان دوني شمال العاصمة الفرنسية باريس إقامة مخيمات عشوائية لمئات المهاجرين في ظاهرة جديدة تعيشها المنطقة، الأمر الذي يشير إلى رغبة بلدية باريس بالتخلص من خيم المهاجرين ودفعهم خارج حدود العاصمة باتجاه الضواحي الشمالية، وفقا لمراقبين.

خيم صغيرة وحاجيات مبعثرة تملأ المكان حيث يسود الهدوء التام باستثناء ضجيج السيارات القادم من الطريق السريع المتاخم للعاصمة باريس.

حوالى الساعة الثامنة صباحا، يبدأ عشرات المهاجرين بالخروج من خيمهم والاغتسال باستخدام زجاجات مياه صغيرة يقومون بتعبئتها من صنبور مياه لا يوجد سواه داخل حديقة عامة صغيرة.

وبعد دقائق معدودة، يأتي راشد برفقة فيليب وهما متطوعان في جمعية "ويلسون" لتوزيع بعض الخبز والشاي الساخن الذي يساعد المهاجرين على مقاومة البرد ودرجات الحرارة المتدنية خاصة في هذا الوقت من العام.

ويقوم راشد بأخذ ما تبقى من الخبز الطازج والمعجنات من الفرن المجاور لجادة "ويلسون" في سان دوني شمال العاصمة حيث يعمل، ويوزع وجبة الفطور مجانا كل خميس عند الساعة الثامنة والنصف صباحا.


وينحدر معظم المهاجرين من السودان والصومال وأفغانستان، ويشير فيليب كارو عضو المجلس البلدي من جبهة اليسار المعارضة والمتطوع في جمعية "ويلسون"، إلى أن عدد المهاجرين يتجاوز الـ400، إلا أن بلدية سان دوني تقدر العدد بأقل من ذلك بكثير موضحة لمهاجرنيوز أنه "بالفعل يأتي نحو 400 شخص من المناطق المجاورة للاستفادة من توزيع الطعام المجاني، إلا أن عدد الذين ينامون هنا لا يتجاوز الـ150".

ومنذ شهر آب/أغسطس، بدأ المهاجرون بالتوافد إلى جادة ويلسون في سان دوني أتى معظمهم من بورت دو لا شابيل، إذ قامت الجمعيات بتوفير بعض الخيم والبطانيات ليتم تشكيل مخيم صغير عشوائي لكنه يفتقر إلى المستلزمات الأساسية كعدم وجود مرافق عامة، إلا أن كارو أكد أنه "بعد مفاوضات طويلة مع البلدية تمكنا أخيرا من توفير 4 حاويات قمامة للحفاظ على نظافة المكان. واليوم بعد مرور نحو خمسة أشهر استجابت البلدية لمطلبنا بوضع 3 حمامات عامة مؤقتة وصنبور مياه إضافي".


"المسؤولية تقع على عاتق الدولة أولا"
_ بلدية سان دوني


وتؤكد البلدية أن "هذه الجادة لا تحتمل إنشاء مخيم رسمي للمهاجرين، ولا نريد إعادة تجربة مخيمات باريس. ولذلك تم الاتفاق على السماح للمهاجرين بالنوم هنا خلال الليل وفي الصباح تأتي الشرطة وتطلب من المهاجرين مغادرة المكان، لكننا لا نقوم بإيقاظهم عند الرابعة صباحا".

وتوضح البلدية لمهاجرنيوز "الوضع الذي نشهده هنا يفوق تحمل بلدية سان دوني. فالمسؤولية تقع على عاتق الدولة أولا".

ومن أسباب توجه المهاجرين إلى المخيم الجديد بحسب مصدر من البلدية، هي "عمليات تفكيك المخيمات التي شهدتها باريس والتعليمات التي أصدرتها الشرطة بمنع وضع أي خيمة. فالأشخاص لم يختفوا ببساطة وهم يتجهون إلى حيث لا يتم طردهم، ونحن في سان دوني لم نطالب بإخلاء هذه المخيمات".

ويختتم بالقول "لقد اعتدنا على رؤية الأشخاص الذين لديهم صعوبات اجتماعية في الضواحي، فالوضع يبدو أقل إلحاحا في سان دوني مما هو عليه في باريس".

ويشير بعض المهاجرين إلى أنهم يأتون إلى سان دوني هربا من تعامل الشرطة العنيف معهم في بورت دو لاشابيل.


"لا أريد سوى الحماية"

ويشير المهاجر السوداني صلاح إلى أن اليوم هادئ نسبيا لكن ذلك يختلف حسب الأيام، إذ أنه "في بعض الأحيان، تأتي الشرطة منذ الصباح الباكر وتطلب منا مغادرة المكان"، ويؤكد عبد الرحمن ذو الثامنة عشر من عمره "الأسبوع الماضي أتت الشرطة عند الساعة الخامسة صباحا ومنعتنا من البقاء، فما كان لي إلا أن أوضب أغراضي وأكمل روتيني اليومي بالتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن المساعدة، فأنا بحاجة للطعام خاصة في هذا الطقس البارد".

ويخرج الشاب الصومالي عبد الرحمن بعض الأوراق من حقيبته طالبا المساعدة من المتطوعين لإرسال ملف طلب لجوئه، ويوضح لمهاجرنيوز "لا أعلم إجراءات تقديم اللجوء هنا، رغم أني عندما وصلت إلى فرنسا تم الاعتراف بي كقاصر واستطعت البقاء في مركز إيواء لنحو 7 أشهر، إلا أني مؤخرا بلغت الثامنة عشر من عمري وأصبحت مشردا في الشوارع دون أي شيء".

ويستنكر صلاح الذي هرب من دارفور منذ أكثر من عامين سوء أوضاع المهاجرين في فرنسا ويقول "الحياة بهذا الشكل في الشارع ليست مقبولة، ولا نستطيع غسل ثيابنا أو الاهتمام بصحتنا. كل ما أتمناه الآن هو أن أستطيع المحافظة على حياتي والعيش بشكل لائق، فأنا أتيت إلى فرنسا طلبا للحماية".

ورفضت فرنسا إعطاء صلاح حق اللجوء لأنه مرّ عبر إيطاليا حيث قام بتسجيل بصماته. ووفقا لبلدية سان دوني، "غالبية المهاجرين في هذه الجادة هم من الرجال العازبين وتم رفض لجوئهم بسبب اتفاقية دبلن" (التي تقضي بإعادة المهاجرين إلى أول بلد أوروبي تم تسجيل بصمات الشخص فيه(.

أكياس بين الأشجار

ومع أولى ساعات الصباح، يبدأ المهاجرون بوضع أغراضهم داخل أكياس بلاستيكية ورفعها على الأشجار أو فوق الأسطح المجاورة لأن "كل ما يبقى على الأرض تقوم الشرطة بإزالته"، وفقا لصلاح.


ويشدد كارو "نطالب الدولة بتأمين مكان آمن للمهاجرين، لكن نظرا للوضع الراهن نطلب أيضا من بلدية سان دوني أن تسمح للأشخاص بالبقاء هنا خلال النهار، ولا داع لإجبار المهاجرين على توضيب أغراضهم داخل أكياس ووضعهم بين الأشجار".

وشهدت باريس منذ العام 2015 نحو 35 عملية تفكيك لمخيمات عشوائية كان أهمها بورت دو لا شابيل وأوبرفلييه في شمال العاصمة باريس.

ويعيش المئات من المهاجرين دون مأوى في العاصمة بينهم أطفال ونساء، وتشير خدمة الطوارئ (SAMU) إلى وجود نحو 350 عائلة في الشارع تبحث كل مساء عن مكان للنوم.

واستنكرت 14 جمعية في رسالة وجهتها للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "فشل" الحكومة الفرنسية في حماية المهاجرين ووجهت لها اتهامات "بتعريض حياة المهاجرين للخطر" بشكل متعمّد.

 

تقوم جمعية "ويلسون" بتوزيع وجبة الفطور كل خميس من الساعة الثامنة والنصف وحتى التاسعة والنصف في 139 جادة ويسلون. ويتم توزيع وجبة الفطور يوميا عند بورت دو لا شابيل من الساعة الثامنة والنصف صباحا حتى الحادية عشر.

 

للمزيد