من العرض المسرحي "العبور"، Régis Sud Figeac
من العرض المسرحي "العبور"، Régis Sud Figeac

قبل أيام عرضت مسرحية "العبور" في مدينة فيجياك الواقعة جنوب غربي فرنسا. وشارك فيها مهاجرون طلبوا اللجوء في فرنسا. مسرحية أثارت اهتمام مهاجرنيوز الذي اتصل بالمخرج آرنو بالوتييه للتعرف أكثر على هذا العمل الفني، وأهميته ودوافعه…

مع قطعة قماش أزرق زرقاء اللون وهواتف نقالة وفراش قابل للنفخ ليبدو كمركب مطاطي، عُرضت مسرحية "العبور" قبل أيام قليلة على خشبة المقهى التشاركي "أروزوار" في مدينة فيجياك بمنطقة اللوت الفرنسية. هذا العرض المسرحي قدمه "مشروع الأخوة اللاجئين" وهي مجموعة مؤلفة من أربعة فرنسيين وستة طالبي لجوء. ويحكي قصصاً حقيقية لما عاناه اللاجئون أبطال هذا العرض المسرحي. كل منهم تحدث عن تجربته القاسية ورحلته المحفوفة بشتى أنواع المخاطر حتى وصوله إلى مركز الاستقبال حيث يعيش اليوم. أما الحاضرون فكانوا سكان المدينة وممثلين عن المؤسسات الأهلية.  هذا العمل الفني أثار اهتمام مهاجرنيوز، لذلك اتصل بالمخرج آرنو بيلوتييه الذي هو أيضا أحد مؤسسي "مشروع الأخوة المهاجرين" للتعرف أكثر على المشروع والعرض المسرحي.



كنت أخاف من تلك الوجوه في المترو التي لم تعد تعرف استقبال الآخر بابتسامة، ومن تلك الخسارة لحسن الضيافة والإنسانية
_ آرنو بيلوتييه، مخرج مسرحية "العبور"


بيلوتييه هو فنان متعدد المواهب. مخرج مسرحي ومغن وراقص. أول ما بادرنا به هو قوله "غالباً ما نقوم بأمور دون أن نعلم الأسباب التي دفعتنا للقيام بها… هذه الأمور تكون مثل دعوة أو حاجة نستجيب لها".  جزء كبير من دراساته الفنية أقامها خارج فرنسا، في الهند وأفريقيا والبرازيل. ولدى عودته كان يشعر دوماً بنقص في ترحاب الفرنسيين "كنت أخاف من تلك الوجوه في المترو التي لم تعد تعرف استقبال الآخر بابتسامة، ومن تلك الخسارة لحسن الضيافة والإنسانية". وفي موازاة ذلك كان يشعر باحترام وحسن استقبال الآخرين له في رحلاته حول العالم "كل مرة كنت أقاسمهم الخبز، ويجلسونني في أفضل الأماكن ويدعونني للنوم على أفضل الفرش. لدى عودتي إلى باريس كنت مصدوما لرؤية هؤلاء الأشخاص الذين أحسنوا استقبالي في بلادهم ويُعاملون هنا بازدراء".

 

 ثم مع اكتشافه، في وسائل الإعلام، لمجموعة كانت تبحر في مياه المتوسط حاملة يافطة كبيرة كتبت عليها "اذهبوا من هنا" ، وهي رسالة موجهة للمهاجرين، شعر أنه لا بد له من التحرك للقيام بشيء ما. وبعد طول تفكير، وجد أن الفن هو "فضيلة توضع في خدمة ما يشعر به من ظلم".  وهكذا خرج "مشروع الأخوة المهاجرين" بعد أن تثبت له أن موضوع الهجرة والمهاجرين سيكون تجربة جماعية ونقطة التقاء وتفكير قبل أن يتحول إلى عمل فني. أما الشعار "أخوة مهاجرون" فقد استلهمه من عنوان كتاب باتريس شاموازو الذي يحمل العبارة نفسها "أخوة مهاجرون". 

في البداية، أراد آرنو بيلوتييه مسرحية يتحدث فيها لوحده عن الهجرة والمهاجرين فرسم "الشاطئين" ليستلهم من عمله الفني هذا، مسرحيته التي يسعى إليها. لكن تجربته في العمل المسرحي الجماعي دفعت به لدعوة أربعة رفاق له، وهم تلامذته في صف المسرح. واقترح عليهم "مشروع الأخوة المهاجرين" فأعجبوا به ووقفوا بجانبه.

بعد محاولات وتجارب متقطعة دامت ثلاثة أشهر، وجاءت وفق نصوص مرتجلة، بدا للمخرج أن عمله الفني لن يساعده على إيصال رسالته. إذ أن أحداث هذه المسرحية الأولية تدور حول معاناة اللاجئين والمهاجرين دون أن تحمل في طياتها" حلا سعيدا "وهو إنقاذ المهاجرين المهددين بالغرق في البحر. لم يرغب أبدا بهذه النهاية التي تشير "للغرق في الفوضى أو بفقدان الأمل واليأس" إن كان هناك "شعاع الأمل وحرارة الأخوة"، كما يصف. وتزامن ذلك مع نصيحة قدمتها له إحدى الصديقات وهي التوجه إلى مركز استقبال وتوجيه اللاجئين في مدينة فيجياك. فكانت بالفعل أفضل نصيحة حصل عليها. ففي ذلك المركز تعرف على بعض المهاجرين طالبي اللجوء الذين تحولوا إلى أبطال عرضه المسرحي وأعضاء في فرقة "مشروع الأخوة المهاجرين".  


 التدريبات على العرض المسرحي "العبور"، Régis Sud Figeac


أفراد عائلة عرض "العبور"  

 المجموعة التي شاركت في التمثيل مؤلفة من 11 شخصا. بينهم أربعة فرنسيين من أبناء منطقة اللوت وهم كارين وآن ودونيس وبيار، وهم تلامذة آرنو. لقد كان يدربهم على التمثيل المسرحي. أما الممثلين الآخرين فهم 6 طالبي لجوء. أسماؤهم هي التالية: ناتي من أثيوبيا، وماريا من أنغولا (11عاما)، كاماي من أنغولا وهو والد ماريا، باري من سيراليون، وموميني من غينيا، وبيتشو من جمهورية الكنغو الديمقراطيية.

 جميع المشاركين على خشبة المسرح هم هواة. تعرفوا على الفن عبر هذا المشروع. أما الوحيد الذي يمتهن الفن ومتخصص في المسرح فهو آرنو. حتى أن كتابة النص كانت أيضاً جماعية. كل مشارك كان يحكي قصته، والارتجال ظل سيد المواقف. ويكمن دور آرنو في هذه العملية في اقتراح الأفكار وتقرير النسخة النهائية للنص.

 


بعد رحلة محفوفة بالمخاطر دامت ثلاث سنوات... اليوم التقيت بعائلة، هذه المجموعة هي عائلتي
_ باري أحد اللاجئين المشاركين في العرض

 

أهمية مسرحية "العبور" للاجئين وسكان المدينة

هذا العرض المسرحي لم يكن له دور تعريفي بمعاناة المهاجرين واللاجئين فقط وإنما رفع للمشاركين معنوياتهم. وحسب ما قال أحد معلمي اللغة الفرنسية في مركز الاستقبال فإن ناتي قد استعاد "ثقته بنفسه، وقد بدأ يشعر بأنه إنسان، بعدما شارك في العرض". وكذلك بالنسبة لباري الذي كان يقضي أوقاته يستعيد فيها ذكريات رحلته الأليمة التي دامت ثلاث سنوات. وقد تعرض خلالها للخطر والمعاناة، فهو اليوم يعتبر أنه التقى بعائلة، وهذه المجموعة أضحت "عائلتي" كما يقول.

أما بالنسبة لسكان المدينة والجوار، فقد كانوا حاضرين لتشجيعهم أثناء التدريبات وكتابة النص. خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة التي سبقت العرض "كان يجلب لنا الطعام يومياً شخص مختلف من أجل أن نتمكن من الانتهاء من عملنا". وخلال التقاء المجموعة بهؤلاء السكان، تمكنوا من التعرف على أشخاص لهم معرفة بأعمال الإنتاج والتنسيق والمساعدة في الإخراج والتمثيل. فتم التعاون معهم.  

من مشروع هواة الى فرقة مسرحية

وختم آرنو "في البداية كنا لوحدنا وكان الأمر صعبا جدا. أما وقد التقينا كاماي وماريا وبيتشو وموميني وناتي وباري، غرقنا بالسعادة بعد أن ذرفنا دموعا كثيرة حين كانوا يروون لنا قصص رحلاتهم الخطيرة. ومنذ ذلك الوقت، يرافقوننا في كل لحظة". وأضاف "أعتقد أن ذلك أفضل خلاصة لمغامرتنا".

اليوم، "مشروعنا آخذ بالتحول من فكرة إبداعية تجمع طالبي لجوء وهواة مسرح إلى فرقة وعرض مسرحي" يقول آرنو. وكل ذلك بفضل إيمانهم وموهبة زملائه الأربعة الأساسيين الذين بدأ معهم مغامرته الفنية.

 مسرحية "العبور"، مدتها خمسون دقيقة قد يعاد عرضها في مدينة كيزاك بمنطقة لوزير في الربيع المقبل. ويحلم المشاركون فيها بعرضها في مهرجان تموز/يوليو المقبل في مدينة فيجياك.




 

للمزيد