عائلة الحداد وصلت إلى البرتغال في العام 2017 | المصدر: مايفا بولي/ مهاجرنيوز
عائلة الحداد وصلت إلى البرتغال في العام 2017 | المصدر: مايفا بولي/ مهاجرنيوز

التقى مهاجرنيوز عائلتين سوريتين وصلتا إلى البرتغال منذ نحو عامين واستقبلتهما جمعية في بلدة ميراندا دوكورفو وسط البلاد. إذ تسعى البرتغال إلى مواجهة تراجع عدد سكانها والظهور كدولة "إنسانية"، عبر استقطاب وافدين جدد إلى أراضيها، واستقبلت بين 2015 و2017 أكثر من 1500 لاجئ ضمن برنامج "إعادة التوطين".

"ها هو منزلنا" يشير محمد إلى صورة احتفظ فيها على هاتفه المحمول يظهر فيها مكان إقامته السابق في دمشق. ويضيف ممازحا "كلمة داماسكو تعني دمشق وأيضا مشمش باللغة البرتغالية"، وكأن سنوات المنفى القاسية لم تفقده حس الفكاهة. تجلس زوجته هنادي إلى جانبه وهي تشاهد الصور، تسند رأسها على يدها وتدمدم باللغة البرتغالية "إنها القنابل ..." في إشارة إلى الحرب السورية.

المحطة الأولى للعائلة التي غادرت سوريا في العام 2013 كانت مصر، حيث عاش محمد وهنادي مع أبنائهم الأربعة في شقة بالقاهرة. "قضينا هناك أربع سنوات!" قال لنا محمد الحداد الذي كان يعمل في مجال الخياطة، وأوضح أنهم خلال تلك الفترة قرروا التوجه إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، من أجل الاستفادة من برنامج "إعادة التوطين".

إذ يهدف هذا البرنامج إلى نقل اللاجئين من "أول بلد مستضيف" إلى دولة ثانية تريد استقبالهم ومنحهم إقامة دائمة. وبحسب إحصاءات مفوضية اللاجئين في عام 2013، كان عدد اللاجئين السوريين في المدن المصرية قد وصل إلى أكثر من 120 ألف شخص. وفي عام 2014، قالت المنظمة الأممية إن مصر لا تزال دولة "عبور" للاجئين السوريين، وإن إعادة توطينهم "أولوية".

بلد "فقير"

استغرقت إعادة التوطين بالنسبة لعائلة الحداد ما يقارب العامين. وتقول هنادي "ابننا الأكبر لم يستطع العيش في مصر، لذلك سافر إلى البرازيل التي لا تطلب تأشيرة من السوريين". أما رب الأسرة، محمد، فكان يفضل الذهاب إلى ألمانيا لأن لديه الكثير من المعارف فيها، لكنه لم يكن يملك القرار في تحديد الوجهة.

 عائلة الحداد مع ريتا ليموس منسقة استقبال اللاجئين من جمعية إنسانية في البرتغال | المصدر: مايفا بولي/ مهاجرنيوز

"في البداية وصلتنا وثيقة تقول إن بإمكاننا الذهاب إلى الولايات المتحدة"، قال محمد، لكن السعادة على ما يبدو لم تدم طويلا "فبعد يوم واحد، تلقينا اتصالا هاتفيا يخبرنا أننا سنذهب إلى البرتغال، عندها تساءلنا أين تقع البرتغال!". وعقب الابن الثاني معاذ شارحا سبب خيبة الأمل: "كنا ندرك أنها بلد فقير، ولن نكسب فيها أي مال".

لدى وصول العائلة إلى البرتغال في آذار/مارس 2017، كانت جمعية (ADFP) في استقبالهم ونقلتهم إلى بلدة ميراندا دوكورفو الواقعة على بعد 200 كم شمال لشبونة. فمنذ عام 2015 تطوعت الجمعية لاستقبال اللاجئين، إلى جانب نشاطاتها التقليدية في إعادة دمج الأشخاص الذين لا يملكون مأوى أو يعانون من إعاقات جسدية وعقلية.

لتأمين مسكن لأسرة الحداد، استأجرت الجمعية شقة على مدى 18 شهرا في ميراندا دوكورفو. وكانت الجمعية، في الوقت ذاته، تتكفل باستقبال ست عائلات أخرى وسبعة أشخاص يعيشون بمفردهم. وتقول ريتا ليموس، منسقة استقبال اللاجئين في الجمعية "لقد وصل الجميع عبر نظام إعادة التوطين من مصر".

اللغة هي العقبة الأولى

لم يتطلب الحصول على وضعية اللجوء في البرتغال أكثر من ثلاثة أشهر بالنسبة إلى أفراد الأسرة. وعن هذا أخبرنا معاذ وهو يخرج بطاقة إقامته "لقد تلقينا البطاقة بسرعة كبيرة. أعتقد أن ذلك يعود إلى أن معلوماتنا موجودة أصلا لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في إطار نظام إعادة التوطين".

الشاب البالغ من العمر 23 عاما يجيد تحدث اللغة البرتغالية، وقد تمكن من استئناف دراسته الجامعية في كويمبرا التي تبعد حوالي عشرين دقيقة بالسيارة من ميراندا دو كورفو. "في الوقت الراهن لا أزال في المستوى التحضري لتحسين لغتي، لاحقا أنوي أن أدرس الهندسة المعمارية".

أما بالنسبة للوالدين فإن إيجاد فرصة عمل في البرتغال أمر أكثر تعقيدا. لكن رغم الصعوبات، بدأ رب الأسرة هذا الشهر تدريبا مهنيا في مجال السكريتاريا في جمعية (ADFP). "حذار يا ريتا سوف أحل مكانك عندما أنهي الدورة التدريبة" قال محمد ممازحا السيدة التي تشرف على استقبال العائلة.

خلال الدورة التدريبة يتقاضى محمد مبلغا نقديا، الأمر الذي يساعده بشكل كبير، خصوصا وأن مرحلة الاستقبال الأولى قد انتهت، وأصبح على أفراد الأسرة أن يعيلوا أنفسهم بمفردهم. فرغم أنهم تمكنوا من الاحتفاظ بالشقة التي قدمتها جمعية (ADFP)، لكن فواتير الماء والكهرباء أصبحت على عاتقهم.

أما الأم هنادي تشرف حاليا على مركز الأطفال داخل الجمعية بشكل تطوعي. "نقدم مبلغا رمزيا يقدر بـ 2 يورو لقاء كل ساعة عمل. فهذه الوظائف التطوعية تسمح للاجئين الانخراط في العمل تدريجيا قبل البحث عن عقود عمل مدفوعة الأجر في الخارج"، شرحت لنا ريتا.

"لا يزال وضعنا المالي صعبا، لكننا تعلمنا اللغة، وأصبح أولادنا يذهبون إلى المدرسة أو الجامعة... لا نريد الانتقال إلى بلد آخر كي لا نعيد الكرة مرة أخرى"، يلخص محمد.

تسجيل حالات مغادرة

ويبدو أن الاستقرار الذي تنعم به عائلة الحداد ليس متاحا لجميع الأسر التي وصلت في الوقت ذاته إلى ميراندا دو كورفو. فقد غادرت عائلتان من المدينة "ربما من أجل التوجه إلى مكان آخر في أوروبا". وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تعرضت ثلاث عائلات إلى انقطاع الماء والكهرباء بسبب عدم القدر ة على تسديد الفواتير.

وبعد هذه الحوادث، دعت جمعيات إنسانية إلى إطالة فترة المساعدات للاجئين إلى أكثر من 18 أشهر.

في عام 2016، تكفلت جمعية (ADFP) بعشرين لاجئا، لكن معظمهم غادروا من المدينة "وبقيت عائلة واحدة فقط"، بحسب ريتا. إنها أسرة فوزي رشيد، الشاب الكردي الأصل البالغ من العمر 32 عاما، جاء إلى البرتغال برفقة زوجته، وسرعان ما كبرت أسرتهما الصغيرة بإنجاب طفلة.

 يعيش فوزي رشيد مع زوجته في البرتغال منذ العام 2016 | المصدر: مايفا بولي/ مهاجرنيوز

رحلة طويلة خاضها فوزي، فقد فر من سوريا إلى تركيا، ثم سافر على متن زورق متجها إلى اليونان. "كنت أبحث فقط عن بلد لا أموت فيه". وخلال تواجده في مخيم لجوء باليونان، عرضت البرتغال عليه الاستفادة من برنامج "إعادة التوطين" مع زوجته. عندها "لم نتردد" قال فوزي.

إنها بلد ابنتي

ولدى وصولهما إلى البرتغال، تم إيواؤهما في مركز استقبال كبير تديره أيضا جمعية (ADFP) على بعد بضعة كيلومترات من ميراندا دوكورفو. وعن الاستقبال قال فوزي:"على عكس أصدقائي الذين ذهبوا إلى ألمانيا، لم أشعر أبدا بأي نوع من الإزدراء".

ومن ثم تم نقلهما إلى شقة في مركز البلدة. وعلى الرغم من أن المساعدات قد توقفت بعد 18 شهرا، لكن فوزي يقول بأنه لم يواجه أي صعوبة في الاعتماد على نفسه، "كنت أنتظر أن أبدأ بالاعتماد على نفسي بفارغ الصبر. لا أحب أن يقال إنني أستغل المساعدات".

فوزي كان مندفعا للغاية، وسرعان ما أنهي دورة تدريبية مع الجمعية، وبدأ يعمل في مقرها في ميراندا دوكوفو. أظهر فوزي بفخر شارة العمل المعلقة حول عنقه، قائلا "أنا مسؤول عن المستودعات وآلات صنع القهوة. أغتنم هذه الفرصة للتحدث مع الأشخاص من أجل التقدم باللغة البرتغالية!".

لم يعد فوزي أبدا يرغب بمغادرة البرتغال. بالنسبة إليه، إنها بداية "حياة جديدة"، وختم حديثه "لقد خسرت الكثير في سوريا. لماذا سأغادر إلى مكان آخر الآن؟ "، ويضيف. "ابنتي ولدت هنا. والبرتغال أصبحت بلادها الآن ".

 

للمزيد