عائشة طالبة لجوء في مرسيليا/مهاجرنيوز
عائشة طالبة لجوء في مرسيليا/مهاجرنيوز

عائشة، طالبة لجوء من ساحل العاج تبلغ من العمر 30 عاما، وصلت إلى فرنسا منذ عام ونصف. أجبرها أهلها على ترك المدرسة عندما كان عمرها 13 عاما من أجل الزواج برجل يكبرها بالسن بأعوام عديدة، إلا أنها رفضت الرضوخ لواقع العنف وقررت تغيير حياتها. قطعت الأم العازبة آلاف الكيلومترات وخاطرت بحياتها للوصول إلى مرسيليا حيث تسعى لتأسيس جمعية لدعم حقوق النساء.

بدأت القصة عندما كان عمري 13 عاما، حينها أجبرني أهلي على ترك المدرسة من أجل الزواج برجل غريب لا أعرفه، كان يكبرني بثلاث مرات بالسن، ومتزوج من امرأتين أيضا.

حياتي كانت تقتصر على المعاملة السيئة من قبله والعنف المستمر، إلى أن قررت في أحد الأيام أن أضع حدا لمعاناتي وأغير حياتي. لكن الأمر لم يكن سهلا خاصة وأنه كان لدي ثلاثة أطفال صغار.

اتخذت قرارا لا رجعة فيه وتركت هذا الرجل، لكني لم أكن الوحيدة في هذه المعاناة، فكان هناك أيضا نساء أخريات في ساحل العاج يعشن تحت عنف وسلطة الرجال.

كنت أرغب بدعم النساء وساعدت بعضهن على ترك أزواجهن، الأمر الذي أثار سخط بعض الرجال المتسلطين هناك.

تم تهديدي وإهانة أطفالي بشتى الوسائل الممكنة. قدّمت شكوى لدى الجهات المعنية لكن دون جدوى.

وصلت التهديدات إلى أن قام أحد الأشخاص بضربي بشكل عنيف، أجبروني بعدها على التعري بالكامل أمام الكاميرا وقالوا لي إن تابعت عملي في مساعدة النساء الأخريات سيقومون بنشر الفيديو على الانترنت ومن ثم سيقومون بقتلي ويقطعون جثتي في الغابة.

لم يكن لدي خيار سوى الهرب، فأخذت أطفالي وذهبت إلى منزل صديقتي حيث تركت اثنين من أطفالي هناك، وساعدتني والدتي أيضا واحتفظت بطفلي الثالث. لم أستطع أخذ أطفالي لأني كنت ذاهبة إلى المجهول.

ذهبت بعدها إلى بوركينا فاسو ومنها إلى مالي حيث أمضيت بضعة أشهر بالعمل كعاملة تنظيف في المنازل.

عدت إلى ساحل العاج لرؤية أطفالي للمرة الأخيرة وإعطاء ما جمعته من المال إلى صديقتي التي تعتني بأطفالي. وبعدها أدركت أنه لم يكن لدي خيار سوى مغادرة بلدي وإيجاد مكان آمن.


كنا نضطر للنوم في حفر رملية

قررت أخيرا التوجه إلى ليبيا في نهاية 2016. ذهبت مجددا إلى بوركينا فاسو ومنها إلى النيجر حيث بقيت يومين في أغاديز، وهنا بدأت مغامرة جديدة.

كنا نحو 24 شخصا في سيارتين، أمضينا حوالي تسعة أيام في الصحراء بين النيجر وليبيا، بعد أن تركنا المهربون.

كان الجو شديد البرودة وكنا نضطر إلى النوم في حفر رملية للاحتماء من البرد أثناء الليل. كنت أشعر بالتوتر طوال الوقت وكنت خائفة من أن يتم اغتصابي.

وصلت أخيرا إلى ليبيا ورأيت بنفسي الواقع الأليم هناك. قررت حينها قبول عرض زواج كان قد تم ترتيبه من قبل أحد الأشخاص اللذين التقيت بهم في مالي. الوضع كان مرعبا هناك. تزوجت في بداية الأمر من أجل حماية نفسي، لكن الشاب كان لطيفا والأمور سارت بشكل جيد.

وبعد الزواج بنحو 5 أشهر، لم يعد زوجي إلى المنزل وكنت خائفة جدا.

لم يصلني بعدها أي خبر عنه، لم أكن بصحة جيدة. ساعدني بعض أصدقاء زوجي واستطعت البقاء عندهم لبضعة أيام، إلا أني لم أكن أشعر على ما يرام وحالتي الصحية لم تتحسن. في الواقع كنت حبلى، لكني لم أعلم ذلك.

أصدقاء زوجي أرادوا فقط التخلص مني لأنهم كانوا خائفين من أن أفقد حياتي بين أيديهم، فلم يكن حتى بوسعهم إيجاد مكان لدفن جثتي لأنه لم تكن لدينا أوراق رسمية.

في شهر أيار/ مايو 2017، استطاع أحدهم تدبير مكان لي على أحد القوارب المتجهة إلى السواحل الإيطالية.

كنا نحو 140 شخصا مكدسين في القارب الخشبي الصغير. وبعد بضعة ساعات على انطلاق الرحلة، بدأت المياه بالتسرب إلى القارب، وكان الهلع والرعب سيدا الموقف. لم أكن قادرة على الوقوف، بقيت جالسة على أرضية القارب الممتلئة بالمياه. أذكر تماما كيف بدأ الأشخاص بالدوس علي، أحدهم كان يهم بالدوس على فخذي فانتبه لي ومد يده لمساعدتي على النهوض. ذلك الفعل البسيط كان كفيلا بإنقاذ حياتي.

جاءت أخيرا سفينة "أكواريوس" الإغاثية وتمت عملية الإنقاذ.



أمضيت شهرين ونصف في إيطاليا. لم أرد البقاء هناك، فالوضع صعب جدا ولم يكن هناك سكن. قمت بتجميع المساعدات المالية التي حصلت عليها هناك من أجل شراء بطاقات قطار للذهاب إلى فرنسا.

في شهر تموز/يوليو 2017 ذهبت من نابولي إلى روما ثم إلى ميلان ومنها إلى فنتيميليا الحدودية مع فرنسا. وجدت هناك مهرب، دفعت له 200 يورو، كان هذا كل ما لدي من مال. لكن هذا المهرب قام بخداعي تماما لأنه لم يقدم لي أي شيء ولم يشتر لي حتى بطاقة القطار. كل ما فعله هو أنه قام بإرشادي إلى القطار المتوجه إلى مرسيليا، ولم يكن لدي فعلا أي خيار آخر فكنت وحيدة ولم أكن أعلم كيف أتصرف.

حاولت الاهتمام جيدا بمظهري ولباسي وصعدت على متن القطار، حاولت ألا ألفت نظر الشرطة، لأنهم غالبا ما يطلبون وثائق المسافرين لمنع الأشخاص الذين ليس لديهم أوراق رسمية من الدخول إلى فرنسا. لحسن الحظ نجحت خطتي، وحين انطلق القطار باتجاه فرنسا لم أستطع التوقف عن الضحك. قلت لنفسي "لقد فعلتها" ونجحت بالمرور.

المحطة القادمة كانت مدينة كان الفرنسية حيث نزلت. لم أكن أعرف أي شخص وكنت أشعر بالجوع، لم أملك المال، كل ما بحوزتي هو مظهري الزائف وملابسي الجميلة.

ساعدني أحد الأشخاص في محطة القطار. قررت حينها الذهاب إلى مرسيليا لأنها كانت المدينة الأقرب وسمعت أن هناك الكثير من الجمعيات التي تساعد المهاجرين. وبالفعل، صعدت على متن القطار المتوجه إلى مرسيليا.

وصلت إلى محطة سانت شارل، حيث طلبت من أحد الأشخاص مساعدتي والاتصال برقم طوارئ السكن 115. ولحسن الحظ كان يوجد لديهم أمكنة متاحة وقاموا بمساعدتي.


قررت ألا أتخلى عن هدفي بمساعدة باقي النساء

بدأت بعدها إجراءات اللجوء وما زلت حتى اليوم بانتظار رد من مكتب حماية اللاجئين (الأوفبرا)، رغم أني أجريت المقابلة منذ 10 أشهر.

مررت في أوقات صعبة جدا، خاصة وأني كنت حامل، لكن الأمور سارت على ما يرام وابني الآن بلغ عامه الأول.

الأمر الأكثر صعوبة بالنسبة لي هو أني أعيش اليوم بعيدة عن أطفالي الثلاثة، وأشعر بالخوف على ابنتي الكبيرة خاصة بعد أن وجدها زوجي السابق وأصبحت تحت رعايته. فهي تبلغ 10 أعوام وأنا خائفة من أن يتم إجبارها على الزواج قريبا كما حصل معي.

كلما أرى خريطة العالم أشعر بالذهول، فأنا لا أصدق كيف استطعت عبور كل هذه المسافة للوصول إلى فرنسا.

في فرنسا أشعر بالأمان، رغم أني عشت أشياء مرعبة لا أستطيع نسيانها تعود إلى ذاكرتي أحيانا. وقررت ألا أتخلى عن هدفي بمساعدة باقي النساء.

أمضي أيامي بالعمل مع جمعية "سانت جوست" الداعمة للمهاجرين كمتطوعة، أقدم المساعدة للأشخاص المقيمين في البناء الذي استولت عليه الجمعية، حيث تقيم الكثير من النساء العازبات والأمهات. أصبحت الجمعية بمثابة عائلة بالنسبة لي.

أحاول تقديم العون خاصة للنساء، وأقول لهن باستمرار أنهن لسن بحاجة لرجل لحمايتهن. وفي كل مرة أصادف فيها امرأة أقول لها "بإمكانك فعل ما تشائين، لا تدعي أي شخص أن يقوم باستغلالك".

أسعى الآن لتأسيس جمعية لدعم جميع السيدات هنا، لأنه يوجد الكثير من النساء اللواتي يتعرضن للاستغلال من قبل الرجال، وخاصة الأمهات العازبات. لكن ذلك يجب أن يتوقف، فالمرأة يجب أن تكون مستقلة، وأنا على سبيل المثال استطعت الاهتمام بنفسي عندما كنت حاملا، وها أنا أعتني بطفلي بمفردي والأمور تسير بشكل جيد. حقا، هنا، بالنسبة لي، مكتب الهجرة (الأوفي) هو زوجي!

 

للمزيد