طابور انتظار لباحثين عن سكن
طابور انتظار لباحثين عن سكن

العثور على مسكن لائق أصبح ليس بالأمر الهين على المواطن الألماني، أما بالنسبة للاجئ فيصبح أكثر فأكثر بعيد المنال. هل يكون تجميع اللاجئين في أحياء سكنية خاصة بهم هو الحل؟ وما تباعات ذلك اجتماعياً؟

ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات وقلة المعروض، وخاصة في المدن الكبرى، يحتل مساحة واسعة من نقاشات الرأي العام الألماني ويتصدر أجندة بعض الأحزاب السياسية والقوى الفاعلة مجتمعياً. وإن كان العثور على مسكن مناسب أضحى عسيراً على ابن البلد، فما بالك باللاجئ الذي لا يزال يتلمس خطواته الأولى؟ وإن قلة المعروض من العقارات وإحجام كثير من المالكين عن تأجير عقاراتهم للاجئين، هو بعض من العوائق هنا.

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي أظهرت دراسة ألمانية أن إيجار الشقق في المباني الجديدة، ليس في متناول الكثير من أصحاب الدخل المتوسط. وتبين من خلال الدراسة أن الكثير من الأسر في المدن تضطر لتخصيص أكثر من 27% من صافي دخلها لدفع إيجار السكن قبل إضافة تكاليف الكهرباء والمياه والتدفئة وغير ذلك من التكاليف الإضافية للمسكن.

وحسب خبراء الإسكان، فإن أي زيادة في قيمة الإيجار عن 27% من صافي الدخل تعتبر مشكلة، لأن ذلك يعني عدم توفر ما يكفي من المال لأصحاب هذا الدخل للوفاء بمتطلبات المعيشة الأخرى. وحسب الدراسة التي أعدت بتكليف من القناة الأولى بالتلفزيون الألماني فإن نصيب إيجار المسكن من صافي الدخل يبلغ 41.3% في العاصمة برلين، أي أكثر بكثير من نسبة 27% التي يحذر منها الخبراء.

ويبلغ متوسط نصيب السكن من صافي الدخل في فرانكفورت 40.7%. ورغم أن قيمة إيجار مثل هذه الشقة في مدينة لايبزيغ أقل منها في برلين، حيث تبلغ 1012 يورو، إلا أن متوسط الدخل هناك أقل منه في برلين، مما يعني أن نصيب إيجار السكن من صافي الدخل يبلغ 37.5%.

وتبين من خلال الدراسة أن المدن الكبيرة في ألمانيا ليست هي وحدها التي يرتفع فيها نصيب إيجار المسكن من صافي الدخل، حيث تضاف إليها المدن متوسطة الحجم، والتي يزيد فيها نصيب الإيجار أيضاً عن 27%.

إحجام المستثمرين

ذكرت صحيفة "هامبورغر آبندبلات" في عددها الصادر يوم الجمعة (15 شباط/فبراير 2019) أن شركة Saga للتطويرالعقاري، التابعة لحكومة ولاية هامبورغ، اشترت مجمعا سكنيا في هامبورغ بملبغ 174 مليون يورو يضم 780 شقة، وخصصته للاجئين، ويعتبر هذا المجمع السكني هو الأكبر من نوعه في ألمانيا والمخصص للاجئين.

جاء ذلك بعد تحليل لشركة الاستشارات المهنية الدولية (برايس ووتر هاوس كوبرز) صدر في في الخريف الماضي أظهر أن مستثمري العقارات يحجمون عن الاستثمار في المدن الألمانية بسبب ارتفاع الأسعار. وجاء في التحليل، الذي حصلت وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) على نسخة منه، أن حجم الاستثمار العقاري في ألمانيا من تشرين الثاني/نوفمبر 2017 وحتى أول تشرين الثاني/نوفمبر 2018 بلغ 65 مليار يورو.

ورغم أن المدن الألمانية تعتبر استثماراً آمناً بفضل الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، "يرى الكثير من المستثمرين أن برلين وفرانكفورت وهامبورغ وميونخ باهظة التكلفة".

وعلى خلفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حظيت مدينة فرانكفورت الألمانية بإقبال ملحوظ من مستثمري العقارات، حيث بلغت قيمة الاستثمارات في المدينة المالية الجاذبة للبنوك خلال الفترة الزمنية السابق ذكرها 8 مليارات يورو، بزيادة قدرها 12.5% مقارنة بالسنة السابقة، لتتفوق بذلك على برلين في حجم الاستثمار العقاري.

ورغم إحجام المستثمرين عن الاستثمار في ألمانيا بسبب ارتفاع الأسعار، لا تزال المدن الألمانية هي الوجهة المفضلة لديهم، حيث حلت أربع مدن ألمانية في قائمة أفضل عشر مدن من حيث فرص الاستثمار العقاري في أوروبا: برلين في المرتبة الثانية، وفرانكفورت في المرتبة الخامسة، وهامبورغ في المرتبة السابعة، وميونخ في المرتبة العاشرة.

وفي آب/أغسطس الماضي أظهرت بيانات أن تراجع الطلب على مأوي اللاجئين أدى إلى تأثيرات سلبية على قطاع التطوير العقاري في ألمانيا؛ إذ أن التراجع القوي في الطلب على دور جديدة للاجئين ساهم في تراجع عدد تصاريح البناء الصادرة في ألمانيا منذ بداية العام المنصرم. وأوضح مكتب الإحصاء الاتحادي أنه خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2018، تم إصدار 168500 تصريح، مما يمثل تراجعاً بنسبة -0.6% عن الفترة نفسها من عام 2017.

وتشير تقديرات السياسيين والعاملين في قطاع التطوير إلى أن ألمانيا في حاجة إلى 350 ألف إلى 400 ألف منزل جديد سنوياً لتلبية الطلب القوي على السكن. ورغم ذلك، فإن عام 2017 شهد بناء 285 ألف منزل جديد فقط.

العثور على مسكن في المدن الألمانية الكبرى أضحى أقرب للحلم

"تكرار" لتجارب الماضي الفاشلة

تعليقاً على خبر صحيفة "هامبورغر آبندبلات" بشأن شراء مجمع للاجئين، يقول الباحث الاجتماعي السوري أنس علاء الدين إن "تجميع اللاجئين في أحياء خاصة يؤدي لخلق مجتمعات موازية منفصلة ليس فقط مكانياً بل وثقافياً أيضا عن المجتمع الألماني". ويصف علاء الدين في حديث مع "مهاجر نيوز" "المبررات" التي يسوقها البعض لسياسة التجميع بأنها "واهية وغير حقيقة"، مضيفاً أنها تخفي حقائق كثيرة، وعلى رأسها فشل الدولة في تأمين مساكن للاجئين وعدم قبول الكثير من الألمان تأجير عقاراتهم للاجئين.

ويحذر علاء الدين، الذي يعمل في مؤسسة تقدم الدعم والاستشارة الاجتماعية للمواطنين الألمان واللاجئين، بأن التجميع سيقود إلى "تكرار التجربة المريرة للعمال الضيوف وقدامى المهاجرين، سواء في فرنسا أو حتى في ولاية شمال الراين-ويستفاليا وبعض أحياء برلين". ويؤكد الباحث السوري أن أكثر العوامل حسماً وأهمية في الاندماج هو "الاندماج "الثقافي".

وفي نفس الاتجاه ذهبت المكلفة بشؤون الاندماج في حكومة ولاية شمال الراين-ويستفاليا سراب غولر، وقالت في حوار سابق مع مهاجر نيوز "إن أكبر إنجازات ألمانيا في الاندماج هو الإدماج في سوق العمل"، مؤكدة أن النجاح لا يشمل فقط اللاجئين الجدد بل يتعداه إلى "العمال الضيوف" (القدامى). غير أن المسؤولة المحلية في الولاية لفتت النظر إلى "الفشل في الاندماج المجتمعي: الناحية الثقافية والقيم السياسية كالديمقراطية ومعايير وعادات المجتمع"، بيد أنها عادت واستدركت أن ألمانيا "تعلمت من أخطاء الماضي".

الحل "سياسي"

يرى الباحث الاجتماعي أنس علاء الدين أن حل مشكلة إسكان اللاجئين بيد الحكومة الألمانية وهو سياسي بالدرجة الأولى: "يتوجب على الدولة عدم ترك الأمر للشركات والسوق فقط، بل يقع العبء عليها أيضا لإيجاد حل مناسب".

وفي الخريف الماضي تعهدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بتحرك حكومي لزيادة المعروض من المساكن. وقالت ميركل- عقب اجتماع للحكومة  في برلين- لمناقشة أزمة السكن "نعتزم بذل جهد كبير للوصول إلى هدفنا بزيادة المساكن". وأضافت "هذه واحدة من أهم القضايا الاجتماعية".

وقبل ذلك بفترة كانت الحكومة الألمانية قد أعلنت تقديم دعم سنوي كبير للأسر التي لديها أطفال حتى تتمكن من بناء أو شراء مسكن خاص بها. كما أعلنت عن تقديم تسهيلات مالية وتوفير أراض حكومية وبناء المزيد من مشروعات الإسكان الاجتماعي.

وتستهدف الحكومة بناء ما يصل إلى 1.5 مليون منزل جديد خلال السنوات المقبلة.

ووصف وزير الداخلية "هورست سيهوفر" الاجتماع بأنه "إشارة واضحة جداً" إلى سعي الحكومة لتخفيض أسعار المساكن من خلال زيادة المعروض. كما تعهد بخفض القيود على تسهيلات مشروعات بناء المساكن. ومن جانبه قال وزير المالية "أولف شولتس" الذي حضر الاجتماع أيضا "نريد المزيد من المساكن بأسعار معقولة".

خالد سلامة 


 

للمزيد